الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مصداقية متزايدة للدبلوماسية العمانية

مصداقية متزايدة للدبلوماسية العمانية

السيد عبد العليم

” إن انجاز مسودة دستور ليبي متفق ومجمع عليه من اعضاء الهيئة يمثل خطوة بالغة الأهمية في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها ليبيا. وذلك لان مشروع هذا الدستور حال اقراره والموافقة عليه عبر الاستفتاء الشعبي يمثل الاساس للتحول الديمقراطي في ليبيا لانه سيكون مرجعية عمل لكل المؤسسات الليبية وهو الحكم والفيصل في اي خلاف ينشأ بين المؤسسات والأطراف داخل ليبيا.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تأتي استضافة السلطنة لاجتماعات الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي التي انطلقت بفندق روتانا صلالة بمحافظة ظفار، حيث يسعى المجتمعون للتوافق على ما تم انجازه من مواد الدستور الـ220 في وقت تتزايد فيه مصداقية الدبلوماسية العمانية الهادئة على المستوى العربي والاقليمي والدولي.
فبعد الدور الدبلوماسي الناجح الذي قامت به السلطنة في تقريب وجهات النظر بين ايران والقوى العالمية الست فيما يتعلق ببرنامج الملف النووي الايراني واستضافة احدى الجولات الهامة للمفاوضات في مسقط ودورها المشهود في حل تلك القضية بالغة الصعوبة، وكذلك موقف الحياد الايجابي الذي تنتهجه السلطنة من النزاعات والصراعات بين الأطراف داخل الدولة الواحدة، جعلها محل تقدير كبير من قبل كل اطراف الأزمات المتفجرة في المنطقة العربية.
ويأتي توقيت استضافة السلطنة لاجتماعات الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي في وقت تمر فيه ليبيا بمنعطف خطير يضعها على مفرق طرق. فالوضع الليبي الحالي يمر بحالة من التنازع وعدم الاستقرار، حيث يوجد هناك حكومتان واحدة في طرابلس واخرى في طبرق. ومع تشكيل حكومة فايز السراج الأخيرة بموجب الاتفاقات التي تم التوصل لها عبر الأمم المتحدة، ورفض الحكومتان القائمتان فعليا التعامل معها، صار هناك ثلاث حكومات في ليبيا. كما ان هناك برلمانان في ليبيا واحد في طرابلس وآخر في طبرق. ليزيد كل ذلك من تعقيد المشهد الليبي. فضلا عن وجود جماعات مسلحة من كل الاتجاهات تنتشر في كثير من الأراضي الليبية. وكل ذلك دون وجود قوة نظامية قادرة على الحسم والسيطرة على كل أراضي الدولة. اضافة الى ظهور وتمدد تنظيم الدولة(داعش) واستغلاله الفراغ الأمني والسياسي بالاستيلاء على مناطق مهمة وتهديده صناعة النفط التي هي العمود الفقري للدخل القومي الليبي.
فقد ادى سقوط نظام العقيد معمر القذافي، إلى وجود حالة من الفوضى في المشهد الليبي. ومرد ذلك تجريف الحياة السياسية في عهد القذافي وعدم وجود مؤسسات حقيقية ـ جيش وشرطة وغيرها ـ قادرة على حفظ الأمن والاستقرار. وكما يحدث عادة في اغلب البلدان، توجد حالة من الفوضى عقب سقوط نظم الحكم الشمولية. وتواجه ليبيا مثل هذه الحالة، لكن المأمول ألا يستمر ذلك طويلا لما لذلك من تداعيات سلبية على الدولة الليبية التي تصبح هنا معرضة لأخطار بالغة من بينها التفسخ والتقسيم. ومن هنا تأتي اهمية مثل هذا الاجتماع لهيئة صياغة الدستور الليبي في السلطنة ـ وذلك لصعوبة قيامها بأعمالها داخل الاراضي الليبية بسبب الأوضاع الامنية التي تمنع كثيرا من الاعضاء من حضور الجلسات.
هذا على صعيد الداخل الليبي المعقد والذي يزيد من تشابكه وتعقيده وجود اطراف خارجية ـ بلدان عربية واقليمية وغيرها ـ تدعم فريقا بالمال والسلاح والسياسة والاعلام. بينما تدعم بلدان اخرى فريقا اخر، مما يعزز الانقسامات ويأتي في النهاية بالخراب على البلد وعلى الاطراف المتصارعة.
وفي خضم هذا المشهد الكئيب تظهر الدبلوماسية العمانية لتكون من القلائل بوجهها المشرق والهادئ لتقف على مسافة واحدة من كل الأطراف الليبية وتقول لهم تعالوا الى كلمة سواء. ابتعدوا عن التقاتل والتحارب ولا تتبعوا اهواء قوم اخرين ضلوا واضلوا. فانتم اخوان ولبعضكم اقرب. وما يجمعكم اكبر بكثير مما يفرقكم. وانه اذا وجد بينكم خلاف اليوم فهو عبارة عن سحابة صيف عابرة. وان ليس هناك بقاء لاحد على حساب زوال الآخر. اي انه ليس هناك صراع وجود بينكم. فالبقاء لكم جميعا والفناء عليكم جميعا. وان ما على السلطنة سوى الهمس في اذنكم بالنصيحة المخلصة لما فيه صالح البلاد والعباد. ورصيدها في ذلك عدم تحيزها لفصيل على حساب آخر.
كما انه، وعلى الرغم من الخلافات والنزاعات الظاهرية بين الليبيين تبقى اخلاقهم العربية والاسلامية الاصيلة كفيلة بردهم إلى الحق وجادة الصواب. إذ على الرغم من تلك الخلافات الظاهرة، لم يظهر عبر شاشات الفضائيات سياسي ليبي من فريق معين يشتم أو يتهجم أو يسب ويلعن سياسيا ليبيا من الطرف الآخر. بل ان لغة الحوار وادب الحوار هي التي تسود. اي ان الساسة الليبيين مهما كانت خلافاتهم فانهم ابعد ما يكونون عن التشنجات وكيل الاتهامات. كما لم نر فريقا منهم يذكر انه يحتكر الحقيقة بمعنى انه على الحق المبين وغيره على الباطل التام. وان الصراع بينهم هو صراع وجود. ومحاولة شيطنة الفصيل الآخر والقضاء التام عليه. كلا، فلم نر مثل ذلك وليس ذلك من شيم الليبيين، فرغم خلافاتهم فانهم يدركون ان ليبيا تسع الجميع, وان المطلوب هو العمل على لم الشمل وجمع الكلمة وتوحيد كل الجهود من اجل ليبيا حاضرا ومستقبلا. وفي خضم ذلك، تلمس الساسة الليبيون مواقف كثير من بلدان المنطقة من مشاكلهم وخلافاتهم، فرأوا في الدبلوماسية العمانية مبتغاهم، من حيث صدق النصيحة والمشورة وتوفير كل الأجواء المطلوبة لحوار هادف وبناء بعيدا عن الضوضاء والأضواء والجلبة الاعلامية التي احيانا ما يكون لها اضرارها قبل نضوج الأفكار وتبني التفاهمات والاتفاقات.
ان انجاز مسودة دستور ليبي متفق ومجمع عليه من اعضاء الهيئة يمثل خطوة بالغة الأهمية في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها ليبيا. وذلك لان مشروع هذا الدستور حال اقراره والموافقة عليه عبر الاستفتاء الشعبي يمثل الأساس للتحول الديمقراطي في ليبيا لانه سيكون مرجعية عمل لكل المؤسسات الليبية وهو الحكم والفيصل في أي خلاف ينشأ بين المؤسسات والاطراف داخل ليبيا. كما انه يمكن ان يمثل بؤرة ضوء وبارقة امل بانه يمكن لليبيين ان يتوافقوا ويحلوا كافة مشاكلهم عبر الحوار والتفاهم وليس عبر الاحتراب والاقتتال والاستماع الى مكائد شيطانية تسعى لتحقيق مصالح فريق بعينه على حساب كل ليبيا انطلاقا من مقولة أنا ومن بعدي الطوفان.
كما ان النجاح في انجاز مشروع الدستور الليبي على اراضي السلطنة يمثل اضافة الى رصيد الدبلوماسية العمانية الهادئة والناجحة بما يمكن ان يمثل حافزا لدعوة الفرقاء الليبيين الآخرين الى جولة محادثات تستضيفها السلطنة يمكن ان يسخرها الله سبحانه لحل خلافاتهم والاتفاق على ادارة بلدهم. بما يعمل في النهاية على استغلال الليبيين لطاقاتهم في بناء واعمار بلدهم واستغلال مواردها الضخمة بما يعود بالنفع عليهم وعلى أبنائهم وأحفادهم والمنطقة ككل، بدلا من استغلال تلك الطاقات في التحارب والتقاتل التي تكون عاقبتها الخسران المبين على الليبيين وعلى المنطقة. والله نسأل أن يلهم الليبيين رشدهم وأن يبارك للعمانيين ويجزيهم خيرا على جهدهم.

إلى الأعلى