الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المغاربة غاضبون .. وضد “كي مون” يصعدون

المغاربة غاضبون .. وضد “كي مون” يصعدون

محمد عبد الصادق

” كان المغاربة يأملون أن يقرأ الأمين العام الرسالة الموجهة إليه بطريقة مختلفة عن تلك التي تعامل بها , كانوا يتوقعون منه الإنصات بهدوء وتروٍ إلى مطالب هؤلاء المتظاهرين ويقوم بدراستها واستيعابها , ومن ثم يقوم بالرد على أصحابها بأسلوب دبلوماسي هادئ , يفسر فيه وجهة نظره ـ إذا كانت هناك وجهة نظر مغايرة لما جاء بتصريحه المسئ ـ وكان الأحرى به أن يخرج بياناً صحفياً يفسر فيه موقفه للرأي العام العربي والدولي دون تشنج أو غضب ,”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عودتنا المملكة المغربية دوماً على اتخاذ المواقف والقرارات الحاسمة , فانسحبت في الثمانينينيات من منظمة الوحدة الإفريقية ـ رغم أنها من المؤسسين ـ ومنذ عامين انسحبت من تنظيم كأس الأمم الإفريقية خشية انتقال وباء الإيبولا الذي ظهر في غرب إفريقيا إلى أراضيها , ورفضت كافة إغراءات وعقوبات الاتحاد الإفريقي للكرة لإثنائها عن قرارها , حيث رأت في تنظيم البطولة خطراً على الوضع الصحي وتهديداً للحركة السياحة المتنامية في البلاد .
ومؤخراً عمت مظاهرات صاخبة المدن المغربية شارك فيها آلاف المغاربة من كافة الأحزاب والأطياف ضد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بعد أن وصف المملكة المغربية بالمحتل في سياق حديثه عن الصحراء الغربية, ردة الفعل الجماهيرية القوية أفقدت بان كي مون رشده وأوقعته في لجة الغضب وأنسته كل الأعراف الدبلوماسية وظهر ذلك جلياً في الطريقة التي تعامل بها مع وزير الشؤون الخارجية المغربي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك , عندما حاول التأكيد له أن المظاهرات تستهدف المنظمة الدولية , وطالبه بتقديم إيضاحات حول مشاركة وزراء ومسؤولين كبار في المظاهرات , ووصل الأمر “بكي مون” لإلغاء زيارة كان من المزمع القيام بها قريباً إلى المغرب.
لم يقف رد فعل بان كي مون عند هذا الحد, بل طلب من مجلس الأمن الدولي اتخاذ موقف صلب ضد المغرب , ولكن أعضاء مجلس الأمن الـ 15 رفضوا الانسياق وراء غضب مون وفضلوا التوسط ومحاولة حل الأزمة وتخفيف التوترات بالطرق الودية ؛ لاسيما وأن غالبية الدول الأعضاء الدائمين والمؤقتين مثل مصر وفرنسا وإسبانيا والسنغال تربطها علاقات وتحالفات قوية مع المغرب الذي لم يكتف بالشجب والتنديد بما قاله الأمين العام, بل طلب من المنظمة الدولية تقليص عدد العاملين في بعثتها بالمملكة والتلويح بسحب قواته المشاركة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في كافة أرجاء العالم.
المغاربة لا يفهمون سبب غضب بان كي مون من مظاهراتهم التي خرجت تحتج بشكل سلمي على تصريحات صدرت عنه, وشعروا أنها تتضمن مساً بوحدة ترابهم الوطني, ويرون أن التظاهر السلمي سلوك ديمقراطي وحضاري يتماشى مع مبادئ الحرية والتعبير عن الرأي التي تدعو إليها المنظمة الدولية التي يرأسها كي مون, ويعتقدون أن الأمين العام “شخصن” المسألة وأن الغضب لا يصدر إلاّ عن أشخاص لا يؤمنون بالحرية ويعتقدون أن رأيهم ينبغي أن يسود ويفرض بالقوة والإكراه وما على الآخرين إلاّ الرضوخ وإلاّ عرضوا أنفسهم للعقاب والقصاص.
يتعجب المغاربة من أن عدم السماح للمواطن العربي بالتظاهر كان واحداً من الملاحظات المشينة التي طالما عاير بها الغرب الأنظمة العربية وظل يؤاخذها لسنوات عديدة على عدم منح الإنسان العربي الحق في التظاهر فكيف تغير الحال وصار التظاهر قيمة مرفوضة عندما يمارسها العرب في المغرب .
كان المغاربة يأملون أن يقرأ الأمين العام الرسالة الموجهة إليه بطريقة مختلفة عن تلك التي تعامل بها , كانوا يتوقعون منه الإنصات بهدوء وتروٍ إلى مطالب هؤلاء المتظاهرين ويقوم بدراستها واستيعابها , ومن ثم يقوم بالرد على أصحابها بأسلوب دبلوماسي هادئ , يفسر فيه وجهة نظره ـ إذا كانت هناك وجهة نظر مغايرة لما جاء بتصريحه المسئ ـ وكان الأحرى به أن يخرج بياناً صحفياً يفسر فيه موقفه للرأي العام العربي والدولي دون تشنج أو غضب , بعيداً عن التلويح بالويل والثبور وعظائم الأمور .
كما يرى المغاربة أن الأمين العام بانسياقه وراء مشاعر الغضب , تجرد من حياده الذي ينبغي أن يتحلى به المسؤول الأول عن السلم والأمن في العالم , وأن كي مون تخلى عن الموضوعية في موقفه وانحاز لطرف ضد آخر في نزاع لم يحسم ولم يجري استفتاء رسمي بشأنه حتى الآن , وأن موقف كي مون غير المتوازن يمكن أن يكون له عواقب وخيمة على مصير شعوب وأمم بكاملها كانت تنتظر العدل والإنصاف من الأمم المتحدة .
ويتهم المغاربة كي مون بعدم الإلمام بالخلفيات التاريخية للأحداث في المنطقة وإلاّ كان تفهم دوافع المتظاهرين وقبل بها , وأدرك مدى الحساسية التي مثلتها تصريحاته بالنسبة للشعب المغربي الذي قدم أبناءه التضحيات الجسام من أجل الحفاظ على وحدة التراب الوطني .
ويؤكد المغاربة أنهم على مدار تاريخهم ظلوا دولة مسالمة, كانت ضحية للاستعمار الفرنسي والإسباني, وأن الشعب المغربي ناضل طويلاً للحصول على حريته واستقلاله واسترجاع أراضيه المغتصبة عبر مراحل تاريخية ممتدة, حتى استطاع الحصول على استقلاله, وأن هناك قوى عظمى على رأسها أميركا وفرنسا وبريطانيا لا تريد لملف الأزمات أن يطوى, ويحمل المغرب هذه القوى مسؤولية حرمان المنطقة من الاستقرار والتنمية وجعلها عرضة للاستقطاب والتدخلات الأجنبية ؛ لكي تمارس التحكم والهيمنة على شعوب المنطقة, وتعطل مسيرة البناء والتنمية, وتجعلها أسيرة لهذه الوضعية المزرية التي عانت منها طويلاً نتيجة استمرار النزاع لعقود طويلة .
المغرب ربما الدولة العربية الوحيدة غير النفطية التي استطاعت تحقيق معدلات نمو اقتصادي معقولة في السنوات القليلة الماضية , بفضل الإصلاحات السياسية والاجتماعية التي أجراها العاهل المغربي الملك محمد السادس فور اندلاع ثورات الربيع العربي في 2011م , بدعوته لكتابة دستور جديد نقل فيه صلاحيات موسعة من الملك إلى الحكومة , وكلف عبد الإله بنكيران ممثل حزب العدالة والتنمية الحائز على أعلى الأصوات في الانتخابات النيابية بتشكيل حكومة إئتلافية موسعة شارك فيها معظم الأحزاب والتيارات السياسية بالمغرب دون إقصاء أو تهميش وربما هذا يفسر توحد الرأي العام المغربي تجاه قضية الصحراء وخروج مئات الآلاف للتظاهر ضد تصريحات بان كي مون, بفضل حالة الاصطفاف واللحمة الوطنية التي ينعم بها المغاربة وسط محيط مضطرب بالأزمات.
محمد عبدالصادق
492×552
138.63KB

إلى الأعلى