الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: ليس بالسلاح فقط تنتصر الشعوب

رأي الوطن: ليس بالسلاح فقط تنتصر الشعوب

توالي تجارب العديد من الدول الحرة في هذا العالم البرهان تلو البرهان على أن الشعوب الحرة والعصامية لا تموت، بل إنها في سبيل انتزاع حريتها وإرغام الآخر على الاعتراف بحقوقها واحترام إرادتها وخياراتها مستعدة لتقديم التضحيات إلى ما لا نهاية. وفي الوقت الذي أخذ التورم مأخذه من سياسات دول كبرى لطالما تباهت بقوتها العسكرية وسطوتها الاقتصادية بمحاصرة دول اقتصاديًّا ومقاطعتها دبلوماسيًّا واستهداف أخرى عسكريًّا، كان الإصرار على انتزاع الحرية والصمود ومقاومة الاستكبار حالة استثنائية تلهب المشاعر والأحاسيس. فلم تقف المسألة عند حدود تكريس نمط سلوكي وثقافة استهلاك أو توجيه قسري للموارد عند تلك الشعوب أو الأفراد المستهدفين بتلك السياسات، وإنما أخذت طابعًا آخر في تكريس المواجهة بالبناء من الداخل، فاتبعت الدول المستهدفة وسائل فعالة جديرة بالاحترام من حيث اتباع نهج مغاير مرتكزه المقاومة ثم الانتصار الحاسم في بناء استراتيجياتها التنموية وطريقة استثمار مواردها وطاقاتها المادية والبشرية، بهدف تحقيق تنمية حقيقية وذاتية تستند إلى قاعدة علمية ومعرفية، وبنيان في الإنسان والبشر لا الحجر.
لقد قدمت لنا سياسات الحصار والاحتواء والعقوبات الاقتصادية والمقاطعات الدبلوماسية أمثلة رائعة في التاريخ المعاصر لشعوب تواقة إلى الحرية والاعتماد على ذاتها والانتصار لأوطانها وسيادتها واستقلالها، ورفضها إملاءات الآخر، ويأتي في مقدمة هذه الشعوب الشعب الإيراني الذي استطاع بفضل صموده وصبره وحكمة قيادته في تحقيق انتصار لافت بعد ما يزيد على ثلاثة عقود من المواجهة والحصار الاقتصادي والاحتواء والتلويح بالحروب، ليتوج صبره ومعتمده على ذاته بإرغام الغرب بقيادة الولايات المتحدة على الاعتراف بحقوقه واحترام سيادة بلاده واستقلالها وبدورها.
اليوم يقدم الشعب الكوبي مثالًا حيًّا آخر على حقيقة أن الشعوب لا تموت، فها هي الولايات المتحدة بجلال قدرها وبجبروتها ـ وبعد ثمانية عقود من القطيعة والمواجهة مع الجارة كوبا التي كادت الأزمة معها قبل أكثر من نصف قرن تدخل العالم أجمع في أتون حرب نووية لا أحد يعلم بمنتهاها ونتائجها ـ ها هي تعترف بعظمة الشعب الكوبي وصبره واعتداده بذاته، ورفضه التبعية وحكمة قيادته، وليثبت للعالم أن الجبروت العسكري والسطوة الاقتصادية والاحتكار التقني للولايات المتحدة، يتحطمان على صخرة صمود الشعوب وقوة الإرادة، وأن انحسارهما وتضعضعهما أمام ذلك جعل الولايات المتحدة من دولة صانعة للحدث إلى دولة تسعى للدخول على الحدث والتأثير به. ولعل اللقاء التاريخي بين الرئيس الأميركي باراك أوباما مع الزعيم الكوبي راؤول كاسترو في هافانا بعد قطيعة سياسية واقتصادية دامت نصف قرن، كفيل بإعطاء الدليل على أن وسائل الحصار والعقوبات الظالمة والقوة العسكرية عبء على أصحابها، وأن مقياس الجودة المعتمد لتقييم السياسة الخارجية العامة لأي بلد من البلدان من خلال التزامها الواضح بمبادئ الحوار والابتعاد عن لغة التشنج والمهاترات، واحترام سيادة الدول وإرادة الشعوب، والجنوح نحو السلم وبناء علاقات قائمة على الاحترام وتبادل المصالح.
ما من شك أن اللقاء التاريخي الذي جمع الرئيس الأميركي ونظيره الكوبي أمس سيكون فاتحة لرسم خطوط عريضة لمستقبل مختلف في تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا، لكنه في جانبه الآخر، يحسب للرئيس باراك أوباما مغادرته المشهد السياسي بعد ولايتين رئاسيتين أنه وضع في سجله كأول رئيس للولايات المتحدة منجزات تاريخية، بدءًا من التفاهم على التخلص من الترسانة الكيماوية السورية، والاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإعادة العلاقات مع كوبا.

إلى الأعلى