الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى : تلك الرائحة

رؤى : تلك الرائحة

تستقبل أنفك خليط من الروائح العطرة القوية النفاذة إيذانا بمقدمهن بمسافة قصيرة من الطريق نساء من مختلف الأعمار تجدهن كما هو معتاد يتوزعن بعشوائية في مراحل العمر في المجموعة الواحدة الكبيرات والشابات الصغيرات والمتوسطات العمر حاملات لواء العطر يمضين في طابور ينثرن روائحه بإسراف في عرس من الرائحة الزكية تمضي مجموعة النساء تلك ينثرن رائحة عطرهن طوال الطريق تضوع بقوة مضمخة أعطاف الطريق تستقبل السائرين بفرح تنعش أنوف الرائحين والغادين في أجزاء الطريق المتعرج بين المزارع والبساتين وكأنهن رسولات العطر خادماته المخلصات.
ليس العطر وروائحه التي تعطر الهواء من حولهن سوى أثر طاغ لكرم وحفاوة استقبال يحملنه عادة بعد مغادرتهن أحد البيوت في الواحة وذلك بعد قيامهن بأداء واجب اجتماعي تهنئة بمناسبة عرس مثلا أو ولادة والذي جرت العادة بأن تقدمه النساء في مجالسهن هناك بعد تقديم أطباق الفواكه والتمر مع القهوة عنوان كرم وضيافة وهي تعكس أيضا حفاوة رقيقة تنبع من عالم المرأة الرقيق المكون باختصار من الروائح والألوان.
وبرغم أن العطر ذاته أو الأنواع من العطور التي يجري تقديمها عادة لا تحمل مواصفات تبلغ بها مستوى العطور الجيدة ولا حتى تلك المتوسطة منها وهي في واقع الأمر مجرد أنواع رخيصة وشعبية من العطور تتوفر بأبخس الأثمان في المحلات لكن برغم ذلك فإن عدة زجاجات من العطر مهما كان مستواها متدنيا تقدم للضيفة الواحدة من هذه النساء تصنع خليطا سحريا منعشا من الرائحة والتي تعطي لحظتها عطرا متميزا بذاته هو سليل تلك اللحظة الوجيزة من الخلط العطري العشوائي، خليط من هذه العطور لكنه بنتيجة مختلفة بإغواء مختلف من الروائح التي تنحت عطرها الخاص في القائمة الرصينة للعطور.
هذا المشهد العطري إذا جازت العبارة ما زال يتكرر في واحتنا كانعكاس لبعض جوانب المشهد الاجتماعي الممارس وسط الواحة، برغم ما تشهده في حقيقة الأمر الواحة من ترك السكان لها ونزوح عنها في السنوات الأخيرة سواء كان ذلك بسبب الانتقال خلف إغراء الوظائف الحكومية ومصادر العيش السهلة الأخرى المضمونة الأجر في آخر الشهر في المدينة، أو بسبب ترك جيل الشباب خاصة من سكان الواحة للمكان واختيارهم العيش في الأماكن المفتوحة الواسعة حول الواحة وبجوارها اللصيق ما يشكل ذلك في واقع الأمر عامل إفراغ للواحة من سكانها وهجر لها كمكان كان يمثل في السابق نموذجا للعيش، الذي تتوفر فيه كافة العوامل التي تحض على الاستقرار والتجذر.

أحمد الرحبي

إلى الأعلى