الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رسالة تقدير إلى امرأتين من وطني

رسالة تقدير إلى امرأتين من وطني

د.أحمد القديدي

” .. كنت أتأمل أنامل القبطانة وهي أنامل نسائية مهذبة ومرتبة تعود جيلي أن يراها لدى النساء العاملات في ميادين التربية والتعليم والتمريض والحلاقة النسائية والتجميل والمحلات التجارية والفنادق لا أن يرى هذه الأنامل الرقيقة وهي تمسك بمقود طائرة وزنها أطنان وحمولتها 200 راكب مصيرهم معلق على مهارة هذه الأنامل…”
ــــــــــــــــــــــــــ

أيتها المرأتان الكريمتان من بنات وطني أنتما تحملان نفس الاسم (أحلام) و تعملان في مجالين مختلفين جدا لا يربط بينهما شيء وبالطبع لا تعرفانني ولم ألتق بكما شخصيا إلا عرضا وبالمصادفة التي تمنحها ظروف الحياة لكل منا فيعرف من خلال هذه الصدف الطيبة بعض ما يجهل من حياة الآخرين. ولعلكما لا تقرأن هذه الرسالة التي أتوجه بها إليكما ومن خلالكما إلى كل نساء بلادي … وكل رجالها أيضا للاعتبار والتفكر. أولاكما هي السيدة (أو الأنسة لا أدري..) أحلام المراكشي قبطانة الطائرة التي سعدت بالسفر على متنها يوم الثامن من مارس من باريس إلى تونس لأن شركة تونس الجوية قررت الاحتفال بيوم المرأة العالمي الذي يصادف الثامن من مارس من كل عام فاختارت لرحلتها عدد 721 طاقما نسائيا بالكامل أي القبطان قائد الطائرة ومساعدتها وكل الفريق العامل على متنها كان من بنات حواء ولا أخفيكم أنني وأنا صاعد لأحتل المقعد المخصص لي أمعنت النظر في ملامح القبطانة الجميلة التي كانت تجلس بثقة ونوع من الزهو المشروع أمام أزرار وإشارات القيادة وهي تعرفها حق المعرفة تماما كجهلي التام بها إذ أني لا أفقه شيئا منها فقد كنت تلميذا متخلفا في الرياضيات والعلوم ولكن الأول دائما في الإنشاء والأدب (سامحني الله وسامح الذين شجعوني على الخيال و الفكر… ولولا الصحافة أنقذتني لكنت من الخاسرين) كنت أتأمل أنامل القبطانة وهي أنامل نسائية مهذبة ومرتبة تعود جيلي أن يراها لدى النساء العاملات في ميادين التربية والتعليم والتمريض والحلاقة النسائية والتجميل والمحلات التجارية والفنادق لا أن يرى هذه الأنامل الرقيقة وهي تمسك بمقود طائرة وزنها أطنان وحمولتها 200 راكب مصيرهم معلق على مهارة هذه الأنامل وقدرة صاحبتها السيدة أحلام على أن تمخر بنا عباب الجو لتشق فرنسا كاملة وتطير بنا فوق جبال (الألب) الثلجية التي نراها من علو شاهق ونحلق فوق قممها البيضاء ثم تعبر بنا البحر الأبيض المتوسط كله إلى أن تحط بنا الطائرة في مطار تونس قرطاج الدولي كما يقول صوت المضيفة التقليدي في كل مرة نهبط أرض الخضراء ( والتي حرمت منها ثلاثة عشر عاما عندما كنت منفيا بحكم الطاغوت والطاغوت اليوم هو المحروم من أرض تونس وما أقساه من عقاب!) ونعود للقبطانة أحلام (ياله من اسم شاعري لطيف لسيدة تتعامل مع أحدث التقنيات التكنولوجية ولا تحلم كما يفيد اسمها وهي في كابينة القيادة!) وأعترف لكم يا قرائي الأعزاء أنني شعرت بخوف غير مبرر ولكنه حقيقي وشبه غريزي لا إرادي لمجرد يقيني أنني أسلم أمري لله أولا وللماسكة بذلك المقود ثانيا حيث أني بحكم سني وخضرمتي لا أطمئن للمرأة التي تقود سيارة فكيف أتقبل امرأة تقود طيارة! وهو شعور يشاركني فيه من باب المزاح جاري على نفس الرحلة حين كانت الطائرة تلمس أرض مطار تونس قرطاج فبادرني بالقول ضاحكا :” الحمد لله لقد بلغت بنا القبطانة أرض تونس وما قصرت هذه المرأة وأضاف جاري مبتسما ماذا تركن للرجال يا دكتور؟”
أما أحلام الثانية فأحتفظ بلقبها العائلي لكني أقص عليكم ما سمعته عنها من أحد أصدقائي الثقاة الذي حدثني عنها فقال:” هي سيدة تعمل في محل صغير تبيع فيه الأكلات السريعة وكنت من رواد محلها لنظافته وطيب الساندويتشات فيه وتعرفت على هذه السيدة حين ساعدتها في استخراج بعض الوثائق الإدارية العادية وعرفت دون أن تسر لي هي بشيء بأن زوجها مصاب بمرض الفشل الكلوي ومنذ سنوات يعاني ولا يعمل وهي التي تشتغل وأصبحت هي التي تلح عليه يوميا أن تمنحه كلية من كليتيها وأن تبيع البيت الوحيد الذي يملكانه لتسديد مصاريف العمليتين الأولى لأخذ كليتها والثانية لزرعها للزوج. وتأثرت جدا كما تأثر الرجل الذي قص علي أمر هذه البطلة التي لا يمكن نعت ما تقوم به بغير قمة المروءة. المروءة التي نفقت سوقها بين الأزواج بسبب انعدام الأخلاق وتقلص الفضيلة وتعلق بعض النساء ببهرج الغلبة التي يوفرها القانون فيتحول رباط الزواج الذي جعله الله مودة ورحمة إلى صفقة ونقمة وتكون المرأة أول ضحايا التمرد الأحمق على رب البيت و أب أولادها وتنسى الزوجة في لحظة غرور وطيش أنها بدون بعلها وأسرتها لا تساوي فلسا في سوق النخاسين الذي يتربص بمثيلاتها وفي دوامة انقضاء الشباب وهجوم الشيخوخة ولكم رأينا بفضل برامج تلفزيونية تونسية جديدة تقدم المآسي العائلية من هذه الانحرافات مما يندى له جبين التوانسة المسلمين ومما ترك لدى الرأي العام الوطني شعورا بالمرارة والاشفاق على الضحايا الأبرياء وهم الأطفال دائما. كل هذه المفارقات طافت بذهني وذاكرتي ووجداني وأنا أرى القبطانة التي بلغت هذه الدرجة من التمكن و النجاح ثم وأنا أسمع من أمر السيدة أحلام الثانية التي تستعد لانتزاع كلية لإنقاذ حياة زوجها المريض والعاطل في حين أن بعض النساء الأخريات ممن فقدن كل القيم والمثل يرمين بأزواجهن في الشارع وهم في صحة جيدة و يكدحون من أجل عيالهم ولا ذنب لهم سوى أنهم منذ سنوات طوال أساءوا الاختيار وراهنوا على فرس خاسرة في سباق الدهر الطويل ولم يمنحوا لأولادهم الأم التي تتحمل المسؤولية بشرف وتؤدي الرسالة بأمانة! هاتان امرأتان من وطني أراهما تاجين على رأس بلادي بل هما تكفران في نظري عن ذنوب نساء أخريات امتلأت بهن قاعات المحاكم و مكاتب المحامين والمحاميات حتى قذفت بهن الحياة التي لا ترحم في الشوارع بحثا عن الحرام لأنهن ذات لحظة من غياب الوعي والضمير رفضن الحلال.

إلى الأعلى