الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سريلانكا.. الطبيعة في أبهى حللها 3/4

سريلانكا.. الطبيعة في أبهى حللها 3/4

سعود بن علي الحارثي

” أول اكتشافاتنا في هذه الجزيرة الواسعة أن اليوم هو يوم إجازة رسمية يتكرر كل شهر بمناسبة اكتمال القمر, حيث يتفرغ السريلانكيون لممارسة شعائرهم الدينية ومساعدة الفقراء والأيتام وتعهد المحتاجين وزيارة الأرحام واقتناص اللقاءات الحميمية واللحظات الغرامية بين العشاق, حيث يبرع هذا الشعب في صناعة البهجة والسعادة والمشاركة الإيجابية في الأفراح والمناسبات المختلفة”
ــــــــــــــــــ

ثالثا: وصف الرحلة ومساراتها ( كولمبو ) .
في حدود الساعة الثانية والنصف من صباح يوم الجمعة الرابع عشر من فبراير انطلق الطائر العماني مودعا سماء السلطنة وأرضها الطيبة الغالية ميمما وجهته إلى العاصمة السيرلانكية كولمبو في رحلة استغرقت حوالي أربع ساعات, كانت الطائرة شبه خالية إلا من عدد محدود من الركاب, ومقاعدها الشاغرة قدمت امتيازات وخيارات لهؤلاء القلة من المسافرين لانتقاء المواقع المناسبة للتمدد والاسترخاء, ولم يكلف طاقم الطائرة أو إدارة الشركة أنفسهم بإبلاغ المسافرين والاعتذار لهم عن تأخر موعد الانطلاق لأكثر من ساعة من الزمان, والذي كان مقررا في الساعة الواحدة والنصف, وكأن حقوق هؤلاء المسافرين الذين اختاروا الطيران العماني ووضعهم النفسي في تلك اللحظة لا تعني للشركة شيئا ذا قيمة, كما لفت انتباهي كذلك أن الشركة قدمت ضمن وجبتها الغذائية الرئيسية لمسافريها مياها لشركة غير عمانية, وفي رحلة العودة كانت الطائرة المزدحمة بالركاب صغيرة وقديمة ومتعبة وخالية من امتيازات الطائرات الحديثة من حيث سعة الكراسي ووجود شاشة تلفزة لكل راكب .. وكان من المفترض تخصيصها للرحلات القصيرة فقط, وهي من المآخذ التي تتكرر على شركة الطيران العماني. كنا تسعة من الزملاء الذين يعشقون السفر ويحبون التطواف بين المدن والتعرف على ثقافات الشعوب وتاريخها وتطور بلدانها وما يميز كل بلد عن الآخر, ويبرعون في صناعة المقالب الظريفة وصياغة الطرفة وقول النكتة وهي صفات ترفع من قيمة ونجاح هذا النوع من الرحلات, نزلت الطائرة في مطار باندرانايكا في كولومبو في حوالي الساعة السابعة والنصف بالتوقيت المحلي من صباح ذات اليوم, وكان ذلك الوقت المبكر من النهار مناسبا ومحببا ويبعث على التفاؤل والسعادة, فقد كانت كولمبو تستقبل شمس ذلك اليوم في لحظة تتسم فيه بالحيوية والحراك وتدب فيها الحياة وتنشط, وأهلها كما اعتقدت وأملت على اهبة الاستعداد للقيام بأعمالهم وأنشطتهم وهواياتهم المختلفة ولكل آماله وأحلامه وغاياته وطموحاته التي يسعى من أجل تحقيقها, والطلبة كذلك يتوجهون إلى مدارسهم وجامعاتهم لتلقي العلم والمعرفة, وبما أن النهار ما يزال يخطوا خطواته الأولى, فهو يشكل كذلك فرصة استثنائية بالنسبة للسائح والزائر للاستمتاع بالمناظر الخلابة والتعرف على طبيعة البلد ومعالمه المتنوعة, واكتشاف ورصد ما يمكن تسجيله وتوثيقه والبناء عليه لإعداد برنامج عمل سياحي مدروس بعناية, وتكوين انطباع عام خاصة والشوارع تنشط بالحركة البشرية ووسائل النقل بأنواعه المختلفة. تميز المطار بنظام جيد أريد منه خدمة كل المسافرين, حيث اللوحات التي تعرّف القادم بإجراءات الجوازات والجمارك, وطرق الخروج, ومواقع سيارات الاجرة التي تنقل المسافر إلى حيث يريد, كل ذلك يتم في نظام تام وهدوء يشعر القادم بالاطمئنان, مع وجود موظف مختص جاهز للمساعدة إذا تطلب الأمر ذلك, فالمطار وكما نعلم هو أول معلم يستقبل المسافر, فما يجده فيه من معاملة جيدة أو سيئة, ومواقف تيسر أو تعسر, واجراءات متبعة تسهل أو تعيق يترك انطباعاته الأولية التي قد تؤثر عليه طوال وجوده في ذلك البلد. حركة المسافرين الكثيفة وعدد الأوروبيين وملامح بشر من بلدان مختلفة والذين توزعوا على قاعات الانتظار وفي ممرات المطار, وطوابير السيريلانكيين التابعين لمكاتب السياحة أمام مخرج المطار في انتظار زبائنهم من السياح وهم يحملون عبارات الترحيب تشي بنشاط سياحي ملحوظ. استقبلنا السائق ومعه المرشد السياحي على باب المطار, انطلقا بعدها إلى قلب العاصمة الذي يبعد عن المطار في حدود خمس وأربعين دقيقة, كانت بيوت الصفيح متناثرة على طول تلك المسافة محاطة بغابة من الأشجار الكثيفة وجوز الهند وجداول المياه وبحيرات طبيعية, بدت الطبيعة هنا تكشف عن ملامحها تدريجيا كامرأة حسناء جادت بالقليل من جمالها ومن خلف نقاب, فأشعلت موجات الرغبة واللهفة في قلب الناظر المؤمن بقيمة الجمال الشغف به فلم يعد له من غاية سوى الغوص في أعماق ذلك الجمال الطاغي والتمتع بمقوماته وعناصره الآسرة, واكتشاف ما بعد ذلك من صوره وملامحه المتعددة. كانت الأرض المغطاة بالأشجار الباسقة والكثيفة وجداول الماء والنهر تقدم قراءات أولية على أن الطبيعة في سيريلانكا تخبئ مفاجآت سوف تتكشف مشاهدها وصورها تدريجيا كلما تعمقنا أكثر نحو اكتشاف هذا البلد الساحر. بدأت المدينة في الكشف عن جسدها تدريجيا عبر حركة السيارات ونشاط البشر المتعدد والمتنوع والمعالم القائمة, منازل, محلات تجارية, معابد ومساجد وكنائس, عمارات متناثرة هنا وهناك, شوارع بدت نظيفة ومتعهدة من رجال ونسوة يسرعون لالتقاط كل ما يعكر الصورة الجميلة.. أول اكتشافاتنا في هذه الجزيرة الواسعة أن اليوم هو يوم إجازة رسمية يتكرر كل شهر بمناسبة اكتمال القمر, حيث يتفرغ السيريلانكيون لممارسة شعائرهم الدينية ومساعدة الفقراء والأيتام وتعهد المحتاجين وزيارة الأرحام واقتناص اللقاءات الحميمية واللحظات الغرامية بين العشاق, حيث يبرع هذا الشعب في صناعة البهجة والسعادة والمشاركة الإيجابية في الأفراح والمناسبات المختلفة, فللفقراء أعيادهم ومناسباتهم وصخبهم واجتماعاتهم التي تقام وتنظم ويتم الإعداد لها في الساحات العامة وفي الشواطئ والأسواق حيث تنتشر مئات الأكشاك والباعة المتجولون لعرض الأطعمة الشعبية من كل نوع وصنف وحلويات الأطفال والألعاب وتقديم مختلف العروض التي تفضي إلى الفرح والمرح والسعادة وتنسي الفقراء هموم الحياة ومشاقها وساعات العمل الطويلة وما تتطلبه من جهد لتوفير لقمة العيش, وللأغنياء أماكنهم الخاصة ومتعهم وفرحهم في الفنادق والملاهي والنوادي الليلية … روح التفاؤل والأمل كانت واضحة وجلية في وجوه البشر, الابتسامة الصافية, الاحترام الراقي, القدرة على تجاوز الصعوبات والمشاق, هنا تمتزج العديد من التناقضات في مشهد واحد متكامل: الغنى الفاحش والفقر المدقع, البناء الحديث وأكواخ الصفيح, البنايات الشاهقة التي تكاد تعانق السحاب والمنازل المتواضعة, السيارات البالية التي غيرت لونها وشكلها عقود من العمل والجري في شوارع كولومبو وأرقى الموديلات التي تمتلك أحدث المواصفات والتقنيات, مواطن مسحوق وآخر يعيش في رغد وبحبوحة. بدت صفحة ماء المحيط الهندي من على الشواطئ السيريلانكية جميلة وهادئة ودفقات الأمواج تتحرك في تؤدة وتناغم, وكأنها في تكرار تشكلها وانطلاقتها واستعراضها المتواصل وألوانها المتجددة كما تتراءى للمتابع قد انفصلت عن محيطها المائي واستسلمت لأنغام موسيقية يقودها موسيقار محترف فهي تتشكل وتسبح فوق صفحة الماء وتتلاشى تناسقا وانسجاما مع النغمة الموسيقية التي ترتفع وتنخفض تدريجيا. الشواطئ ما زالت بكرا لم تمتد إليها يد التخريب والتغريب ولم يصل المستثمرون بثقافتهم الجشعة والاستغلالية والاستعمارية إلى أرضها وابتلاعها وتوظيفها في بناء الفنادق والمشاريع الاستثمارية لتذهب حصيلتها إلى جيوب الأعنياء من الفاسدين الذين يقدمون مصالحهم الخاصة ويسعون إلى تعبئة أرصدتهم من الأموال, ويحرم الفقراء حتى من حقوقهم البسيطة, في الترفيه والاستمتاع بالطبيعة في وطنهم. تعمل النسبة الأكبر من المسلمين في سيريلانكا في التجارة, بل إن الأعمال التجارية في معظمها بيد المسلمين الذين يفضلونها عن المؤسسات الحكومية. في شوارع كولمبو وفي أسواقها المزدحمة ومعالمها السياحية لا يرى السائح متسولا واحدا رغم الفقر المدقع الذي يلحظه الزائر في كل ملمح من ملامح الحياة, فالأنفة والنفس الكريمة تأبيان على السيريلانكي أن يمد يد التسول إلى إنسان آخر أو أن يحصل على المال دون مقابل رغم الحاجة إليه, فالرجل الذي يبيع كرات مضيئة يستخدمها الأطفال للترفيه في كاندي أبت عليه نفسه أن يأخذ مبلغا قدمه له زميلنا عطفا ورحمة به دون مقابل, فأصر على إعادة المبلغ أو أخذ ما يقابله من الكرات, ولولا توضيح الزميل واقناعه باستحقاقه للمبلغ جراء إدخاله البهجة والسعادة في نفوس زملائه إعجابا بالعرض الذي قدمه وهو يعرض بضاعته ما كان ليرضى بأخذ المبلغ, والعديد من المواقف الشبيهة كانت تصادفنا أثناء تجوالنا في المدن السريلانكية, فالإنسان هنا يتميز بالبساطة والهدوء والرقي في السلوك فلم نر خلال تجوالنا نزاعا نشب أو حادثا مروريا وقع أو سلوكا غير حضاري ظهر أو صفارات لسيارات اسعاف أو شرطة تدل بأن أمرا ما قد وقع, الهدوء والبساطة والروح المرحة والتحمل هي الصفات السائدة في الشارع والسوق وفي كل مكان, الملامح العامة والابتسامة الدائمة تعبر هنا عن الطيبة وعن الصفاء والنقاء, عن فطرة إنسانية بكر لم تنل منها قيم المادة وثقافة العولمة القائمتان على الانتفاع والاستغلال والنقاق. المتحف الوطني الذي يتكون من عدة مباني فخمة تعبر عن الحقبة الاستعمارية البريطانية, افتتح رسميا في العام 1877م, والمتجول في قاعاته وباحاته وممراته سوف يخرج بحصيلة وفيرة عن التاريخ السيريلانكي وتطور مجتمعاته عبر المراحل الزمنية في جوانبها الدينية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية والزراعية, يحتوي المتحف على صور ومقتنيات ومجسمات وقطع نادرة ومخطوطات غاية في الجمال والروعة صنفت وفقا لتطور حياة الإنسان السيريلانكي عبر العصور والأزمنة وما رافقها من تقدم في مختلف المجالات, ومنها نقوش وكتابات ومخطوطات اسلامية يعود تاريخها إلى العهد العباسي. مباني المتحف الوطني والمجلس البلدي والبرلمان ومركز الفنون المخصص لاحتضان المبدعين في مختلف الحقول والتي تحيط بحديقة العشاق التي تحتوي كذلك على مكتبة عامة ذات طوابق عدة تعبر عن روح المجتمع السريلانكي الذي يعشق الفن والإبداع, وعن العمارة الأنيقة التي حملت فخامة وصورة العمارة الأوروبية, ساحة الاستقلال التي يتوسطها بناء معماري جميل ينفتح على شوارع واسعة ونظيفة وعلى حدائق ومتنفسات وباحات جميلة يعبر هو الآخر عن مناسبة عزيزة على السيريلانكيين, حيث ينظم احتفال بهيج في الرابع من فبراير من كل عام تعبيرا عن الفرح بتخلص البلاد من الاستعمار الإنجليزي ونيلها للاستقلال بحظور رئيس البلاد. وتنظم في هذه المواقع العديد من البرامج والأنشطة, فالسيريلانكيون يصنعون في كل يوم عيدا يكون فرصة للتعبير عن النشاط والحيوية ونشر عبير التفاؤل والسعادة. الأسواق في كولمبو نشطة ومنتشرة بشكل واسع وتأخذ الطابع الشعبي, وتبيع محلاتها مختلف البضائع والسلع التي تنتج وتصنع محليا أو تستورد من الخارج, ويضخ الريف السريلانكي لأسواق كولمبو كل ما يحتاجه المستهلك من أنواع الفواكه والخضار واللحوم والأسماك والبيض والتي تعرض بأسعار مناسبة. كما أن مصانع الشاي والحرير والأحجار الكريمة تتواجد بشكل كبير في مختلف المدن السيريلانكية بما فيها العاصمة كولومبو.

إلى الأعلى