الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العراق يئن بعد 13 عاما من الغزو الأميركي

العراق يئن بعد 13 عاما من الغزو الأميركي

السيد عبد العليم

”تأتي الذكرى الـ 13 للغزو الأميركي للعراق، والمشهد في المنطقة ككل في اسوأ أحواله: فهناك الازمة السورية المشتعلة منذ سنوات ـ وسوريا جار للعراق ـ والتي تشهد تصارعا داخليا واقليميا ودوليا يهدد كيان الدولة السورية ولعل الاحدث في ذلك هو دعاوى الفيدرالية ولا سيما من قبل الاكراد في الشمال وامتدادهم في العراق وتركيا. كما هناك الازمة اليمنية والحالة الليبية وانتشار العمليات الإرهابية في عدد من بلدان المنطقة على يد داعش وغيرها”.

تحت ذرائع زائفة، مثل امتلاك النظام العراقي بقيادة الرئيس الراحل صدام حسين اسلحة دمار شامل وعلاقته بتنظيم القاعدة وتحرير الشعب العراقي، قامت الولايات المتحدة الاميركية بتشكيل تحالف دولي وشرعت في غزو العراق في20 مارس 2003، تحت شعار”الحرية الدائمة” وباستخدام اكثر الاسلحة فتكا فيما عرف بعملية “الصدمة والرعب”. وذلك تحت وعود أميركية تحدثت عن عراق جديد يمثل نموذجا في الشرق الأوسط ويكون بلدا للحريات والسلام، عراق ديمقراطي يتمتع بالرفاهية والامن والاستقرار.
ورغم مرور كل هذه الأعوام، فإن الوعود الأميركية التي جرى الحديث عنها، لم يتحقق منها شيء على أرض الواقع، بل ترتب على الغزو شل دولة كانت رائدة في المنطقة وصارت على شفا التقسيم والانهيار التام.
على شاشة احدى الفضائيات العراقية، يعلن عالم دين شيعي انه كان من الكارهين والمعارضين للرئيس صدام حسين، لكنه يذكر انه في عهد صدام تم تعبيد الاف الكيلومترات من الطرق وبناء اعداد كثيرة من الجامعات والمدارس والمستشفيات وغيرها من المرافق. وكان هناك اكثر من 600 عقار لصدام ما بين قصور وغيرها، لكن كانت كلها مسجلة باسم ديوان رئاسة الجمهورية العراقية ولم يكن هناك شيء باسم صدام سواء له أو لعائلته او لاعضاء نظامه داخل او خارج العراق. ويتساءل اين ميزانية العراق منذ عام 2003؟ ويذكر انه لم يكن في عهد صدام مثل هذا الفساد الذي يشهده العراق. هذا الفساد الذي دفع برئيس لجنة مكافحة الفساد في البرلمان العراقي الى الاعلان مؤخرا ان كل المسئولين العراقيين فاسدون ومرتشون بما فيهم هو نفسه، دون ان يخرج احد ينفي او يعترض على كلامه. كما يعلن عالم اخر، انه لو كان يعلم ان البديل لصدام هو تنظيم الدولة (داعش) ومن على شاكلتها لقاتل في صفوف صدام.
إن من ينظر إلى حال العراق اليوم يرى تخلفاً ضارباً جذوره في كل القطاعات. فمن تخلف في القطاعات الرئيسية كالقطاع الزراعي والصناعي إلى تدمير في البنية التحتية نتيجة للحرب. هذا بالإضافة إلى معدلات عالية من البحث عن عمل مع تفاوت كبير في توزيع الثروات بين الأفراد وبين الأقاليم، وانتشار الفقر بين أفراد المجتمع مع تردي الحالة المعيشية للسكان إلى الدرجة التي دفعت كثير من الكفاءات إلى اغلاق مكاتبهم وعياداتهم وشركاتهم ومشاريعهم والهجرة من العراق، حتى رأينا المشهد الحزين لذلك العالم الذي يبيع كتب مكتبته لأحواله المعيشية الصعبة. كل ذلك على الرغم من الإمكانيات الاقتصادية الهائلة التي يمتلكها العراق. فقد حبى الله العراق بنعم جعلته ينفرد عن سائر البلدان العربية اقتصادياً، فهو يجمع بين وفرة المياه ومساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، مع قلة نسبية في عدد السكان، اضافة إلى ثروات طبيعية هائلة أهمها النفط، الذي يمثل 95% من اقتصاد العراق. هذا بالاضافة إلى الثروة البشرية التي تتمثل في توفر عدد كبير من الرجال والنساء المتعلمين وكثير من الخبرات العراقية في كافة المجالات.
وكما يرصد احد المراقبين للشأن العراقي عن كثب، ما زالت نار الحرب وإعدامات الميدان والتصفية بالمقار الأمنية ودوي المدافع وهدير الطائرات تضرب بقوة بمجموعها كل مقومات العيش بحده الأدنى للمواطن العراقي وخاصة في مناطق غرب العراق. والناظر لحال الكثير من العراقيين اليوم داخل وخارج العراق، يرى حجم المأساة التي يعيشها المواطن العراقي. فهناك في عراق اليوم، مدن بأكملها لا يوجد بها لا ماء ولا كهرباء ولا حتى طحين، وان وجد الطحين يوجد في شكل مقنن ويستفيد منه بشكل واسع ما يسمى “بتجار الأزمة او بتجار الحرب العراقيين” لا فرق في ذلك، كما يقول العراقيون، فهؤلاء هم جزء من الحرب ومن منظومة الحرب في العراق، وان كان بوجوه وصور مختلفة. ومن هنا، فالواضح من حجم الدمار الهائل والخراب والدماء التي دفعها العراقيون كنتيجة لما يجري في العراق منذ 13عامآ، ان الخاسر الوحيد منه ومن كل ما يجري في العراق هو الشعب العراقي والشعب العراقي فقط.
وتحل ذكرى الغزو الاميركي للعراق وما خلفه ذلك الغزو من الحالة المزرية التي صار عليها العراق الان، من ناحية الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلد والانفلات الامني والفساد المستشري واثارة فكرة تقسيم العراق ومحاولة انفصال اقليم كردستان العراق واستفحال داعش واستيلائه على اجزاء واسعة من العراق بعد انهيار قوات الجيش العراقي ـ الذي كان من اقوى الجيوش في المنطقة ـ امام الاف المقاتلين من داعش. وعدم قدرة الجيش العراقي ورغم الدعم الاميركي بالتدريب والقوات والقصف الجوي على استرداد ما استولت عليه داعش. فضلا عن ان الجيش العراقي لم يعد قادرا على بسط سيطرته الا بالاستعانة بفصائل مسلحة شيعية وكردية مثل قوات الحشد الشعبي او قوات البشمركة الكردية اي انه لم يعد هناك وجود لاهم اركان الدولة وهو جيشها.
فماذا استفاد العراق من هذا الغزو؟ قتل الالاف من ابنائه وشرد الملايين وهجرة ونزوح الملايين وتدمير بلدا عربيا كان وجهة لكثير من ابناء العرب للسفر والعمل فيه. لقد صار العراقيون الذين تحوي بلدهم كنوزا من النفط والموارد الطبيعية يعانون من انقطاع الكهرباء والمياه بشكل دائم ومن ثم الخدمات المرتبطة بذلك لا سيما في المدارس والمستشفيات والمرافق الخدمية الحساسة والمهمة. وماذا حقق العراق بعد 13 سنة من الغزو والاطاحة بنظام صدام؟ فهل تم تعبيد كيلو متر واحد من الطرق؟ وكم مدرسة ومستشفى وجامعة بنيت؟
لقد دفع هذا التردي في الاوضاع الاقتصادية والانهيار العسكري والسياسي والامني والفساد المستشري وانهيار الخدمات، بقطاع من العراقيين المتحالفين او انصار الحكومات العراقية المتعاقبة ـ انصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر ـ الى النزول الى الشوارع والتظاهر ثم الاعتصام امام المنطقة الخضراء حيث مقر الحكم والحكومة المركزية للضغط من اجل احداث اصلاحات حقيقية وتشكيل حكومة كفاءات وليس حكومة محاصصة والتصدي للفساد ليمثل ذلك مرحلة مهمة سيكون لها ما بعدها على الصعيد العراقي في كيفية تعاطى حكومة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي مع مثل هذا التحدي وكذلك الحال بالنسبة لمجلس النواب والرئاسة.
كما تأتي الذكرى الـ 13 للغزو الاميركي للعراق، والمشهد في المنطقة ككل في اسوأ أحواله: فهناك الازمة السورية المشتعلة منذ سنوات ـ وسوريا جار للعراق ـ والتي تشهد تصارعا داخليا واقليميا ودوليا يهدد كيان الدولة السورية ولعل الاحدث في ذلك هو دعاوى الفيدرالية ولا سيما من قبل الاكراد في الشمال وامتدادهم في العراق وتركيا. كما هناك الازمة اليمنية والحالة الليبية وانتشار العمليات الارهابية في عدد من بلدان المنطقة على يد داعش وغيرها. وفي وقت تنهمك فيه حكومات المنطقة سواء في مشاكلها الداخلية او انخراطها في مثل هذه الصراعات والازمات، بينما يستفحل الاحتلال الاسرائيلي ويلتهم مزيد من الاراضي الفلسطينية ويعتدي على المقدسات.
اللافت ان هناك عواصم عربية حرضت الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش الابن على غزو العراق وسعت جاهدة لاقناعه بان المنطقة ستكون افضل بدون صدام وفتحت مجالاتها الجوية والبحرية امام القوات الاميركية الغازية لبلد عربي شقيق. بل وهناك من قدم دعما ماليا سخيا في ذلك. فماذا كسب هؤلاء الذين يتباكون اليوم على سقوط عاصمة الخلافة وهم الذين سعوا جاهدين لاسقاطها؟ ثم يندبون حظهم الان على وقوعها ضمن الهيمنة الايرانية. فماذا لو كان نظام صدام ما زال قائما وحاضرا في المشهد السياسي العربي اليوم؟ هل كان المشهد بهذه الحالة المزرية الذي هو عليها اليوم؟ المحزن ان تلك الانظمة لم تتعظ مما حدث وتريد تكرار نفس المشهد البائس في بلدان أخرى! لقد كان الغزو الاميركي للعراق وبالا على العراقيين وعلى المنطقة وعلى العالم أجمع.

إلى الأعلى