الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تسويات الحقيقة

تسويات الحقيقة

أحمد مصطفى

” كنا في السابق ولعقود طويلة نعيش في منطقتنا ألما فلسطينيا، من احتلال استيطاني وضم أراضي بالقوة لعصابات مستوطنين تأتي بهم سلطة احتلال عنصرية وتشريد سكان الأرض الأصليين. وعلى مدى عقود (قاربت القرن) يزداد عدد اللاجئين الفلسطينيين حتى أن بعضهم أصبح يحمل جنسيات أخرى بالفعل. وجاءنا الإرهاب ومعه التدخلات الخارجية عسكريا فلم يعد الفلسطينيون وقضيتهم همنا، وأصبح لدينا كثير من “ميني فلسطين” في مختلف أرجاء المنطقة.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تفرض الحكمة التقليدية، وكذلك الالتزام المبدئي في السياسة، والحس الإنساني عامة التحمس للحلول السياسية خاصة في الصراعات العنيفة المدمرة. ولاشك أيضا أن أي حل للصراعات على طاولة المفاوضات، مهما كانت تنازلات أطراف الصراع، يظل أفضل مئة مرة من إراقة نقطة دم أوتدمير منشأة أوتشريد عائلة أو أي مما ينجم عن الحروب والصراعات العنيفة. ويدعوكل من يراعي المعايير الإنسانية البسيطة كي لاتصل النزاعات والصراعات إلى حد الحرب والتدمير، لكن ما إن يدخل السلاح ساحة الصراع يتحول الدعاء إلى وقف استخدامه بأسرع ما يمكن واللجوء للحوار وحلول التسوية. هذا، مع أن الصراع يكون قد خلف بالفعل مآسي وجراح ربما يصعب اندمالها بمرورالزمن.
تلك التسويات التي يجري الحديث عنها (دون فعل واضح حتى الآن) في سوريا وليبيا واليمن لا تثير التفاؤل، رغم كل ما سبق وتمنيات الجميع من خارج الصراعات أن يتوقف القتل والدمار والتشريد ولو قليلا. وبغض النظر عن رغبة الأطراف المعنية في التوصل إلى تسوية أم لا، فإن الواقع يشير إلى استمرار الحروب وتبعاتها خاصة مع تزايد رقعة الإرهاب وما توفره تلك الصراعات من بيئة خصبة لنمو الإرهاب والتطرف. وللمرء أن يتخيل كيف سيصبح سوريا من ملايين المشردين اللاجئين لن يتمكن من العودة إلى بيته ووطنه، حتى في حالة التسوية الآن، إلا بعد سنوات طويلة. فمتوسط فترة إعادة تأهيل اللاجئ خارج بلده هي تقريبا 17 عاما. هذا مجرد واحدة من حقائق تلك الصراعات، وهناك مرارات أخرى كثيرة لا تحتاج لأن نعددها هنا، فنحن نتابعها يوميا في الأخبار.
كل ذلك يصعب تصور أن أي تسويات ستخلص الشعوب المتضررة منه، ناهيك عن أن تلك التسويات ـ إن تمت ـ لن توقف كل هذه الأهوال تماما. لكن التساؤل الأهم هو إلى أي مدى ستعمل تلك التسويات على “طمس” حقائق و”إعادة كتابة الأحداث” وكم ستوقع التسويات من ضحايا غير معلنين على اعتبار أن أول ضحايا الحروب هي “الحقيقة”. أظن أن الإجابة على هذا التساؤل ربما تكون معروفة سلفا، فالتقدم التكنولوجي وثورة وفرة المعلومات التي نجمت عن انتشار الانترنت واستخدام الهواتف الذكية جعلت “تسوية الحقيقة” مسألة صعبة إن لم تكن مستحيلة. مع ذلك، يظل أن أطراف الصراع، والآن أطراف التسوية، سيبقى على أجندتهم في أي مفاوضات تسوية بند “تسويات الحقيقة” كل بما يراه مفيدا له ولو بالتلفيق والخداع. وسيبقى الخاسر النهائي في كل ذلك الإنسان العادي الذي حارب الجميع باسمه وتفاوضوا على انهم ممثلوه واتفقوا على تسويات ليس في أولوياتها مصلحته بالضرورة.
ولنطرح هنا، افتراضيا بالطبع، أن التسويات في كل تلك البقع الملتهبة آتت أؤكلها كما يتمنى كثيرون ووضعت أغلب الحروب أوزارها فكيف سيرى بعضنا “إرهابيا سابقا” وقد أصبح مسؤولا يتحدث باسم الجماهير؟ وكيف سنرى من تلطخت يديه بدماء الأبرياء، فاعلا أو محرضا أو حتى مبررا، وحض على التدمير والخراب أو برر نفعيته الذاتية والطائفية والفئوية بأنها “نضال من أجل الحرية” وهو يتصدر العناوين والشاشات بطلا؟ لا أظن أن حقائق مثل هذه قابلة للتسوية، وسيظل كما يقول المثل “اللي في القلب في القلب”. ولن يأمن أحد للآخر مهما كانت الصور أمام الكاميرات، ولن تهدأ نفوس أصابها الصراع بأمراض مستعصية.
مؤخرا نشرت إحدى المؤسسات الأوروبية دراسة عن التشوهات النفسية المزمنة التي تعرض لها مئات آلاف الأطفال السوريين، وإن لم تذهب الدراسة بعيدا في استنتاجاتها فمن المنطقي أن يتصور المرء ان أغلب هؤلاء الأطفال على الأقل لن يكونوا أسوياء نفسيا إن لم يتحولوا إلى مشوهين أو متطرفين. وأعرف شخصيا عائلات سوريا، خرج جزء منها ولا يزال بقية أعضائها في سوريا، لم يعد ممكنا أن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب حتى لو اصبح بلدهم “جنة الحرية والديموقراطية”. كذلك الحال مع مناطق صراع أخرى كالعراق واليمن وليبيا.
كنا في السابق ولعقود طويلة نعيش في منطقتنا ألما فلسطينيا، من احتلال استيطاني وضم أراضي بالقوة لعصابات مستوطنين تأتي بهم سلطة احتلال عنصرية وتشريد سكان الأرض الأصليين. وعلى مدى عقود (قاربت القرن) يزداد عدد اللاجئين الفلسطينيين حتى أن بعضهم أصبح يحمل جنسيات أخرى بالفعل. وجاءنا الإرهاب ومعه التدخلات الخارجية عسكريا فلم يعد الفلسطينيون وقضيتهم همنا، وأصبح لدينا كثير من “ميني فلسطين” في مختلف أرجاء المنطقة. لكن يبقى أمر واحد ثابت: كل تلك السنوات بما فيها من حروب واتفاقيات ومعاهدات نتيجة تسويات لم تطمس بعد حقيقة أن فلسطين بلد عربي محتل. وأغلب الظن أن كل التسويات المتوقعة في مختلف الصراعات الحالية لن تطال حقائق ثابتة واصلية مهما كان. نعم، تمكنت أوروبا من تجاوز ملايين القتلى في حروبها الداخلية لتقيم اتحادا اقتصاديا في البداية وسياسيا ما بعد ذلك، لكننا لسنا أوروبا وعلتنا رغم الإرهاب المحلي المفرخ ذاتيا فاقمها التدخل الاقليمي والدولي. لذا مهما كانت تسويات الحقائق سنظل (أو على الأقل بعضنا) يرى الأبيض أبيضا والأسود أسودا مع قليل من الرمادي.

إلى الأعلى