السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

وليد الزبيدي

الحلقة الخامسة

الدعم الدولي ومقارنة بفيتنام وفلسطين

نجد أن المقاومة الفرنسية قد تأخرت طويلا، قياسا بما كانت تحظى به من دعم دولي وإمكانات هائلة، فبعد أن زحفت القوات الألمانية صوب فرنسا العام 1940، أجرت القيادة الفرنسية عدة إجتماعات برئاسة رئيس الحكومة بول رينو، ولم تتمكن من التصدي للقوات الألمانية الزاحفة، وإنهارت الحكومة الفرنسية، وقسم الألمان فرنسا إلى منطقتين، الأولى تواجدت عليها القوات الألمانية، في حين تم تنصيب حكومة فرنسية من قبل الألمان في القسم الثاني، والتي عرفت بحكومة (فيشي) التي ترأسها الجنرال بيتان، وحصل ذلك بتاريخ. (19-6-1940).
اما ديجول فقد انتقل إلى بريطانيا، ليقود المقاومة من هناك، إلا أن ديجول الذي انتقل من سلطة فرنسية متكاملة عسكرية وأمنية وشعبية، لم يتمكن من الشروع بعمليات مقاومة على شكل هجمات سريعة ومتواصلة ضد قوات الاحتلال الألماني، وبالمقارنة مع بدء المقاومة العراقية، فإن الانطلاقة على أرض العراق كانت سريعة وفاعلة، حيث بدأت بعد أقل من اربع وعشرين ساعة من احتلال العراق من قبل القوات الأميركية والبريطانية.
من التجارب التي ارتأينا الخوض بدراستها، وإجراء مقارنة حول سرعة نشأة وانطلاق المقاومة العراقية، هي تجربة المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، فرغم وضوح المشروع الإسرائيلي في فلسطين، ومروره بمراحل واضحة الأهداف، إمتدت لعشرات السنين، قبل الإعلان الرسمي عن احتلال فلسطين عام 1948، إلا أن المقاومة الفلسطينية تأخر انطلاقها أكثر من ستة عشر عاما، ونعني بالانطلاقة، الفعل المقاوم الذي تتواصل فيه عمليات عسكرية منظمة، تحدث فزعا وإرباكا وخوفا لدى العدو، وترسم افاقا سياسية تتساوق والفعل العسكري الحاصل على الأرض، فقد تم احتلال فلسطين وإعلان دولة إسرائيل في (15/5/1948)، ولم تتشكل جبهة التحرير الفلسطينية إلا بتاريخ (24/5/1964) حيث انعقد المؤتمر الشهير في مدينة القدس، وهنا نحن أمام اكثر من عقد ونصف العقد من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وهناك أكثر من تسويغ لتأخر ظهور المقاومة على أرض فلسطين، لعل أهمها أن أبناء فلسطين وضعوا ثقل قضيتهم على كاهل الدول العربية، وانتظروا فجرا لم يروه ليخلصهم من المحتلين الإسرائيليين، وربما نكتشف بهذه المناسبة أن اليأس من فعل عربي لتحرير الاراضي العربية المحتلة في فلسطين، كان أحد عوامل انطلاق المقاومة العراقية في وقت مبكر جدا، وذلك بالإعتماد على القدرات الذاتية، كما أن قناعة المقاومين أفرادا ومجاميع في بداية مرحلة التشكيل والنشأة لإدامة زخم هذه المقاومة على أرض بلاد الرافدين كانت عاملا مهما، إذ لم يضعوا في حساباتهم دعما وإسنادا عربيا، وتم الشروع بالمقاومة من خلال التعامل مع المتوفر من الأسلحة على أساس أنها الرافد الوحيد الذي يمكن استخدامه، فجاء الاسراع بجمع الاسلحة والاهتمام بعمليات التخزين التي تضمن سلامة السلاح والعتاد لسنوات طويلة، ولم يدر بخلد المقاومين حتى ولو للحظة واحدة، أن تنتفض الحكومات العربية أو الشارع العربي والوقوف ضد الاحتلال الأميركي، الذي أصبح واقعا مفروضا على أرض وشعب العراق.
أما التفكير بالعمل المسلح من قبل القوى والشخصيات الفلسطينية فلم ينقطع، ويقول بهذا الصدد القيادي في منظمة التحرير الفلسطينية شفيق الحوت (في نهاية الخمسينيات وبداية الستينات، بدأت تتشكل بعض الفصائل الفلسطينية مثل حركة القوميين العرب، حركة فتح، جبهة التحرير الوطني الفلسطيني، وتنظيمات اخرى وصلت إلى حوالي 17 تنظيم تقريبا (المصدر – قناة الجزيرة بتاريخ 19/1/2003 حوار مع القيادي في منظمة التحرير الفلسطينية شفيق الحوت) (19).
من زاوية اخرى قد يتصور البعض أن الفلسطينيين اعلنوا استسلامهم خلال تلك الفترة، وهذا غير صحيح، فهناك اكثر من 800 الف فلسطيني وجدوا أنفسهم خارج بلدهم، وحصلت صدامات بين الفلسطينيين واليهود، إلا أن غالبيتها قد انحصرت بالصدامات الفردية او المجاميع الصغيرة، خلال محاولات البعض دخول فلسطين وجلب حاجيات وأغراض خاصة بهم،وتقول الإحصائيات أنه خلال الفترة من مارس 1949 حيث تم توقيع وقف إطلاق النار حتى حرب إجتياح غزة وسيناء في اكتوبر العام 1956 قُتل (1176) إسرائيليا، وعند التدقيق بتفاصيل الكثير منها يجد المرء أنها تدخل ضمن أعمال المقاومة،إلا أنها في المحصلة النهائية عبارة عن هجمات تستهدف المحتل بكل عناوينه.
ويذكر الباحث الفلسطيني علي بدوان في كتابه الموسوم (من تاريخ الكفاح الفلسطيني أفول وصعود المقاومة) (20) أنه قد تم تنفيذ أولى العمليات الفدائية الاستطلاعية شمال فلسطين المحتلة يوم (21/10/1966) وأن أولى عمليات جبهة تحرير فلسطين بزعامة احمد جبريل، قد بدأت في نوفمبر 1965، ومع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في 24 مايو1964 تم رسميا الاحتفال بتشكيل القوة العسكرية التابعة لها، تحت إسم جيش التحرير الفلسطيني وأعلن ذلك في 1/9/1964 بقوام ثلاثة الوية عسكرية – مشاة/صاعقة في كل من: مصر وقطاع غزة (قوات عين جالوت) وفي سوريا (قوات حطين) وفي العراق (قوات القادسية) وبقي المقر العام للجيش في القاهرة إلى العام 1971، وبعد ذلك بسنتين أعلن الدكتور جورج حبش عن قيام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في 7/12/1967 عبر بيانها التأسيسي الموجه للشعب الفلسطيني والأمة العربية، والداعي “لإعلان الكفاح المسلح والاستمرار فيه، بالرغم من كل الصعاب” وإلى اعتماد لغة العنف الثوري ضد الاحتلال”، ولابد من الإشارة هنا إلى أن اول شهيد هو (خالد ابو عيشه) سقط من الجبهة الشعبية قبل إعلان تأسيسها، وكان ذلك بتاريخ 2-11-1964 (علي بدوان – مصدر سابق).
لا شك أن تأخر انطلاق المقاومة الفلسطينية قد أضر بها كثيرا، فالإسرائيليون يزدادون قوة، لما يحصلون عليه من دعم أميركي ودولي كبير، وأعداد السكان الإسرائيليين يزدادون، بسبب استمرار عمليات تهجير اليهود من الدول العربية والأوروبية، اضافة إلى عمليات الجذب والاغراء، وعلى الطرف الاخر تزداد عمليات تهجير الفلسطينيين وإبعادهم عن أرضهم، والعمل بكل الوسائل لفك ارتباطهم بأرضهم، ما يؤثر سلبا باهتمامهم بقضية فلسطين، وأصبحت الصورة بوجهيها المتناقضين، الأول يزداد قوة وأعداد الإسرائيليين بتزايد، والثاني يزداد بعثرة وتشتيت اعدادهم وتفتيت قواهم، أما في الداخل، فأن الاحتلال الإسرائيلي فقد عمل بإتجاه الاستفادة من الفلسطينيين قدر الإمكان، وزج من يشتبه بحمله الفكر المقاوم والنزعة الوطنية في السجون والمعتقلات، ولا شك أن الإسرائيليين قد استفادوا كثيرا من تأخر انطلاق المقاومة طيلة هذه السنوات، التي زادت عن 16 سنة، وهو زمن طويل من عمر الاحتلال، خاصة الإسرائيلي الذي يعمل بعقيدة تسمية الارض باسمه وربطها بمواطنيه وإنكار حق الاخر بالعيش على هذه الأرض. وهنا نؤكد على هذه النقطة، لأنه لو تأخرت المقاومة العراقية في انطلاقها لعدة أشهر أو سنة واحدة لواجهة صعوبات جمة، ولو انتظرت سنوات كما حصل في فلسطين فربما لا تنطلق، وإن بدأت فستكون ضعيفة، لهذا فأن ما يحسب للمقاومين الفلسطينيين، أن تأخر انطلاقتهم لم تؤثر كثيراعلى (مشروعهم المقاوم) وواصلوا مقاومتهم للاحتلال الإسرائيلي.
وفي سياق الحديث عن سرعة انطلاق المقاومة العراقية، التي بدأت في اليوم الأول من احتلال العراق في (العاشر من ابريل 2003)، فقد وجدنا أن تجربة المقاومة الفيتنامية جديرة بالاهتمام والدراسة، إلا أن هناك خصوصية واضحة في التجربة الفيتنامية، نظرا لتداخل الاحتلالات في تاريخ هذا البلد، والتي تمتد إلى الاحتلال الفرنسي، الذي يعود تاريخه لعدة عقود.
تذكر (الموسوعة الفيتنامية) (21)، أن الفرنسيين سيطروا على فيتنام،منذ اواخر القرن التاسع عشر، وتعرضت فيتنام إلى غزوات كثيرة تمتد إلى ما قبل الميلاد، حيث سيطر الصينيون على منطقة فيتنام عام 100 قبل الميلاد وحتى القرن العاشر الميلادي، وفي ذلك الوقت تمكن الفيتناميون من تأسيس أول دولة فيتنامية لها استقلالها.
وتكالبت الدول على فيتنام طمعا بثرواتها من الارز الذي تتميز بزراعته، وثروتها السمكية، حتى أطلقوا وصفا على الفيتنامين يقول (أنهم يصطادون السمك بشباك من الذهب) ويلخص هذا القول الكثير في موضوعة البحث عن استهداف فيتنام وتتابع الاحتلالات وغزوها المتواصل، من الدول المجاورة لها مثل اليابان والصين أو البعيدة مثل فرنسا، وبعد ذلك الولايات المتحدة، وأعتقد أن كثرة الاحتلالات قد أعطت نمطا سلوكيا متوارثا، ما جعل النفس البشرية الفيتنامية تتنافر مع الاحتلال، باعتباره جسما غريبا لا يمكن قبوله أو التعايش معه بأي شكل من الأشكال، ونجد أن الفيتناميين لم يقبلوا في نهاية الأمر المشروع الذي تم بموجبه تقسيم بلدهم، بعد انتصارهم على الاحتلال الفرنسي في معركو (ديان بيان فو) الشهيرةعام 1954، وهذا المشروع قسم فيتنام إلى دولتين جنوبية وشمالية حسب إتفاقية جنيف عام1954، الذي لم يلقى قبولا من القوى الفيتنامية الوطنية، ووجدت فيه إبقاء متعمدا على مشروع الاحتلال واستمراره، وقد تواصل الاحتلال الفرنسي لفيتنام حتى الحرب العالمية الثانية عندما احتلتها اليابان، وبعد خسارة اليابان في الحرب الثانية عام 1945م، عادت فرنسا إلى احتلال فيتنام، واستمر ذلك حتى تم الحسم العسكري عام 1954 في معركة (ديان بيان فو) التي إنهزم فيها الفرنسيون، وقرر الفيتناميون افشال التقسيم، حيث قاد (الفيت منه) تمردا في الجنوب عام 1957 ضد الحكومة، بهدف توحيد فيتنام، ومعروف أن هذا الهدف لايمكن أن يتحقق بدون المقاومة المسلحة، وكان الزعيم الفيتنامي الشهير (هوشي منه) قد أسس عام 1941م حركة (الفيت منه) لمقاومة الاستعمارين الفرنسي والياباني، إلا أن تأسيس هيكل قيادة موحدة لم يتم إلا في يونيو عام1958. وتم الإعلان عن تأسيس جبهة التحرير الوطنية عام 1960، ومنذ أن تولت هذه الجبهة رسميا قيادة الكفاح الوطني لفيتنام الجنوبية بدأ الفعل المقاوم في فيتنام، وتأخر الشروع بهذا العمل ما يقرب الست سنوات، وبدأت أولى الهجمات على معسكرات جيش فيتنام الجنوبية في محافظتي فوك تانة ودارلاك. ما إضطر الأميركيون لوضع خطط مضادة لحرب العصابات، وأطلق عليها (استراتيجية الحرب الخاصة) التي وضع أسسها الفريق الأول ماكسويل تايلور (Maxwell.D.Taylor) رئيس أركان الجيش الأميركي، بعد أن وصل إلى سايجون منتصف عام1961.
أن الخبرات الكثيرة التي إكتسبها الشعب الفيتنامي عبر عشرات السنين في ممارسة المقاومة، وتداخل الأجيال التي عملت في صفوف مقاومة الاحتلال الفرنسي، الذي إنتهى في معركة ديان بيان فو الشهيرة عام1954، لم تنتج مقاومة مباشرة كما حصل في تجربة المقاومة العراقية موضوع بحثنا. وتمكنت المقاومة الفيتنامية من تحقيق كامل أهدافها بهزيمتها القوات الأميركية في ابريل العام 1975، ومازال العالم يتذكر مشاهد هزيمة اخر الجنود الأميركان من سطح السفارة الأميركية في سايجون، التي تؤرخ بقوة لنهاية القوة الأميركية وهزيمتها أمام المقاومين الفيتنامين، ولم يتمكن قائد المقاومة الفيتنامية (هوشي منه) (22) من إعلان بيان الإنتصار إذ توفى العام 1969، وواصل أتباعه المقاومة ضد الأميركيين.

ثانيا: الظرف الدولي
تؤثر الظروف الدولية بصورة كبيرة في مسار أية مقاومة، باعتبار أن حصول الفعل المقاوم ينتج عن حصول احتلال لأرض محدودة المساحة، أو لدولة، ما يعني حصول اضطراب قد يرقى إلى مستوى القلق الشديد في المنظومة الإقليمية أو الدولية، وهذا الواقع الذي تنشأ وتتطور فيه جميع أنواع وأشكال المقاومة التي يتحدث عنها التاريخ، وإذا نشأت جميع المقاومات تحت وازع الرفض الفطري للاحتلال باعتباره جريمة بشعة لا ترضاها النفس البشرية، وترفضها جميع الفلسفات الإصلاحية، وتقف بمواجهتها القيم والاعراف، فإن انطلاق المقاومة يحتاج إلى عنصر هام، يتمثل بالثقة بتحقيق أهداف المقاومة، وهنا يدخل العامل الإقليمي أو الدولي أو كلاهما، ويكون العمل على ثنائية احتياج المقاومة للدعم، مقابل تحقيق اهداف الطرف أو الاطراف الإقليمية والدولية، التي تسير بنفس مسار أهداف المقاومة، ومن هذا المنطلق دعمت بريطانيا ديجول ضد الاحتلال الألماني لفرنسا في بداية الحرب العالمية الثانية العام 1940، وقدم الاتحاد السوفيتي ودول كثيرة اخرى الدعم الواسع والمطلق للمقاومة الفيتنامية ضد الاحتلال الأميركي، ووقفت الدول العربية وفي طليعتها مصر إلى جانب المقاومين الجزائريين لتحرير بلادهم من الاحتلال الفرنسي، وحصلت المقاومة الفلسطينية على دعم واسع وكبير من الدول العربية ومن دول كثيرة اخرى، حيث إزداد الدعم الأميركي والغربي لإسرائيل لتثبيت احتلالها للأراضي الفلسطينية، ولسبب موضوعي، فأن المقاومة العراقية، لم تعمل وسط ظرف دولي يسهم في دعمها وتقويتها والحرص على توفير المستلزمات الضرورية لاستمرارها وتحقيق أهدافها، ولا يخفى على الجميع، أن الظرف الدولي الذي تم فيه احتلال العراق، لا يسمح بأي شكل من الاشكال لدعم المقاومة العراقية، بعد أن اختتمت (الحرب الباردة) اخر جولاتها مطلع تسعينات القرن العشرين، وتفردت الإدارة الأميركية بالسيطرة على القرارات الدولية، بعد أن تمكنت من جعل العالم بأسره يعيش (القطبية الواحدة)، التي يمسك بجميع عناصر قوتها البيت الابيض، ولم يعد بإمكان أية دولة أو قوة إقليمية الوقوف بوجهها، وهذه المسألة تفرض حضورها على جميع الباحثين والمتخصصين في تناول الشأن العراقي، خاصة ما يرتبط بنشوء المقاومة وتطورها، ولا يمكن إغفال هذه الحقيقة، لأنها تدخل في صلب العامل الأهم، الذي يفترض وجوده لاستمرار المقاومة أو تراجعها وإنطفاءها وحتى التفكير بإطلاقها، إن لم تبقى تلك المقاومة حبيسة الأذهان والمشاعر والأفكار، وقد لا يُسمح بخروجها على الإطلاق، ولا شك أن شرط وجود تناحر دولي أو إقليمي، من أولويات حصول دعم المقاومة، وهذا الأمر لا ينطبق على الظروف التي انطلقت فيها المقاومة العراقية، إذ كان العام 2003 (عام الغزو الأميركي للعراق) من غير المسموح به خروج أي دولة عن (طاعة الولايات المتحدة) وهذا أحد السياقات المعلنة للحرب على العراق، اذ اعلن الرئيس الأميركي جورج بوش بصراحة ووضوح، أن الذي لا يقف مع الولايات المتحدة فهو ضدها،أي أن الجميع في خندق واحد، وهو الخندق الذي تقوده الإدارة الأميركية، ونظرا للأهمية القصوى لـ (الظرف الدولي) في دعم المقاومة واستمرارها، سنأتي على أهم ملامح الدعم الذي حظيت به المقاومة في كل من (فرنسا، فيتنام، فلسطين والجزائر)، وهو ما يوضح أهمية هذا العنصر وضرورة توافره، إن لم يكن غيابه يعني شبه استحالة نشوء مقاومة، وأن ظهرت فأن مصيرها الذبول والخواء إن لم يكن التلاشي، وأن حاولت تطوير أدواتها فلا طريق للتواصل والاستمرار أمامها، ولو كانت المقاومة الفيتنامية بدون دعم كبير وواسع بالمال والسلاح من قبل الاتحاد السوفيتي (وهو القطب الثاني) في الصراع الدولي، والصين (وهي من الدول الكبرى) ومنظومة عدم الانحياز التي تضم الكثير من الدول، لما تمكنت من المطاولة حتى تحقيق أهدافها، وفي وقت مبكر تنبه الفيتناميون إلى عنصر الدعم الخارجي باعتباره الأساس للانطلاق والعصب الرئيسي للتطور والاستمرار، وبهذا الصدد أعلن الزعيم الفيتنامي (هوشي منه) قبول المعونة الخارجية غير المشروطة من أي جهة كانت (المصدر -الموسوعة الفيتنامية)، وكان هذا الإعلان بمثابة منهاج عمل واضح المعالم يتضمن برقية لأعداءه يؤكد فيه وجود قوى وأطرافا مستعدة للدعم، كما أن ثمة رسالة للمقاومين أنفسهم، تقول لهم أن قضيتكم عادلة وأن هناك في العالم من يقف معكم ويقدم لكم الدعم، ويتضمن ذلك من بين ما يتضمن دعما معنويا كبيرا للمقاومين وللحاضنة الشعبية لهم، على طريق زيادة إيمانهم بالإصرار والتصميم حتى بلوغ أهدافهم المعلنة.
عندما بدأت المقاومة الفيتنامية، كانت المنظومة الدولية منقسمة إلى شرقية اشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتي وغربية بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، ولاعطاء تصور دقيق عن أهمية الدعم الذي حصلت عليه المقاومة الفيتنامية، نعود إلى تصريح الرئيس الأميركي الاسبق، ريتشارد ينكسون، الذي وضع دعم السوفيت في مقدمة عوامل انتصار المقاومة الفيتنامية، بسبب إمدادات السلاح والتجهيزات، التي أرسلوها إلى هانوي، وترددهم في إرغام الفيتناميين على إحترام إتفاقية باريس، كما قال نيكسون (الإشارة هنا إلى اتفاقية عام 1954، التي تم خلالها تقسيم فيتنام إلى (جنوبية) و(شمالية) بعد معركة (بيان ديان فو) التي انتصرت فيها المقاومة الفيتنامية على الاحتلال الفرنسي). وأكد نكسون، أن المساعدات السوفيتية، وفرت للقوات الفيتنامية التفوق في مجالي الدبابات والمدفعية، حتى أن الفيتناميين حشدوا العام 1974، أكثر من خمسمائة دبابه وأربع وعشرين كتيبة مضادات، لمساندة 185 الف جندي.
عند الخوض في تفاصيل أنواع الدعم العسكري والمالي، الذي حصل عليه المقاومون الفيتناميون، منذ بداية ستينات القرن العشرين، حتى انتصارهم في ابريل 1975، وهروب القوات الأميركية، نجد أن المقاومين قد امتلكوا إمكانات دولة قوية، ولاشك أن طبيعة الصراع الدولي حينئذ بين المعسكرين الاشتراكي (الاتحاد السوفيتي) الذي سعى إلى نشر الشيوعية في العالم، ووقوف المنظومة الغربية بوجه هذا المشروع وتزعم (الولايات المتحدة) لهذه المنظومة، ساهم بقوة في إتاحة الفرصة للمقاومة الفيتنامية للحصول على مختلف أنواع الدعم، وفيما يتعلق بالتجربة الفيتنامية، فقد كان في واقع الحال صراع قوتين كبيرتين على أرض فيتنام، وبقدر ما تحتاج هذه القوى لمن يعمل في الميدان لصالحها، فأن المقاومين الفيتنامين، وجدوا الفرصة السانحة للاستفادة من التنازع في المنظومة الدولية لتحقيق اهداف المقاومة، ووفر ذلك الصراع الدولي فرصة ذهبية للقتال والمقاومة بإمكانات دول كبرى، تمتلك أحدث أنواع الأسلحة، ولو تصورنا المقاومة الفيتنامية بدون دعم دولي من الاتحاد السوفيتي والصين وغيرها، ما هو مصيرها الذي ستؤول إليه، وما حجم الصعاب والمشاكل الكبيرة التي تواجههم على الأرض الفيتنامية.
ــــــــــــــــــــــــــ
19 — المصدر – قناة الجزيرة بتاريخ 19/1/2003 حوار مع القيادي في منظمة التحرير الفلسطينية شفيق الحوت.
20ـ يتطرق إلى هذا الموضوع بالتفصيل الباحث الفلسطيني علي بدوان في كتابه الموسوم (من تاريخ الكفاح الفلسطيني أفول وصعود المقاومة).
21- المصدر الموسوعة الفيتنامية التي تتضمن جميع تفاصيل الحرب في فيتنام حتى تحريرها العام 1975.
22- هوشي منة الزعيم الفيتنامي الذي قاد مقاتلي الفيتكونج ضد القوات الأميركية لتحرير فيتنام.

إلى الأعلى