الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف: فوضى في التحليل والقراءة

أصداف: فوضى في التحليل والقراءة

وليد الزبيدي

في حال دققنا بقراءة المتخصصين وعموم الناس للأوضاع السياسية وتداعيات الأحداث المتلاحقة في الساحة العربية سنصدم بحجم الفوضى والتناقضات التي تهيمن على غالبية القراءات الفردية والجماعية، وبالتأكيد لا يتحمل الشخص تبعات هذا الواقع بسبب ارتباك الصورة التي تصل حد الغائمية في كثير من جوانبها وزواياها.
في تفسير هذه الفوضى والتناقض في القراءات لا بد من العودة قليلا إلى الوراء، فقد وجد الجميع أنفسهم في العقود الماضية امام مستويين من الصراع، فيكون المرء محشورا في حدود هذين المستويين، يرى الاحداث الانية والسابقة بكل تراكماتها واستشرافاتها في ضوء النظريات التي تحكم هذا الصراع، وكان المستوى الاول للصراع تتحكم فيه قوتان رئيسيتان لكل منهما ادبياتها ورؤاها واستراتيجيتها المعلنة، فالغرب ممثلا بالولايات المتحدة يسير في ركب الامبريالية بكل ما تنطوي عليه من أفكار ومشاريع قد تصل حد احتلال دول لتأمين مصالحها المستقبلية وبما يضمن سلاسة حركتها وتحركاتها، وتبلورت هذه الرؤية خلال القرن العشرين لكنها تجذرت بقوة ووضوح بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى الطرف الثاني تقف المنظمومة الشرقية التي يتزعمها الإتحاد السوفيتي قبل تفككه بداية تسعينات القرن الماضي، وتتصدر اهتمامات القائمين عليه نشر الفكر الشيوعي في العالم، ولا يتردد لتأدية هذه المهمة في دعم قوى وحركات تعمل ضد المنظومة الاخرى، والامثلة كثيرة من بينها الدعم السوفيتي للثوار الفيتناميين الذين قاتلوا الأميركيين والقوات الداعمة لهم في ستينات القرن الماضي حتى منتصف السبعينات قبل هزيمة القوات الأميركية في ابريل عام 1975، أو التدخل العسكري واحتلال دولة كما حصل في افغانستان في العام 1979، وجرى الصراع المحتدم في الكثير من الدول تحت النيران في “الحرب الباردة”.
وعلى صعيد المنطقة العربية فقد انصّبت تحليلات وافكار ورؤى الناس على الصراع العربي – الإسرائيلي بعد احتلال فلسطين في العام 1948، وهيمن هذا الحدث وتداعياته الكثيرة والمتشعبة على النقاشات والدراسات والطروحات وحتى المناهج التعليمية في الوطن العربي.
لكن الذي يحصل الآن ذهب بعيدا في التشعب وفي التحليل لدرجة أن التناقض قد يكون المدخل للكثيرين دون أن يشعروا به، والسبب في كل ذلك أن الاحداث الكبيرة قد تجاوزت حدود المستويين الرئيسيين في الصراع، واصبحت الكثير من الدول العربية تزخر بصراعات داخلية هائلة ومخيفة، كما أن المنطقة الواحدة قد تشعبت بداخلها الصراعات التي تصل حد استخدام السلاح والقتل والدماء، ودخل الصراع المسلح بين الطائفة الواحدة والقوات المسلحة الواحدة والأجهزة الأمنية الواحدة، وظهرت الصراعات الاقتصادية التي ترمي باثقالها بقوة على حجم الصراعات الاخرى.
لذلك تراجع الاهتمام بالأحداث وتداعياتها من النظرة الأوسع والأشمل إلى مستويات ضيقة جدا قد تنحصر في حدود المدينة الواحدة وربما القبيلة الواحدة، ما يضع الكثير من الارتباك والغائمية أمام الكثيرين، فتراجعت الرؤية وانفلتت العبارة.

إلى الأعلى