الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: (حرب القيم) تعبئة أوروبية تستدعي نظرية (صدام الحضارات)

في الحدث: (حرب القيم) تعبئة أوروبية تستدعي نظرية (صدام الحضارات)

طارق أشقر

بقدر ما استوجبت التفجيرات الإرهابية التي استهدفت العاصمة السياسية للاتحاد الأوروبي بروكسل حاضرة بلجيكا، من ادانات واستهجان عالمي، الا ان بعض أدبيات لهجة الإدانة الأوروبية لهذه الأحداث الدامية ألبستها ثوب حرب (القيم)، حيث تستدعي هذه العبارة لدى المتابعين للإنتاج الفكري لفترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة استذكار ما يعرف بنظرية (صدام الحضارات) لصمويل هنتجتون.
وكان توماس دي ميزيير وزير الداخلية الألماني قد صرح لعدد من الصحفيين الألمان عقب وقوع تفجيرات مطار بروكسل، واصفا وقوع تلك الهجمات بالقرب من المؤسسات الأوروبية يعني انها لا تستهدف بلجيكا وحدها، بل تستهدف أيضاً حرية الحركة و(القيم) التي تشكل جزءاً من الاتحاد الأوروبي.
وفي السياق نفسه نقلت الوكالات ايضا بأن الرئيس الايطالي سيرجيو ماتاريلا وصف هذه الأحداث المرفوضة التي راحت ضحيتها وللأسف ستة وعشرون قتيلا والعشرات من الجرحى من المدنيين، وصفها بأنها هجمات تؤكد بطريقة ماساوية بأن هدف الأرهاب الأساسي هو (ثقافة) الحرية والديمقراطية.
وبقراءة خاطفة لهذه التصريحات، نلاحظ بأن معايرة هذه العمليات الارهابية بمفاهيم (كالحرب الثقافية) و (حرب القيم) تبدو وكأنها تعبئة أوروبية للشارع الأوروبي لتعيد إلى اذهانهم ما ذهب اليه الكاتب الأميركي صمويل هنتجتون في كتابه الصادر عام 1993، بأن مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة بين الغرب المتمثل في الدول الرأسمالية والشرق المتمثل في الدول الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق، ستشهد الحقبة التي بعدها ما اطلق عليه (صدام الحضارات) اي إعادة تشكيل النظام العالمي.
ويقصد هنتجتون بمصطلح صدام الحضارات، بأن صراعات ما بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول بسبب اختلافات سياسية واقتصادية، بل ستكون الاختلافات (الثقافية) بمفهومها الواسع هي المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين القادمة بعد انتهاء الحرب الباردة.
وبإسقاط هذه المعايرة التي ذهب اليها الرئيس الايطالي ووزير الداخلية الالماني في توصيف احداث بروكسل المأساوية، ومع اتهام اشخاص ينتمون إلى الثقافة العربية الاسلامية، وفي ظل تبني تنظيم داعش لهذه العمليات المأساوية، وكون المعتدين ينتمون إلى ثقافة مغايرة للثقافة الأوروبية، فإن اسقاط كل ذلك على المرتكزات الفكرية لنظرية صدام الحضارات، يجد المراقبون ما يدفعهم الى ان تصريحات الرئيس الايطالي والوزير الألماني ان كانت عن وعي وادراك او عن ردة فعل عاطفية، فهي لا تخرج عن كونها تعبئة ثقافية تستدعي للاذهان نظرية صدام الحضارات .
وعليه فإن كان الرجلان يعنيان اولا يعنيان بما ذهبا اليه، فإن تداعيات هكذا تفجيرات بالضرورة ستنعكس على الصورة الذهنية للثقافة العربية والاسلامية في الذهنية الأوروبية التي تعاني في الأصل من (الاسلاموفوبيا) اي الخوف والهلع من الثقافة الاسلامية.
وبهذا ينبغي على الثقافتين الاوروبية والعربية الاسلامية أن يخضعا تداعيات هذه الأعمال المرفوضة إلى دراسات علمية وثقافية واجتماعية وسياسية مستفيضة، دون الانكفاء فقط على المعالجات الأمنية التي كثيرا ما تكون منقوصة في كل ما يتعلق بالظواهر الاجتماعية والاخلاقية كظواهر العنف والعنف المضاد والارهاب وغيرها من المصطلحات الجيوسياسية الجديدة .
ويجب ان تكون المعالجات شاملة مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية معاً. كما يجب على الثقافتين الاوروبية والعربية الاسلامية ان تولي الكثير من القضايا المعلقة كقضايا الاحتلال وقضايا الظلم والتهميش والعنف اهتماما اكبر يفضي الى حلول ناجعة تؤكد على سيادة العدالة وضمان حق الحياة للجميع، دون اقصاء لأحد ، كما على كافة الثقافات الاوروبية والعربية الاسلامية ان تولي (التنشئة الاجتماعية ) اهتمامها لغرس قيم التسامح في الضمير الجمعي للبشرية.

إلى الأعلى