السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مقدمة في علوم القرآن (1 ـ 2)

مقدمة في علوم القرآن (1 ـ 2)

لا بد قبل أن نلج باب أي علم من العلوم أن نتصوره بصورة واضحة كلية ترتسم في الذهن حتى يسهل بعد ذلك الخوض في غماره وارتشاف من كبير مائه, وموضوعنا هنا هو علم (علوم القرآن) وكما تلاحظ هذه العبارة أنها تتكون من شقين المتضايفين فلنأخذ أولاً بالتعريف الإضافي وبعد التعريف الاصطلاحي المدوّن أو العلمي.
معنى (علم) اللغوي والاصطلاحي:
فالتعريف الإضافي هو تعريف كل من المضاف والمضاف إليه على حدة ثم تركيب تعريفيهما معاً، فالعلوم جمع (علم) وسمِّي علوما بالجمع لأنه مستسقى من علوم مختلفة وهي العلوم الشرعية والعربية، وتعريف العلم له اعتبارات كثيرة فهو نقيض الجهل بمعنى معرفة الشيء على حقيقته أي اليقين، وهو الفهم والدراية والجزم أما عند الحكماء فهو حضور صور الأشياء في الذهن، وعند المتكلمين فهو صفة ينكشف بها المعلومُ لموصوفها، وهو في العلم الشرعي العام بمعنى علم الدين بشقيه العقيدة والشريعة.
وفي عرف أهل التدوين العام فله ثلاثة إطلاقات:
1 ـ بمعنى المعلوم: أي مسائل المنضبطة بجهة واحدة سواء أكانت وحدة الموضوع أو وحدة الغاية، وسواء كانت المعلومات تصورات أم تصديقات، وسواء كانت التصديقات قضايا, كلية ـ وهو الغالب ـ نظرية أو ضرورية، أم جزيئية أم شخصية كعلم الرواية في الحديث.
2 ـ بمعنى المصدر وهو الاستعلام، ويعرَّف بإدراك المعلومات.
3 ـ بمعنى الآلة النفسية التي بواسطتها يُستَعلم المعلوم وهي ما تسمّى بالمَلَكة.
لكن المعنى المطابق لـ (علوم القرآن) هو الإطلاق الأول لأن مَن يؤلف فإنما يؤلف المسائل أو المعلومات.
ـ معنى (القرآن) اللغوي والاصطلاحي:
أما معنى (القرآن) فهو مختلف فيه كثيراً بين الأصوليين والمتكلمين والفقهاء وأهل اللغة, وأشهر معانيه:
1 ـ عَلَم مرتجل ـغير منقول ـ غير مشتق شخصي على كلام الله المنزل إلى محمد (صلى الله عليه وسلم), وهذا القول منسوب إلى الشافعي.
2 ـ من (قرأ) قراءةً، والقرآن أي المقروء من باب تسمية اسم المفعول بالمصد, والنون فيه زائدة كـ (غُفران)، و(قرأ) تعني مطلق الجمع والضم, وإطلاقه هنا لأن القاريء يضم الحروف والكلمات في ترتيله أو تلاوته, والدليل على هذا الرأي قول الله تعالى:(وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (الاسراء ـ 78) أي: قراءته وإلا فليس هناك قرآناً للفجر وقرآناً للظهر .. الخ، ويبدو أن هذا المعنى راجحاً لأنه بالإضافة إلى الجمع يعني التلاوة.
3 ـ القُرء، بمعنى الجمع كما سمِّي القرء حيضاً مع طهر لأنه لفظ جامع بينهما, وسمِّي كذلك لجمع السور والآيات فيه أو لجمعه الأحكام والقصص والأخبار والوعد والوعيد والعقيدة والأمثال.
4 ـ أصله (القرائن) ـ أي بمعنى الأشباه والنظائر ـ فخُفِّفت الهمزة وتحولت حركتها إلى الحرف الساكن قبلها وهو الألف فمُدَّ فأصبح (القُرآن)، ويكون معناه هنا أي مصدِّق بعضه بعضاً ومشابه بعضه بعضاً.
5 ـ (قرن) أي صاحَب وضمّ وجمع, وقرين المرء صاحبه، وقرن لأنه يضم الآيات في سورة واحدة ويضم السور في مصحف واحد، أ‏و لجمعه الأحكام والقصص والأخبار والوعد والوعيد والأمثال والعقيدة.
نأتي إلى المعنى الاصطلاحي لـ (القرآن) فكما يلي:
1 ـ في اصطلاح المتكلمين هو عَلَم على كلام ممتاز عن كل ماعداه من كلام الله، وله اصطلاحات أخرى عندهم.
2 ـ في اصطلاح الأصوليين والفقهاء وأهل اللغة، هناك معنى واضح شامل مانع وهو (كلام الله المنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) المنقول تواتراً المتعبد بتلاوته، المعجز ولو بأقصر سورة منه, المكتوب في المصاحف من أول الفاتحة إلى آخر الناس)، فخرج بـ (كلام) مثلاً: الأفعال، وخرج بـ (كلام الله) كل كلام الخلق, وخرج بـ (المنزل) ما استأثر به الله من الكلام فكلام الله لا حدّ له، كما قال سبحانه:(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لقمان ـ 27)، وخرج بـمحمد (صلى الله عليه وسلم) كل ما نزل على باقي الرسل كالتوراة والإنجيل، وخرج بـ (المنقول تواتراً) القراءات الآحادية، وخرج بـ (المتعبد بتلاوته المعجز ولو بأقصر سورة منه) الحديث القدسي بفرض أنه كلام الله وليس كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) فهو غير معجز وغير متعبد به, وخرج بـ(المعجز) التوراة والانجيل والزبور فنظمها غير معجز, إما عبارة (المكتوب في المصاحف من أول الفاتحة إلى آخر الناس) فهي لزيادة بيان ووصف لا ينفك عنه.
وهناك اصطلاحات أخر حسب الاعتبارات والأغراض.
* معنى (علوم القرآن) الاصطلاحي:
نأتي إلى معنى (علوم القرآن) الاصطلاحي الإضافي: أي مجموعة المسائل والمعلومات المتعلقة بالقرآن، وبعض من أدخل علوم الهندسة والطب والعلوم التطبيقية الأخرى التي فُهِمَت من القرآن، وبعض مَن يقصره على علومه الشرعية والعربية لأنه هي التي حثّ القرآن على تعلمها وهذا فيما يبدو لي أجدر لأن القرآن بصفة عامة كتاب هداية للبشر من الظلمات إلى النور ولا يتأتى ذلك إلا بعلومه الشرعية بشقيها العقيدة والشريعة.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى