الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكـريـم الله للإنسان (73)

تكـريـم الله للإنسان (73)

الحمـد لله رب العـالمـين، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق أجـمعـين، وعـلى آله وصحـبه ومـن تـبعـهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً حـول درء المفـسـدة مـقـدم عـلى جـلب المصلحـة، يقـول الله تباك وتعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (النحـل ـ 71)، وقـوله تعـالى: (ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الـروم ـ 28).
والمـراد بمـلك اليمـين في جـميع هـذه الآيات ونحـوها ، ملـك الـرقـيـق بالـرق ومـن الآيات الـدالة عـلى ملـك الـرقـيـق قـوله تعـالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (النحـل ـ 75).
وسـبب المـلك بالـرق: هـو الكـفـر ومحـاربة الله ورسـوله، فـإذا أقــدر الله المسلمين المجـاهــدين الباذلـين مهـجـهـم وأمـوالهـم وجـمـيع قـواهــم، وما أعـطاهـم الله لتكـون كـلـمة الله هـي العـليا عـلى الكـفـار، جـعـلهـم مـلكا لهــم بالسبي إلا إذا اخـتار الإمام المـن أو الفـداء، لما في ذلك مـن المصلحـة عـلى المسلـمين.
وقالوا: ثـلاث خـصال مـن لم تـكـن فـيه لـم ينـفـعه الإيمان، حـلم يـرد به جهـل الجاهـل، وورع يحجـزه عـن المحـارم، وخـلـق يـداري به الناس.
وهـذا الحـكم مـن أعـدل الأحـكام وأوضحها وأظهـرها حـكـمة، وذلك أن الله جـل جـلاله خـلـق الخـلـق ليـعـبـدوه ويوحـدوه، ويمـتـثـلـوا أوامـره ويجـتنـبـوا نـواهـيه، قال الله تبارك وتـعـالى:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) (الـذاريات 56 ـ57).
وأسـبغ الله عـليهـم نعـمه ظاهـرة وباطـنة ، كما قال الله تبارك وتعالى:(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ) (لقـمان ـ 20)، فـواجـب شـكـر المنعـم عـلى ما امتـن به عـلى عـباده مـن النعـم، تـفـضـلا مـنه وتكـرمـا، ولـذلك قـال:(.. وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبـراهيـم ـ 34)، وفي الآية الأخـرى قال الله تبارك وتعالى:(إِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحـل ـ 18)، وجـعـل لهـم السمع والأبصار والأفـئـدة لـيـشـكـروه، كما قال الله تعـالى:(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحـل ـ 78).
فـتمـرد الـكفـار عـلى ربهـم وخـالقهـم، وطـغـوا وبغـوا وعـتـوا عـتـواً كـبيراً، وأعـلنـوا الحـرب عـلى أنبـائه ورسـله لـئلا تكـون كـلمـته هي العــليا، واستـعـملـوا جـميـع المـواهـب التي أنعــم الله بها عـليهـم في محـاربـته وارتكاب ما يسخـطه ومـعـاداته ومـعـاداة أوليائه القـائمـين بأمـره، وهـذا أكـبر جـريمة يتصورها الإنسان.
فـعـاقـبهـم الحـكـم العـدل اللـطـيف الخـبير جـل جـلاله، عـقــوبة شـديـدة تناسـب جـريمتهـم، فـسـلـبهـم التصرف، ووضـعـهـم مـن مـقـام الإنسانية إلى مـقـام أسـفــل سـافـلـين أقـل مـن مـقـام الحـيـوانات، فأجـاز بيعـهـم وشـراءهـم، وغـير ذلك مـن التصرفات المالـية.
مـع أنه لم يسـلبهـم حـقـوق الإنسانية سـلباً كـلـياً، بـل أوجـب عـلى مالـكـيهـم الـرفـق بهـم والإحـسان إلـيهـم، وأن يـطـعـموهـم مما يـطـعـمون، ويكـسـوهـم مـما يـلـبـسـون، ولا يـكـلفـوهـم مـن العـمـل مالا يـطـيقـون، وإن كـلـفـوهـم أعـانـوهـم، كـما هـو معـروف في السـنة الـواردة عـنه (صـلى الله عـليه وسـلم)، فـقـد أمـر الـرسـول بالإحـسان إلـيهـم، وجـاء تأكـيـد ذلك في القـرآن العـظـيم، وكـما في قـوله تعـالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (النساء ـ 36).
وقـد تشـوف الشارع تشـوفا شـديـدا للحـرية والاخـراج مـن الـرق ، فأكـثر أسـباب ذلك ، كما أوجـبه في الكـفارات مـن قـتـل خـطأ أو ظـهـار أو يمين أو انتهاك حـرمة رمضان وغـير ذلك ، وأوجـب سـراية العـتـق، وأمـر بالكتاب في قـوله تعالى:(.. فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ..) (النور ـ 33)، ورغـب في الإعـتـاق تـرغـيباً شـديـداً، قال تعالى:(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ، فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ) (البـلـد 10 ــ 13)، ولـو أن حـكـومة مـن هـذه الحـكـومات التي تنـكـر الملـك بالـرق، وتشـنع في ذلك عـلى الـدين الإسـلامي، قام عـليها رجـل مـن رعاياها، وكانت تغـدق عـليه بالنـعـم، وتسـدي إلـيه جـمـيع أنـواع الإحـسان، ودبـر عـليها ثـورة شـديدة يـريـد بها إسـقاط حـكـمها، وعـدم نـفـوذ كلمتها ، والحـيلـولة بيـنها وبـين ما تـريـده، مـن تـنـفـيذ أنـظـمتها، التي يـظهـر لها أنها لا تـريـد بـذلك إلا إصـلاح المجـتـمـع.
فـإذا قـدرت عـلـيه بعـد مـقـاومة شـديـدة، فـما ذا تـفـعـل بـه، أتكـرمه أم أنها تـقـتـله شـر قـتـلة؟، ولا شـك أن ذلك الـقـتـل يسـلبه جـميع تصـرفاته وجـميع مـنافـعــه، فهـو أشـد سـلبا لتصـرفات الإنسان، ومـنافـعـه مـن الـرق بمـراحـل، ومـن وقـع في الرق فهـو يـرجـو أن ينـعـم عـليه بالحـرية، فهـذا أرحـم.
والـكافـر إذا قـام ببـذل كل ما في وسـعه، ليحـول دون إقامة نـظام الله الـذي اخـتاره الله وشـرعه، لـيسـير عـليه خـلـقـه جـميـعـا، فـينـشر بسببه في الأرض الأمـن والطـمأنـينـة والرخـاء والعـدالة والمساواة بـين الناس، في الحـقـوق والواجـبات لا فـرق بـين غـني وفـقـير، لا بـين ضـعـيف وقــوي ، ولا بـين حـاكـم ومحـكـوم ، ولا بين عـرب وأعجـمي، الناس سـواسي في شـرع الله، ولتـنـتـظـم به الحـياة عـلى أكـمل الوجـوه وأعـدلها وأسـماها.
ومـن هـدي القـرآن للتي هي أقـوم: حـث عـلى مـعـاملة الرقـيـق وملك اليمـين بالمعـاملة الطـيبة والإحـسان ، قال الله تبارك وتعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحـل ـ 90).
فإذا عـاقـبه الله هـذه المعـاقـبة بمنعـه مـن التصـرف، ووضـع درجـته لأن جـريمـته تجـعـله يسـتحـق العـقـوبة بـذلك، فإن قـيـل: إذا كان الـرقـيـق مسـلما فـمـا وجـه ملكـه بالـرق؟ مـع أن سـبب الـرق الـذي هـو الكـفـر، ومحـاربـة الله وأنبـيائه ورسـله قـد زال فـما هـو المـبرر لـرقـه؟.
فالجـواب: أن القـاعـدة المعـروفـة عـنـد العـلماء وكافـة العـقـلاء: أن الحـق السـابـق لا يـرفـعـه الحـق اللاحـق، والأحـقـية بالأسـبقـية ظاهـرة لا خـفـاء بهـا، فالمسلـمـون عـنـدما غـنـمـوا الـكـفار بالسبي: ثـبـت لهـم حـق المـلكـية بـتشـريـع الله، وهـو الحـكـيـم الخـبير في شـرعـه وحـكمـه.
فإذا اسـتـقـر هـذا الحـق وثبـت، ثـم أسـلم الـرقـيـق بـعـد ذلك كان حـقـه في الخـروج مـن الـرق بالإسـلام مسـبـوقـا بحـق المجاهـد الـذي سـبقـت له الملكـية قـبـل الإسـلام، ولـيس مـن الـعـدل والإنصـاف رفـع الحـق السـابق بالحـق اللاحـق.
.. وللحديث بقية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى