الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / آدم ـ عليه السلام (7)

آدم ـ عليه السلام (7)

اعداد ـ أم يوسف:
الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد (صلى الله عليه وسلم) وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد فاليوم نعيش مع آيات بينات من سورة البقرة تناولت قصة آدم عليه السلام وذلك من خلال التفسير الجامع لأحكام القران للقرطبى والله الموفق والهادي الى طريق الرشاد.
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)
فيه عشر مسائل:
الأولى، قوله تعالى:(وَإِذْ قُلْنَا) أي: واذكر، وأما قول أبي عبيدة: إن (إذ) زائدة فليس بجائز، لأن إذ ظرف. وقال: “قلنا” ولم يقل قلت لأن الجبار العظيم يخبر عن نفسه بفعل الجماعة تفخيما وإشادة بذكره. والملائكة جمع ملك، وروي عن ابن جعفر بن القعقاع أنه ضم تاء التأنيث من الملائكة إتباعا لضم الجيم في “اسجدوا”، ونظيره “الحمد لله”.
الثانية، قوله تعالى:(اسْجُدُوا) السجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع ، قال الشاعر:
يجمع تضل البلق في حجراته
ترى الأكم فيها سجدا للحوافر
الأكم: الجبال الصغار، جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها، وعين ساجدة، أي فاترة عن النظر ، وغايته وضع الوجه بالأرض. قال ابن فارس: سجد إذا تطامن، وكل ما سجد فقد ذل، والإسجاد: إدامة النظر، قال أبو عمرو: وأسجد إذا طأطأ رأسه، قال:
فضول أزمتها أسجدت
سجود النصارى لأحبارها
قال أبو عبيدة: وأنشدني أعرابي من بني أسد:
وقلن له أسجد لليلى فأسجدا
يعني: البعير إذا طأطأ رأسه. ودراهم الإسجاد: دراهم كانت عليها صور كانوا يسجدون لها، قال:
وافى بها كدراهم الإسجاد
الثالثة، استدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة:(اسْجُدُوا لآدَمَ)، قالوا: وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم. والجواب أن معنى (اسْجُدُوا لآدَمَ) اسجدوا لي مستقبلين وجه آدم، وهو كقوله تعالى:(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) (الإسراء ـ 78) أي: عند دلوك الشمس وكقوله:(وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (ص ـ 72) أي: فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين. وقد بينا أن المسجود له لا يكون أفضل من الساجد بدليل القبلة.
فإن قيل: فإذا لم يكن أفضل منهم فما الحكمة في الأمر بالسجود له؟ قيل له: إن الملائكة لما استعظموا بتسبيحهم وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريهم استغناءه عنهم وعن عبادتهم. وقال بعضهم: عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به فأمروا بالسجود له تكريماً. ويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم:(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) لما قال لهم:(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة ـ 30) وكان علم منهم أنه إن خاطبهم أنهم قائلون هذا، فقال لهم:(إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ) (ص ـ 71) وجاعله خليفة ، فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، والمعنى: ليكون ذلك عقوبة لكم في ذلك الوقت على ما أنتم قائلون لي الآن. فإن قيل: فقد استدل ابن عباس على فضل البشر بأن الله تعالى أقسم بحياة رسوله (صلى الله عليه وسلم) فقال:(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الحجر ـ 72)، وأمنه من العذاب بقوله:(لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) (الفتح ـ 2)، وقال للملائكة:(وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ) (الأنبياء ـ 29)، قيل له : إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه ، فلم يقل: لعمري. وأقسم بالسماء والأرض، ولم يدل على أنهما أرفع قدرا من العرش والجنان السبع. وأقسم بالتين والزيتون. وأما قول سبحانه:(وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ) (الأنبياء ـ 29) فهو نظير قوله لنبيه ـ عليه السلام:(لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزمر ـ 65) فليس فيه إذا دلالة.
الرابعة، واختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة، فقال الجمهور: كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض، كالسجود المعتاد في الصلاة، لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع ، وعلى هذا قيل: كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله ، وطاعة لله تعالى، وكان آدم كالقبلة لنا. ومعنى (لآدم): إلى آدم، كما يقال صلى للقبلة، أي إلى القبلة. وقال قوم: لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض ولكنه مبقى على أصل اللغة ، فهو من التذلل والانقياد، أي اخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل، (فَسَجَدُوا) أي امتثلوا ما أمروا به.
.. والله أعلم، يتبع بمشيئة الله.

إلى الأعلى