الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك
أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك

أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك

من مظاهر التكريم للمرأة تكريم الأم فقد عظَّم الإسلام من شأن الأم قال تعالى:(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً)، وقال تعالى:(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً)، وقال تعالى:(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) .
وسُئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) متفق عليه.
فالأم هي مصدر الحنان والرعاية والعطاء بلا حدود، وهي المرشد إلى طريق الإيمان والهدوء النفسي، وهي المصدر الذي يحتوينا ليزرع فينا بذور الأمن والطمأنينة، وهي إشراقة النور في حياتنا، ونبع الحنان المتدفق، بل هي الحنان ذاته يتجسد في صورة إنسا، وهي المعرفة التي تعرفنا أن السعادة الحقيقية في حب الله، وهي صمام الأمان.
ولن تكفينا سطور وصفحات لنحصي وصف الأم وما تستحقه من بر وتكريم وعطاء امتناناً لما تفعله في كل لحظة، ولكن نحصرها في كلمة واحدة هي النقاء والعطاء بكل صوره ومعانيه.
ولقد عُني القرآن الكريم بالأم عناية خاصة، وأوصى بالاهتمام بها، حيث أنها تتحمل الكثير كي يحيا ويسعد أبناءها.
ولقد أمر الله سبحانه وتعالى ببرها وحرم عقوقها، وعلق رضاه برضاها، كما أمر الدين بحسن صحبتها ومعاملتها بالحسنى رداً للجميل، وعرفاناً بالفضل لصاحبه.
وحث النبي (صلى الله عليه وسلم) على الوصية بالأم، لأن الأم أكثر شفقة وأكثر عطفاً لأنها هي التي تحملت آلام الحمل والوضع والرعاية والتربية، فهي أولى من غيرها بحسن المصاحبة، ورد الجميل، وبعد الأم يأتي دور الأب لأنه هو المسئول عن النفقة والرعاية فيجب أن يرد له الجميل عند الكبر.
والإسلام قدم لنا الأم بالبر على الأب لسببين:
أولاً: أن الأم تعاني بحمل الابن سواء كان ذكراً أم أنثى وولادته وإرضاعه والقيام على أمره وتربيته أكثر مما يعانيه الأب، وجاء ذلك صريحاً في قوله تبارك وتعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) (لقمان ـ 14).
ثانياً: أن الأم بما فطرت عليه من عاطفة وحب وحنان أكثر رحمة وعناية واهتماماً من الأب، فالابن قد يتساهل في حق أمه عليه، لما يرى من ظواهر عطفها ورحمتها وحنانها. لهذا أوصت الشريعة الإسلامية الابن بأن يكون أكثر براً بها وطاعة لها، حتى لايتساهل في حقها، ولا يتغاضى عن برها واحترامها وإكرامها.
ومما يؤكد حنان الأم وشفقتها أن الابن مهما كان عاقاً لها، مستهزئاً بها معرضاً عنها .. فإنها تنسى كل شيء حين يصاب بمصيبة أو تحل عليه كارثة.
وقد قدمنا من قبل حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ حيث قال: جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله: من أحق الناس بحسن صحابتي؟
فقال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك. متفق عليه.
والصحبة والمصاحبة هي الرفقة والعشرة، وأولى الناس بحسن المصاحبة وجميل الرعاية ووافر العطف والرفقة الحسنة هي الأم التي حملت وليدها وهناً على وهنٍ.
قال القرطبي: إن هذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب، وذلك أن صعوبة الحمل، وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع والتربية، تنفرد بها الأم دون الأب، فهذه ثلاث مشقات يخلو منها الأب.
ولا يستطيع إنسان أن يحصي أو يقدر حق الآباء والأمهات على الأبناء، ولو يستطيع الأبناء أن يحصوا ما لاقاه الآباء والأمهات في سبيلهم، لاستطاعوا إحصاء ما يستحقونه من البر والتكريم ولكنه أمر فوق الوصف خاصة ما تحملته الأم من حمل وولادة، وإرضاع وسهر بالليل، وجهد متواصل بالنهار، في سبيل الرعاية المطلوبة.
منذ سنوات تم تخصيص يوم للاحتفال بالأم، تحدد يوم 21 مارس ويسمى بعيد الأم كمظهر من مظاهر التكريم لها والبر بها، يقدم فيه الأبناء الهدايا إلى الأم اعترافاً بفضلها وامتناناً بجميلها.
وفي الواقع هذا السلوك لا يعتبر مظهراً من مظاهر تكريم الأم، لأن الإسلام كرمها طوال حياتها وبعد موتها، ولم يخصص لها تاريخاً محدداً يحتفل به المسلمون، ولابد من التكريم لها والبر بها ورعايتها في كل لحظة تشهد عليه الأيام واللمسات الرقيقة الحانية.
وإذا تعمقنا وتركنا لقلوبنا أن نتأمل ما يحدث في هذا اليوم .. ونزلنا إلى أرض الواقع نجد أن عيد الأم ما هو إلا يوم الحزن العالمي في أكثر بيوت المسلمين، حيث هناك من يبكي في هذا اليوم لأن أمه قد ماتت، وآخر يبكي لأنه مسافراً بعيداً عن أمه، وهذا اليتيم يتألم من البكاء وقلبه يعتصر من الألم، لأنه لم ير أمه لأنها ماتت وهي تلده .. وهذه الابنة تستعد للزفاف في هذا اليوم، وفي أعماق قلبها
لمسة حزن لا يشعر بها أحداً لأن أمها ليست معها في هذا اليوم الحاسم .. فنجد أن عيد الأم يوم بكاء وحزن أكثر منه فرحة على المسلمين، ولمن ماتت أمه أو فاته برها في الحياة .. لا تبك ولا تحزن في يوم الأم .. إن أغلى هدية تقدمها لها في هذا اليوم هي أن تدعو لها بالمغفرة والرحمة وعلو المنزلة ، وتنفق الصدقة على روحها للفقراء واليتامى والمساكين، وأن تصل الرحم التي لا توصل إلا بها، وأن تبر صديقاتها واحبابها، طامعاً في رحمة الله بها وبك، وأن يتغمدها الله مع عباده الصالحين .. فهذا هو أفضل من البكاء والنحيب والحزن في هذا اليوم، حيث تنتفع بهذه الأعمال فتشعر بالسعادة والرضا، فالميت ينتفع بعد موته من عمل غيره .. وقد حدد لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه الأعمال في حديثه الشريف، فقد روى أبو داود في سننه عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله: هل بقي علي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال:(نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)، فالذي تقوم به تجاه والدك المتوفى هو الدعاء له، والاستغفار له. قال تعالى:(وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً) (الإسراء: 24)، وقال (صلى الله عليه وسلم):(إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: وذكر منها: ولد صالح يدعو له) ـ رواه مسلم.
وإن أوصى بشيء أو عهد عهداً، فعليك بتنفيذ وصيته، والوفاء بعهده، وأن تصل رحمك لا سيما من جهته، وإن كان له أصدقاء فتكرمهم.
قال (صلى الله عليه وسلم):(إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل وُدِّ أبيه بعد أن يولي) ـ رواه مسلم، وتتصدق بنية أن ثواب هذه الصدقة له، فكل ذلك يصل إليه من غير خلاف بين أهل العلم.
ولقد كرم الإسلام الأم واعتبر لها مكانة عظيمة، فهي التي حملت وأنجبت وربت وضحت، وتحملت الكثير كي يسعد أبنائها، وحافظت على النعمة التي أنعم بها الله عليها (نعمة الأمومة) وعلّمت وقوّمت لتخرج جيلاً فاضلاً يشع بالإيمان والحب والخير والعطاء الغزير، والوفاء الكبير.
فالأم غالية وشامخة في كل يوم، ولابد من تكريمها والبر بها في كل لحظة، سواء أكانت على قيد الحياة أم في رحاب الله.
والجنة تحت أقدام الأمهات، ومن بر أمه وتحمل في سبيل تكريمها واحترامها وعرف أنه مهما قدم فلن يوفي حقها، وأنها طالما تحملت من أجله، لكي يحيا ويسعد ويهنأ … قد أطاع الله ورسوله وأصبح من الفائزين بحب الله ورضاه وبمكان في الجنة ..
نسأل الله تعالى أن يوفقنا للبر بامهاتنا وابائنا أحياء وأمواتا .. وأن يرزقنا بر أبنائنا. .. إن ربي هو ولي ذلك والقادر عليه .. وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.

أحمد محمد خشبه
إمام وخطيب جامع ذو النورين ـ الغبرة الشمالية

إلى الأعلى