الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / بنوك الدم .. والحكم الشرعي (2 ـ 5)
بنوك الدم .. والحكم الشرعي (2 ـ 5)

بنوك الدم .. والحكم الشرعي (2 ـ 5)

قراءة في ندوة:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ النفس وفي إنشاء مثل هذه البنوك حفظ لأنفس كثيرة ممن يحتاج إلى الدم اختلف العلماء في جواز نقل الدم، وأهل العلم المعاصرون ذهبوا إلى جواز نقله وصدرت فتاوى من المجمعات الفقهية والهيئات

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(بنوك الدم) للباحث حسن بن علي بن سيف الشعيبي.
يقول الباحث في تكملة بحثه وحول المطلب الثاني: أسباب إنشائها ومهماتها، أولاً ـ أسباب إنشائها: هناك أسباب رئيسية هي التي دعت إلى قيام هذه البنوك، وهي: أولاً: حالات طارئة تتطلب الإسعاف الفوري وتستدعي نقل الدم، وبما أن نقل الدم يتطلب إحضار المتبرعين، ثم فحصهم والتأكد من لياقتهم لسحب الدم منهم، ثم إجراء عملية سحب الدم من المتبرع، وبعد ذلك تحديد فئة الدم وسلامته من الأمراض، كل هذا يأخذ وقتاً طويلاً قلما يتهيأ عند حدوث الضرورة، فكان لابد من الاستعداد لها عن طريق إنشاء هذه البنوك، التي يكون فيها الدم جاهزاً تحسياً للطوارئ المختلفة، ثانياً: كثرة الحروب وحوادث السيارات .. وغيرها مما يستدعي كثرة الحالات الداعية لنقل الدم، نتيجة لكل هذا كان لا بد من الاستجابة لهذه الطلبات المتزايدة على الدم عن طريق إنشاء هذه البنوك وتزويدها بالأجهزة المناسبة التي تحفظ الدم لتلبي هذه الحاجات المتزايدة، ثانياً ـ مهماتها: من المهمات التي يقوم بها بنك الدم: التأكد من لياقة المتبرع وصلاحيته للتبرع بإجراء الفحوصات اللازمة، وسحب الدم من المتبرعين، وإجراء الفحوصات على الدم المسحوب للتأكد من خلوه من الأمراض المختلفة، ومن الأجسام المضادة، وتحديد فصيلة هذا الدم والعامل الرايزيسي، وخزن الدم والاحتفاظ به لحين الحاجة، وفصل الدم إلى مشتقاته الأساسية، وتجميد الدم وتخزينه بالطرق الحديثة لاستخدامه حين الضرورة، وفحص الجينات الوراثية، والمبحث الثالث ـ وسائل حفظ الدم في بنك الدم: اجتهد علماء الطب في كيفية حفظ الدم فتوالت تجارب العلماء واكتشافاتهم لطرق حفظ الدم، حتى أمكن اليوم تبريد وحفظ الدم الكامل لعشرات الأيام، وكذلك تجميد البلازما وكريات الدم الحمر وبعض مشتقات الدم وحفظها لعدة سنوات باستخدام المحاليل الحافظة، وبواسطة ثلاجات خاصة.
وقال: وأهم أنواع الأجهزة المستخدمة في حفظ الدم، أولاً ـ الثلاجات: يتم حفظ الدم المقطوف يومياً في ثلاجات خاصة في بنوك الدم منعا من التحلل والإتلاف، وهذه الثلاجات يجب أن لا يحفظ فيها سوى الدم فقط، ثانياً ـ الفريزرات (ثلاجات التجميد العميق): وتستخدم هذه الأنواع من الثلاجات لتجميد مكونات الدم المفصولة عن البلازما والعامل الثامن، وهي نوعان: الثلاجة ذات القدرة على التجميد بدرجة حرارة – 30ْم، والثلاجة ذات القدرة على التجميد العميق بدرجة حرارة -8ْم.
موضحاً بأن لهذا التباين تحفظ المكونات لفترة زمنية مختلفة تتراوح بين سنة وأربع سنوات، وتمتاز هذه الثلاجات بسعتها الكبيرة واحتوائها على أجهزة إنذار صوتية وضوئية، وأجهزة تحكم بدرجة الحرارة وذات غطاء محكم، ثالثاً ـ حاويات سائل النيتروجين: وأكثر استخدام هذه الحاويات المزودة بسائل النيتروجين الشديد البرودة، والذي يصل إلى درجة (-196م) لحفظ الخلايا الحمراء، بعد معاملة الخلايا بطرائق خاصة من حيث مزجه بالجليسرول ووضعه في حوافظ معدنية محكمة الإغلاق منعاً لتكسرها وتحطمها، وهي بهذه الخاصة تكون ذات مقدرة عالية بحفظ الخلايا الحمراء مدة زمنية طويلة تزيد عن العشر سنوات تقريباً، ويتم هذا الحفظ لسنوات عديدة تصل إلى خمس وعشرين سنة، رابعاً ـ حاويات النقل المتعدد الأغراض: تمتاز هذه الحاويات بأهمية وجودها في معظم فروع بنوك الدم والمستشفيات خاصة عند عمليات نقل وحدات الدم والمكونات من بنوك الدم إلى المستشفيات، وفي حالة إجراء عمليات تبديل وفحص وحدات الدم بين الفروع المختصة ذات العلاقة، ويشترط في هذه الحاويات حتى تكون صالحة وذات فاعلية دون أي تأثير على طبيعة مكونات الدم الخلوية، أن تكون مبردة بدرجة حرارة تقارب درجات حرارة الثلاجة العادية (+2 – 6ْم)، والمبحث الرابع ـ حكم إنشاء بنوك الدم: لا يوجد خلاف بين الفقهاء المعاصرين في مشروعية إنشائها، ففي جواب لسماحة شيخنا الخليلي عن حكم بنوك الدم نصه:(لا مانع منها إن اقتضتها الضرورة، وينبغي التحرز من خلط دماء المسلمين بغيرهم والله أعلم)، وأصدر مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية قراراً ورد فيه ما نصه:(يجوز إنشاء بنك إسلامي لقبول ما يتبرع به الناس من دمائهم، وحفظ ذلك لإسعاف من يحتاج إليه من المسلمين، على أن لا يأخذ البنك مقابلاً مالياً من المرضى وأولياء أمورهم عوضاً عن ما يسعفهم به من الدماء، وألا يتخذ ذلك وسيلة تجارية للكسب ؛لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين).
وحول الأدلة على جواز إنشاء بنوك الدم فقال الباحث: الادلة هي: تحقيق المصلحة العامة (ففي إنشائها تحقيق المصلحة العامة للمسلمين في سد حاجتهم من نقل الدم الذي أصبح في هذا العصر من الحاجات الملحة)، وكون الشريعة الإسلامية جاءت لدرء المفاسد وجلب المصالح (أن في إنشاء هذه البنوك إنقاذا لكثير من المرضى الذين يحتاجون إلى نقل الدم إليهم ففيها جلب لمصلحة وهي إحيائهم ودرءاً لمفسدة وفاة كثير منهم)، و(الضرورات تبيح المحظورات) (في حال الضرورة لنقل الدم كالحوادث لابد من البحث عن المتبرع المتوافق مع فصيلة دم المريض وهذا يحتاج لوقت طويل، فحتى لو كان إنشاء البنك محرماً في الأصل، لجاز إنشاءه دفعاً لهذه الضرورة)، و(مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب) (أن لا يتم ولا يتيسر الاستفادة من نقل الدم لكثير من المرضى المحتاجين إلا إذا وجدت مثل هذه البنوك فيكون مباحاً لهذه القاعدة)، وأن من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ النفس (في إنشاء مثل هذه البنوك حفظ لأنفس كثيرة ممن يحتاج إلى الدم)، والمبحث الخامس: حكم نقل الدم والأدلة على مشروعية نقل الدم، وفيه مطلبان، المطلب الأول: حكم نقل الدم، اختلف العلماء في جواز نقل الدم، لكن أهل العلم المعاصرون ذهبوا إلى جواز نقل الدم، وقد صدرت الفتاوى من المجمعات الفقهية والهيئات على جوازه: فتوى لجنة الفتوى بالجامع الأزهر، وجاء فيها:(أنه إذا توقف شفاء المريض أو الجريح وإنقاذ حياته على نقل الدم إليه من آخر، بألا يوجد من المباح ما يقوم، مقامه في شفائه وإنقاذ حياته جاز نقل هذا الدم إليه بغير شبهة، ولو من غير مسلم، وكذلك إذا توقفت سلامة عضو وقيام هذا العضو بما خلقه الله له ذلك جاز نقل الدم إليه).
.. البقية في الاسبوع القادم.

إلى الأعلى