الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوباما يدق أجراس هافانا

أوباما يدق أجراس هافانا

عادل سعد

”.. الرئيس الأميركي أوباما كسر في هذه الزيارة جدرانًا شاهقة كانت أداة عزل للعلاقة بين موسكو وهافانا من جهة، وواشنطن من جهة أخرى، مع أنه لم يعتمد إصحاحًا من هذا النوع في بداية عهده الرئاسي، وتلك هي شيمة عدد من الرؤساء والمسؤولين الأميركيين حيث يلجأون على ذلك الإصحاح عندما لا تتبقى لديهم من الفترة الرئاسية أو المسؤولية…”

لا شك أن الرئيس الأميركي باراك أوباما لم يبحث في العاصمة الكوبية هافانا خلال زيارته لها قبل أيام، أي تاريخ للعلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وكوبا بالرغم من أن الزيارة تاريخية بكل المقاييس، وبمقابل ذلك أنا على يقين أنه بحث في تطلع الطرفين إلى تنظيف انفسهم من أدران الشكوك المسبقة، ولن يذهب بعيدًا في تقديم قائمة طويلة من المواقف التي على الكوبيين اعتمادها لكي ينالوا رضا واشنطن، مع أنه ربط ازدهار العلاقة بملف حقوق الإنسان في كوبا.
أوباما هو أحد الأميركيين المؤمنين بنظرية عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة، وهو ذات العصفور الذي تمخض عن التناغم الجزئي الأميركي الروسي بشأن سوريا من دون أن يتم الخوض في نوعية الأجنحة السياسية والأمنية المشتركة التي يمكن أن يطيرا بها في فضاء منطقة الشرق الأوسط.
على أي حال الرئيس الأميركي أوباما كسر في هذه الزيارة جدرانًا شاهقة كانت أداة عزل للعلاقة بين موسكو وهافانا من جهة، وواشنطن من جهة أخرى، مع أنه لم يعتمد إصحاحًا من هذا النوع في بداية عهده الرئاسي، وتلك هي شيمة عدد من الرؤساء والمسؤولين الأميركيين حيث يلجأون على ذلك الإصحاح عندما لا تتبقى لديهم من الفترة الرئاسية أو المسؤولية ما يؤهلهم اعتماد برامج منصفة في ذلك.
لقد فعلها الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر حيث تحول إلى داعية عدل من أجل القضية الفلسطينية بعد أن غادر البيت الأبيض، وصار عرابًا شديد المواظبة على الانتصار لحقوق دول وقضايا، وفعلها آخرون بينهم وزير العدل الأميركي الأسبق رمزي كلارك ووزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول وآخرون ضمن قائمة طويلة من النخب السياسية الأميركية، ومع أن بعض العرب لا يعيرون أهمية للمراجعة السياسية الأميركية الجديدة في ضرورة التخلص من عقد الماضي والآراء المغلقة فإن الصلة العربية بكوبا جاءت من خلال لسان عربي حسب إحدى الروايات عندما استطلع عدد من الملاحين العرب الذين كانوا يرافقون المغامر كريستوفر كولومبس مكتشف قارة أميركا.
لقد شاهد هؤلاء البحارة جزيرة في غمرة تطلعهم بأفق المحيط الأطلسي فصاحوا، قبة، قبة، ظنًّا منهم أنها قبة مسجد بعد أن اختلطت عليهم الرؤية، فالتقط كولومبس المفردة قائلًا، كوبا، كوبا، وهكذا انطلت التسمية!
لم يكن لدى أوباما الوقت الكافي لكي يتنزه على شواطئ المحيط الأطلسي التي تحتضن الجزيرة، كما فعلها الرئيس الاندونيسي الأسبق عبدالرحمن وحيد الذي كان لضعف بصره يحرص أن تقوده ابنته إلى إحدى منصات الفندق الملاصقة للماء، فيجلس ويدلي قدميه في ماء البحر (يطبطب) كما يحرص الأطفال عندما تلامس أرجلهم مياه المسابح، وقد سجلت هذا الحرص الاندونيسي الرئاسي وأنا أراقب المشهد لمدة ثلاثة أيام، حيث كنت ضمن الوفد العراقي الذي قاده محمد سعيد الصحاف وزير الخارجية آنذاك المشارك بقمة الجنوب التي عقدت هناك خلال شهر مايو/أيار من عام 2001م.
وأعتقد أيضًا أن الطاقم الأمني المصاحب للرئيس الأميركي باراك أوباما لن يسمح له بزيارة كوخ شيخ الرواية الأميركية ارنست هيمنجواي وبقايا زورقه الذي شهد بعض فصول روايته الرائعة (الشيخ والبحر)، ولي أن أضيف هنا أيضًا أن أوباما لم يكن لديه الوقت الكافي لكي يطلع بدقة على مفردات صناعة السجاير الكوبية الشهيرة، ولا صناعة الابتسامات على ملامح الكوبيين جميعًا بدون استثناء حتى ولو كانوا في أحلك الظروف، ولا كيف استطاع الكوبيون أن يتصدروا قائمة الدول في عدد الأطباء الذين يتخرجون سنويًّا حتى أنهم يقولون (بين كل طبيب وطبيب طبيب) الذين طببوا ميدانيًّا مرضى في أميركا الجنوبية وفي إفريقيا، واحدهم اختصاصي في المفاصل جاء بدعوة من الرئاسة العراقية آنذاك وكان لي لقاء صحفي معه عندما زار بغداد نشرته في صحيفة الثورة.
الخلاصة إن الزيارة نسخة مدهشة لمواقف أوباما، لكن الخشية أن يشطب على هذه النسخة اذا استطاع الجمهوريون الوصول للبيت الأبيض بنسخة (ترامب).

إلى الأعلى