الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الهجوم “الإسرائيلي” على الجمعيات المناهضة للاحتلال

الهجوم “الإسرائيلي” على الجمعيات المناهضة للاحتلال

علي بدوان

”لقد دافع رئيس الحكومة “الإسرائيلية” بنيامين نتنياهو، عن “قانون الشفافية” أو “قانون الجمعيات” الذي يسعى إلى تقييد نشاط المنظمات “الحقوقية الإسرائيلية” التي تفضح ممارسات الاحتلال بحق الفلسطينيين، وذلك رغم الانتقادات الدولية لطرح مشروع القانون هذا من جانب وزير القضاء “الإسرائيلية” اليمينية المتطرفة (أييليت شاكيد) من حزب البيت اليهودي.”

منذ مدة ليست بالقصيرة، بدأت الحكومة “الإسرائيلية” برئاسة بنيامين نتنياهو بتنفيذ سياساتها الداخلية بشأن عمل ونشاط ووجود بعض المنظمات والحركات المحسوبة على ألوان وطيف “اليسار الصهيوني”، وهي منظمات وحركات ومؤسسات ناشطة في ميادين مُختلفة، ومنها الميدان المُتعلق بحقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967 وتنديدها بسياسات جيش الاحتلال والمستوطنين، وبحديثها عن ضرورة التسوية مع الطرف الفلسطيني، وتقديم حلول يُسميها البعض من أعضاء تلك الحركات بـ”الحلول التاريخية” لمعضلة الصراع مع الفلسطينيين، حيث تتناغم مواقف تلك الحركات والمنظمات، وعلى حضورها المحدود الذي يتسع كل يوم، بطروحات تيارات مابعد الصهيونية.
والحملة الحكومية “الإسرائيلية” ليست بالجديدة، فهي حملة جديدة/قديمة، مارستها الحكومات “الإسرائيلية” السابقة، لكنها الآن بدأت تأخذ طريقًا جديدًا يتم عبر محاولة بعض الأحزاب والوزراء العمل على اتباع آليات عمل جديدة، عَبرَ استصدار تشريعات تَمِسُ نشاطات ووجود تلك الحركات والمنظمات. وقد بدأت بالتوازي مع جهود الحكومة “الإسرائيلية” حملات يمينيّة شرسة تُشَنُّ مُؤخّرًا على مُجمل جمعيّات “اليسار الإسرائيليّ”، وعلى وجه الخصوص جمعيّتا (بتسيلم) و(لنكسر الصّمت).
يُذكَر أن منظمة (لنكر الصمت/شوفريم شتيكاه) أقيمت في العام 2004 في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية، وذلك بمبادرة من بعض “جنود وضباط الجيش الإسرائيلي” الذين أدوا الخدمة العسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 إبان تلك الانتفاضة. ويعمل أعضاء هذه المنظمة على جمع وتوثيق شهادات من “جنود إسرائيليين” خدموا ويخدمون في الضفة الغربية والقدس، يَعرِضُون من خلالها صورًا ونماذج عن الممارسات الوحشية التي قامت وتقوم بها قوات جيش الاحتلال والأذرع الأمنية “الإسرائيلية” ضد أبناء الشعب الفلسطيني.
أما منظمة (بتسليم) فهي منظمة غير حكومية “إسرائيلية” تَصِف نفسها بأنها “المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة”. وقد أقيمت في 3 شباط/فبراير 1989 على يد أشخاص “إسرائيليين” ذوي تأثير في المجتمع، بما فيهم محامون، أكاديميون، صحافيون، وأعضاء كنيست. وتُعلِن المنظمة أن أهدافها هي “توثيق وتثقيف الجمهور الإسرائيلي حول الاعتداءات على حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، ومحاربة ظاهرة إنكارها السائد بين الجمهور الإسرائيلي”.
وهناك أيضًا جمعيّة “زوخروت” “الإسرائيليّة”، التي نشطت بالتحضير لعقد المؤتمر الدّوليّ الثّالث، بشأن تحقيق عودة اللاجئين الفلسطينيّين، والمُفترض أن يُعقد في متحف “أرض إسرائيل” في تل أبيب، شهر آذار/مارس المقبل على أراضي (قرية الشّيخ مؤنس) التي كانت قائمة حتى عام النكبة بالجوار من مدينة يافا، وهو ما أثار ردود أفعال ساخطة من غالبيّة المجتمع “الإسرائيليّ” ومن جمعيّات اليمين على وجه الخصوص. ومن أكثر الأمور التي أثارت حفيظة وسخط “اليمين الإسرائيليّ”، كان عنوان المؤتمر.
لقد بَذلت الحكومة “الإسرائيلية” الحالية، جهودا نشطة في ميدان مواجهة تلك الحركات والمنظمات، حيث عَمِلَت وما زالت تَعمَل على خلق أجواء معادية لنشاط تلك الحركات والمنظمات داخل المجتمع “الإسرائيلي”. ووفقًا لمسح واستطلاع للرأي أجرته (أيالا حسون) على القناة العاشرة للتلفزيون “الإسرائيلي” يوم الجمعة 29/1/2016، فإن (53٪) من “الإسرائيليين” يؤيدون حظر حركة (لنكسر الصمت). ووفقًا لمسح واستطلاع آخر للرأي أجرته قناة الكنيست، أن الأغلبية، أي أكثر من (58٪) تَعتَقد أن أنشطة المنظمات اليسارية “الإسرائيلية” مثل منظمة (لنكسر الصمت)، ومنظمة (بتسيلم) وغيرهما، غير شرعية.
وفي هذا المناخ الحكومي، الذي تُغذيه غالبية قوى وأحزاب الخريطة السياسية “الإسرائيلية”، وخاصة قوى اليمين، نَمَت وترعرعت الحركات المقابلة، اليمينية المتطرفة، المناهضة لمجموعة (لنكسر الصمت) و(بيتسليم) وغيرهما، وكان على رأسها مجموعة حركة “إم تيرتسو” اليمينية المتطرفة، التي تأسست في العام 2006، وبدأت حملاتها بالتحريض ضد الفلسطينيين ونفي النكبة الفلسطينية، والترويج لرواية تاريخية مُتخيلة. إن تلك المعطيات تؤكد بأن المجتمع “الإسرائيلي” مجتمع يميني ما زال غراقًا في رواية الميثولوجيا.
وفي الواقع العملي، إن منظمة “إم تيرتسو” تتطابق بشكلٍ كامل مع حركات نازية ظهرت قبل الحرب العالمية الثانية في ألمانيا، حيث السلوك المُتطابق في المنهج والسياسات والمواقف من الآخرين، وحتى في الموقف من المعارضين اليهود أنفسهم، حيث سَبَقَ وأن شَنّت منظمة “إم تيرتسو” ومنظمة (عاد كان/حتى هنا) اليمينية، حملة تحريض ضد المنظمات الحقوقية والحركات اليسارية في “إسرائيل” بواسطة فيلم قصير بعنوان (مندسون) لتقول إن النشطاء الحقوقيين واليساريين هم خائنون.
في هذا الإطار، يتواصل في دورة “الكنيست الإسرائيلي” الحالي (الدورة العشرين) بصورة منهجية حثيثة، ما كان بدأ في دورتيه السابقتين بشكل خاص (الـ19 والـ18) في إطار الحملة التشريعية المحمومة التي يقودها وينفذها “اليمين الإسرائيلي” الحاكم لسنّ مجموعة من القوانين العنصرية المعادية للديمقراطية ولحقوق الإنسان الفلسطيني تحديدًا، قوانين وتشريعات تنقضّ على جمعيات ومنظمات غير حكومية تعنى بحقوق الإنسان عامة، والفلسطيني خاصة، بغية معاقبتها أولًا. ثم محاصرتها والتضييق عليها، بل خنقها ماليًّا ثانيًّا، وذلك من خلال اتهامها، بصورة عامة، بأنها “تتعاون مع أعداء إسرائيل” و”تخدم أجندات أجنبية معادية لدولة “إسرائيل” ومصالحها كدولة يهودية.
وتَصُبُّ هذه الحملة ومحاولات نقلها الى عملية التشريع في إطار تجسيد أيديولوجية حكومة اليمين الحالية، بما يرمي إلى تطبيق سياسات اليمين. وعلى حد تعبير وزيرة “العدل الإسرائيلية” (أييلت شاكيد) من حزب البيت اليهودي: “لهذا السبب ولهذا الغرض، بالضبط، تم انتخابنا”. فالوزيرة (أيليت شاكيد) هي صاحبة المبادرة الأساسية والمسؤولة المباشرة عن الجزء الأكبر من هذه القوانين الجديدة.
إن الهدف النهائي لهجوم حكومة نتنياهو وأقطابها على المنظمات والحركات الاجتماعية التي تتحدث عن سياسات الاحتلال كحركة (لنكسر الصمت) و(بتسليم) وغيرها من التنظيمات هو لكسر أي انتقاد تجاه الحكومة “الإسرائيلية” وسياساتها. فهي حملة مُنظمة تنظيمًا جيدًا، وقد وصفتها بعض الصحف الاسرائيلية بــ”عملية الإرهاب السياسي الذي يعمل بشفافية كاملة، حيث ممنوع أن تكسر الصمت”.
لقد دافع رئيس الحكومة “الإسرائيلية” بنيامين نتنياهو، عن “قانون الشفافية” أو “قانون الجمعيات” الذي يسعى إلى تقييد نشاط المنظمات “الحقوقية الإسرائيلية” التي تفضح ممارسات الاحتلال بحق الفلسطينيين، وذلك رغم الانتقادات الدولية لطرح مشروع القانون هذا من جانب وزير القضاء “الإسرائيلية” اليمينية المتطرفة (أييليت شاكيد) من حزب البيت اليهودي.
وبالاستخلاصات الأخيرة، نحن أمام حالة “إسرائيلية” نامية مناهضة للاحتلال على يد بعض القوى المجتمعية اليهودية التي باتت ترى أن إدامة الاحتلال مسألة غير ممكنة، وهي حالة إيجابية يتوقع لها أن تتواصل بالرغم من كل المناخات التي تسيطر على الحالة “الإسرائيلية”. لكن مسارات عملها تصطدم بواقع التطرف والتجنح المتزايد لليمين المتطرف التي تسود في المجتمع اليهودي على أرض فلسطين التاريخية.

إلى الأعلى