الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا تعد فضيحة الفساد باعثا على الأمل في البرازيل؟

لماذا تعد فضيحة الفساد باعثا على الأمل في البرازيل؟

كان من الصدمة رؤية دا سيلفا وقد تم اقتياده للتحقيق. فهو لا يزال رمزا سياسيا كبيرا أشبه بالأسطوري. وتعكس الضجة التي أعقبت ذلك وضعه: فقد دعا زعيم حزب دا سيلفا وهو حزب العمال في الكونجرس إلى “الحرب”.

نزل مئات الآلاف من البرازيليين للشوارع احتجاجا على حكومتهم ولإرسال رسالة للطبقة السياسية في البلد مفادها: لا أحد فوق المساءلة والمحاسبة. وعلى الساسة في البرازيل الإصغاء لتلك الرسالة وأخذها بعين الاعتبار. فقد أوقفت الشرطة الاتحادية بشكل مؤقت الرئيس السابق لولا دا سيلفا للتحقيق معه في مطلع هذا الشهر لعلاقته بقضية كسب غير مشروع كبيرة. يمكن أن تطول خليفته الرئيسة الحالية ديلما روسيف.
وقد وقعت جريمة الفساد قيد التحقيق في الفترة من 2003 إلى 2010 أي خلال فترة رئاسة دا سيلفا. فخلال هذه الفترة ـ وكما ذهب الادعاء ـ فإن أكبر شركات البناء في البرازيل وبتروبراس عملاقة النفط التي تديرها الدولة وزعماء سياسيون تبادلوا رشاوي وإبرام عقود من الباطن وتأييد سياسي في مصالح كبيرة متبادلة.
وكان من الصدمة رؤية دا سيلفا وقد تم اقتياده للتحقيق. فهو لا يزال رمزا سياسيا كبيرا أشبه بالأسطوري. وتعكس الضجة التي أعقبت ذلك وضعه: فقد دعا زعيم حزب دا سيلفا وهو حزب العمال في الكونجرس إلى “الحرب”. وأدان أحد الأعضاء في البرلمان عملية التوقيف واصفا إياها بأنها بداية انقلاب، خالطا بين الاشتباه في دا سيلفا والهجوم على حزبه ومشروعه السياسي.
وحتى الآن لا تزال روسيف بعيدة، وإن كانت قيد المراقبة والاشتباه. وخلال الأسابيع الأخيرة، اقترب التحقيق بشكل خطير من الرئيسة. وقد تركته يسير دون تدخل. والأخطر الآن يكمن في أنه مع إجراء التحقيقات مع قواعد هياكل السلطة في البرازيل، فإن ذلك قد يغريها بالتدخل.
ولدى روسيف دواعٍ للقلق. فبوصفها معينة من قبل دا سيلفا، فإنها كانت رئيس مجلس إدارة بتروبراس، التي تعد مركز شبكة الفساد هذه. والرموز الكبيرة في دائرتها الداخلية يتساقطون ويمكن أن يأخذوها معهم.
فالعقل الرئيسي وراء حملتيها الرئاسيتين الناجحتين تم توقيفه الشهر الماضي للاشتباه في تلقي أموال تم اختلاسها من شركة النفط ضمن حسابات اوفشور. وأفادت وسائل إعلام برازيلية مؤخرا أن زعيم حزب العمال السابق في مجلس الشيوخ الذي تم اعتقاله في نوفمبر الماضي واتهامه بمحاولة عرقلة التحقيق، يمكن أن يتهم ويدين دا سيلفا روسيف بوصف ذلك جزءا مما يعرف باتفاق الدفوع. في حين أن محاولة حجب الثقة عن الرئيسة على أساس تهم منفصلة باستغلال التضليل المحاسبي لتغطية الإفراط في الإنفاق الحكومي يمكن أن تفقد زخمها في الكونجرس، ويمكن لتحقيق منفصل في تمويل حملتها أن يدفع بالسلطة القضائية إلى عزلها من المنصب.
وفي الوقت الذي يقترب المحققون منها، يعتقد بعض المراقبين أنها قد تضطر في النهاية إلى محاولة عرقلة جهودهم. وتمثل الاستقالة التي تمت مؤخرا لوزير العدل خوسيه إدواردو كاردوزو أحد دواعي القلق. فالشرطة الاتحادية مستقلة، لكنها تحت إشراف وزارة العدل. وأعلن كاردوزو أنه في الوقت الذي أثار فيه المحققون قلق الحلفاء السياسيين، تعرض لضغوط لعدم السيطرة على الشرطة كما كان يجب. وقد أثار رحيله مخاوف بشأن سلامة الشرطة الفيدرالية ومخاوف من أن يتم استبدال رئيس الشرطة بآخر أكثر إذعانا.
ليست تلك هي اللحظة التي يمكن لروسيف أن تتداعى فيها. فمصداقية حكومتها بين البرازيليين وفي الخارج قد تضررت بشكل كبير. ولديها احتمالية بنسبة 35% للبقاء في السلطة حتى نهاية فترة رئاستها في 2018.
وقد قيدت الأزمة قدرتها على معالجة الاقتصاد البرازيلي المتداعي: ومع تزايد انعزالها داخل حزبها، تفتقد التأييد للإقدام على إجراءات تقشفية قوية. لدرجة أن وزير المالية المتشدد الذي عينته يواكيوم ليفي، وجد أن محاولاتها لخفض الإنفاق وزيادة الضرائب تلقى معارضة من قبل حزب روسيف والكونجرس المتمرد، مما دفعه إلى الاستقالة في ديسمبر الماضي مما أدى إلى انهيار العملة البرازيلية والبورصة.
وخفضت كل وكالات التصنيف توقعاتها بشأن الائتمان البرازيلي في الأشهر الأخيرة، جراء تزايد حجم الدين وعدم الاستقرار السياسي. فعناوين الأخبار يتصدرها يوميا اتهامات الكسب غير المشروع والمحسوبية واستغلال النفوذ. وانكمش الاقتصاد بنسبة 4% في 2015 ومن غير المتوقع له التعافي بشكل كبير هذا العام.
إن الفساد مستشرٍ في السياسة البرازيلية منذ عقود. ومثل هذا التحقيق بهذه الجدية والوصول إلى المسئولين هو الجديد على البلد. ولهذا السبب فإنه مثير للإلهام وباعث على الأمل.
فقد ولد هذا التحقيق من بناء مثابر ومطرد على مر السنين من تشريع مكافحة الفساد والمؤسسات التي وضعت تلك القوانين موضع التنفيذ. ولعب دا سيلفا دورا مهما في وضع الأساس لذلك وتفعيل دور المجتمع المدني وتحسين المنظومة القضائية. كما أن روسيف نفسها وقعت على القوانين التي تسمح للمشتبه بهم والشركات في قضايا الفساد في أن يصبحوا مبلغين أو مخبرين مقابل الحصول على عقوبات مخففة ـ إحدى الأدوات القانونية التي تساعد على مضي التحقيق قدما.
ولأن هذا التحقيق ظل مستقلا وغير خائف من ملاحقة أقوى رجال السياسة في البلد، فإنه لم يظهر بوصفه أداة للانقلابيين، كما يتهم البعض، ولكن كدليل على الديمقراطية الناضجة في البلد. وعلى الرغم من عناوين الأخبار والفضائح، فإن البرازيل هي الآن المكان الذي يطبق فيه القانون على الجميع بشكل متساوٍ. ويجب على روسيف أن تقر بأن ذلك يستحق المحافظة عليه حتى لو كلفها ذلك منصب الرئاسة.

جوليانا بارباسا
مؤلفة كتاب “الرقص مع الشيطان في مدينة الله: ريو دي جانيرو على حافة الهاوية”
خدمة نيويورك تايمز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى