الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تُرى.. ما الذي سيختاره لنا راعيا جنيف؟!

تُرى.. ما الذي سيختاره لنا راعيا جنيف؟!

علي عقلة عرسان

من الواضح أن الدولتين الأعظم، انفردتا بالملف السوري، الذي أصبح دوليًّا بامتياز، ومفصليًّا بشأن الإعلان العملي عن انتهاء سياسة القطب الواحد، وتطبيق سياسة القطبين في القضايا الدولية. ومن الواضح أيضًا أن الدولتين، هما، عند اللزوم، مجلس الأمن الدولي، من دون مواربة ولا مماحكة ولا مجاملة، فنفوذهما فيه يتجاوز تململ الشركاء والحلفاء والتابعين، واتفاقها حول موضوع ما يجعله ذا سلطة، وعدم اتفاقهما يعطِّله أو يشُلُّه.

موسكو وواشنطن تريدان “حكومة سورية في شهر حزيران/ يونيو، ودستورًا في شهر آب/ أغسطس ٢٠١٦”، هذا ما سُرِّبَ، أو قيل، بعد اجتماع الوزير كيري بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بحضور الوزير لافروف، ذلك الاجتماع الذي يبدو أنه أدَّى إلى مزيدٍ من توافق الطرفين الحاكمين، على قضايا مهمة تتعلق بالمسألة السورية العويصة. أما ما هي الحكومة التي تم التوافق عليها، وعلى إنجازها وإخراجها في حزيران/يونيو، هل هي “حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة”، حسب مرجعية جنيف، وقرارات مجلس الأمن الدولي، تلك التي يتمسك بها وفد المعارضة، أم هي “حكومة وفاق وطني”، حسب مطلب وفد الحكومة السورية، وهي صيغة لا يبدو أنها بعيدة عن موافقة موسكو؟!.. إن ذلك الأمر لم يُعلَن، ولكن يبدو أنه نُوقِش وتم التوافق عليه، وإلا لما كان موضع برْمجة زمنية محددة. وهذا الأمر الخلافي، بين الوفدين، إلى جانب الموقف من الرئيس بشار الأسد، ودوره في المرحلة التي تفصل بين تشكيل الحكومة، وإجراء الانتخابات الرئاسية، وفق أحكام الدستور السوري الجديد، هما من الأمور الشائكة، العالقة، المؤثرة، التي يتوقف على حلها الكثير مما يتعلق بمواقف الوفدين المتفاوضين، وحلفاء كل منهما، وربما يتوقف على الاتفاق بشأنهما، حل المسألة السورية. والموضوعان “الحكومة، ودور الرئيس ومستقبله” هما من أكثر المواضيع ذات الصفة المفصلية، الحدّية، التي تواجه كل الأطراف.. ولا أظن أن الاجتماع العتيد، الذي استمر أربع ساعات في الكرملين، لم يتوصل إلى توافق حولهما، أو إلى اختراق ما، للأجواء المتلبدة التي تلفَّهما، تلك التي من دون اختراقها، وجلائها، لا يمكن التوصل إلى حلول دائمة، وثابتة، وبناءة، يمكن الاطمئنان إليها، لأن كل فريق من المعنيين بشأن التفاوض، والتعاون مستقبلًا، سيبقى غير راضٍ عن الوضع، ويبقى الوضع ذاته قابلًا للتفجير.. وهذا ما لا يريده أحد، وهو بالتأكيد ليس في مصلحة أحد من السوريين، ولا في مصلحة من يعنيهم أمر سوريا وشعبها، ومستقبلها. ومن المنتظر، بعد المواقف الواضحة لكل من الحكومة السورية، والمعارضات، وبعد مواقف معلنة لـ٩٠٪ من السوريين على الأقل، ولجامعة الدول العربية، وبعض الأطراف الدولية في المنطقة، أن تكون الدولتان الأعظم قد رفضتا، ما سبق أن سربتا موافقتهما عليه، من نظام سياسي للدولة السورية، تفرضه أقلية انفصالية، على الشعب والدولة، وهو “الفيدرالية”.. وغيرها مما يتصل بسيادة الشعب السوري على قراره ومصيره ووطنه.
إن اتفاق الدولتين الراعيتين للمفاوضات، اللتين تمسكان مفاتيح القضية والحل في المسألة السورية، وتستطيعان التأثير على الوفدين المتفاوضين، وكل على شركائها وحلفائها والقوى الخفية العاملة في الظلام.. هو اتفاق ذو أهمية قوية وحاسمة، بكل الأبعاد والمعاني. ويبدو أنهما تتجهان إلى تفاهم وتعاون واتفاق، لا سيما حول الأمرين الرئيسين: “الحكومة، ودور الرئيس”، بدوافع ذاتية مصلحية، وسياسية أوسع وأبعد من سوريا، وبضغط من أوروبا التي تريد: إنهاء قضية اللاجئين إليها، ومنع الهجرة، لا سيما غير الشرعية منها، إلى دولها، وتخشى الإرهاب وتريد القضاء عليه.. وهي تربط كل ذلك، بحل المسألة السورية، الذي يشكل لها مداخل، لحل كل من تلك القضايا التي أصبحت ضاغطة ومقلقة. ومن المسلَّم به أن الوضع المأساوي في سوريا، أصبح ضاغطًا هو الآخر، وبما لا يحتمل التأجيل، وهو ضاغطٌ ” إنسانيًّا، وأمنيًّا، وأخلاقيًّا، واقتصاديًّا”، وضاغطٌ أيضًا فيما يتعلق بالمنطقة، وبالتطورات الجارية فيها، وبمصير الدولة السورية، التي تتهددها الحرب/الفتنة/الكارثة، والأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية.. وأوضاع السوريين النازحين، واللاجئين، والمهجَّرين بالقوة.
ومما لا شك فيه، أن التوافق بين الدولتين الأعظم، بشأن إيجاد حلول للمسألة السورية، لا يمكن أن يكون/يتم، بمعزل عن توافقهما على حماية مصالح كل منهما، وبشأن قضايا دولية أخرى، على رأسها قضية أوكرانيا، وعلى موضوع تعزيز حلف شمال الأطلسي لوجوده حول روسيا الاتحادية، وبالقرب من حدودها، وعلى موضوع العقوبات المفروضة على الاتحاد الروسي، حيث يحين النظر في تمديدها خلال شهر حزيران/ يونيو القادم، وما يتعلق بذلك من أزمات اقتصادية، لا سيما بعد تدني أسعار النفط، وتوجه الولايات المتحدة الأميركية إلى تعزيز قدراتها العسكرية الهائلة، ورصد ميزانيات مالية ضخمة لتطوير أسلحة نوعية. وقد تمت إشارات مقتضبة، تنطوي على التفاؤل، وتشير إلى التوجه نحو التعاون البناء، بين الدولتين ” القطبين”، وجاء ذلك على الخصوص في التصريحات التي أعقبت اللقاء، أمس الخميس ٢٤ آذار/ مارس في موسكو، سواء من الرئيس بوتين ووزيره لافروف، أو من الوزير كيري.. ووصِف ذلك إعلاميًّا بـ”الغزل الأميركي ـ الروسي”.
من الواضح أن الدولتين الأعظم، انفردتا بالملف السوري، الذي أصبح دوليًّا بامتياز، ومفصليًّا بشأن الإعلان العملي عن انتهاء سياسة القطب الواحد، وتطبيق سياسة القطبين في القضايا الدولية. ومن الواضح أيضًا أن الدولتين، هما، عند اللزوم، مجلس الأمن الدولي، من دون مواربة ولا مماحكة ولا مجاملة، فنفوذهما فيه يتجاوز تململ الشركاء والحلفاء والتابعين، واتفاقها حول موضوع ما يجعله ذا سلطة، وعدم اتفاقهما يعطِّله أو يشُلُّه. وقد كانت الدولتان وراء السلب والإيجاب في ما يتعلَّق بالمسألة السورية.. وها هما اليوم في تعاون بصددها، كان من نتائجه فرض الهدْنة، بعجرها وبجرها، وفتح باب التفاؤل والتطلع إلى إمكانية استمرارها، وتطورها إلى وقفٍ تام لإطلاق النار.. وكان من نتائج ذلك أيضًا: إدخال المساعدات الإنسانية للمحتاجين والمحاصرين.. والدولتان هما وراء معالجة الأمور المتصلة بمواقف وفدي التفاوض في جنيف. وقد ظهر ذلك واضحًا هذه المرة في مواقف وسلوك وتصرفات الوسيط الدولي، دي ميستورا.. فكلما واجه عقبة، كان يومئ إلى إمكانية تجاوزها، من دون تلويح بتعليق التفاوض، أو بإنهاء اللقاءات لعُقمها، ولكي لا تزيد اتساع الهوة بين الطرفين.. وذلك استنادًا منه، في هذه المرحلة من مراحل التفاوض أو التمهيد للتفاوض، إلى عزم الراعِيَيْن على إنجاح مراحل التفاوض، مرحلة بعد أخرى، وعدم السماح بتفويت الفرَص، واستمرار التدهور، والقيام بترويض الأحصنة الجامحة، بمهارات وأدوات، وأساليب، معروفة.. إلخ. وقد انتهت دورة الاجتماع الأخيرة من دون انسحابات، أو تهديد بها، ولم يضطر دي ميستورا إلى إنهائها قسريًّا، وتم تحديد موعد اللقاء القادم، أو المرحلة التالية، في الحادي عشر من نيسان/ أبريل – ٢٠١٦.
وفي نهاية دورة اللقاءات الأخيرة هذه، أعلن دي ميستورا “ورقة”، قال عنها: “لا تشكل الورقة بأي شكل من الأشكال وثيقة إطارية، أو نصًّا تم التفاوض عليه. ولن يتم تقديمها إلى مجلس الأمن، ولا إلى الفريق الدولي لدعم سوريا، إلا في حالة الحصول على موافقة الطرفين المتفاوضين”. وهذا الحذَرُ، أو التوضيحُ ذو البعد الاحترازي، يرمي إلى تعزيز الثقة بينه وبين المشاركين في التفاوض من جهة، وإلى إعطاء كل وفد فرصة دراسة النقاط الواردة في الورقة، مع مراجعه السياسية، من جهة أخرى. وهذا تصرف مسؤول. وحبذا لو يراعي السيد دي ميستورا هذه الأمور البناءة في مواضيع وأمور أخرى متصلة بالثقة، والمصداقية، والشمول الموضوعي لكل ما يتصل بالتفاوض، والجهات الاستشارية، وتلك المقربة من فعالياته، بصورة أو بأخرى.. إذ كان لافتًا أن معظم العناصر النسائية اللائي شكل، أو تشكل، منهنّ ما يُسمى “المجلس الاستشاري النسائي” السوري، الخاص بالسيد دي ميستورا، هن من مشرب/ تنظيم سياسي “حزبي”، واحد، يشكل أقلية في سوريا، قياسًا إلى تنظيمات، وتوجهات اجتماعية، وسياسية، وفكرية أخرى؟! وحبذا لو أن السيد دي ميستورا يساوي بين الأقلية والأكثرية في هذا التشكيل وسواه، ولا نقول بأن يعطي الأكثرية حقها، وحبذا أيضًا ألا يقع تحت تأثير مروجين من أي نوع؟!
إن النقاط التي تضمنتها “ورقة” دي ميستورا، مستقاة أصلًا مما دار في اللقاءات الثنائية بينه وبين كل من الوفدين، كل على حدة، وإلى ما قُدِّم إليه من أوراق، أو مذكرات، أو صِيَغ، أو أفكار.. لأسس يمكن إنضاجها، والانطلاق منها، والبناء عليها.. ومن ثم فهي ليست بعيدة عن توجهات، وتوجيهات، وتعليمات.. مراجع كلٍّ من الوفدين، اللذين لا يعملان بمعزل عن مراجعهما أصلًا، فيما نقدر. ولذا يمكن النظر إلى ما جاء في الورقة على أنه استخلاصات آراء مفيدة، مبنية على مواقف متصلة بالواقع أو معبرة عنه، وتنطوي على تشخيص للواقع والمعاناة والأمراض والحساسيات، وفيها استشراف لمستقبل، يتضمنه أو ينطوي عليه الحل السياسي للمسألة السورية. وفي هذا الإطار، يمكن القول: إن ما جاء في “الورقة” يمكن مناقشته، وبلورته، وتطويره، بعد التدقيق في تفاصيله، ومن ثم إعادة صوغه بما يزيده دقة وشمولًا ووضوحًا وتوضيحًا، واستيعابًا للمواضيع التي قاربها، وإعطاء كل فقرة من فقراته الصيغة النَّصيَّة، القانونية، المُحْكمة، التي لا تسمح بسوء القراءة، أو سوء التفسير، والتنفيذ. هذا ولا بدَّ من الإضافة إلى ما ورد فيها إضافات يقتضيها الوضع الانتقالي، وتستدعيها الحلول العادلة، ويتطلبها مستقبل سوريا بوصفها دولة ذات سيادة تامة، موحَّدة، آمنة، مستقرة، تحمل هويتها الثقافية ـ الحضارية، وتنتمي لأمتها، وتحافظ على حقوقها، وتقوم بما يمليه عليها واجباها، وانتماؤها، ومسؤولياتها القومية والوطنية والتاريخية، وحفظ حقوق مواطنيها استنادًا إلى مبدأ المواطَنَة المتكافئة.. إلخ، وكل ذلك الذي ينبغي أن يسفر عنه التفاوض، أو يوجه إليه بصورة مبدئية. لكي يكون البناء على ذلك الاتفاق متينًا، وغير قابل للنقض، في مراحل قد يستدعيها التفاوض، والتطبيق.. ومن البدهي أن ذلك كله يكون مما يتم الاتفاق عليه بين المتفاوضين، الذين نؤكد على المسؤولية الأخلاقية، والتاريخية، والإنسانية، والوطنية، التي عليهم أن يرفعوها فوق كل الاعتبارات، لتكون حاكمة، وهادية، وموحية بإبداع، لكل من يعنيه الوطن، والشعب، والأمة، التي شكلت سورية، وتشكل تاريخيًّا ضميرها الحي، وقلبها النابض.
إن الجولة القادمة من المفاوضات، وهي الثالثة من جنيف الثالثة، على الأبواب، فخمسة عشر يومًا تقريبًا، ليست مدة طويلة، ولا ينبغي أن تطول، بأي حال، ولأي سبب. وخلال هذه الأيام، ستتضح تفاصيل، ويكشف النقاب عن أمور تتصل بالاتفاق، وبما تم التوافق عليه.. وتتبين للمعنيين والمتابعين مواضيع الاتفاق الروسي ـ الأميركي، وأبعاده، السورية، والإقليمية، والدولية.. سواء تلك التي جرت في موسكو يوم الخميس الماضي، ولم يُكشَف النقاب عنها، أو ما يتصل بها، ويضاف إليها، بعد عودة كيري إلى أوباما، وتشاوره مع الشركاء والحلفاء الذين يعنيهم الأمر.. وبعد ما يمكن أن يقوم به بوتين ووزيره لافروف، فيما يتصل بشركاء روسيا الاتحادية في الأمر. ولكن، من الواضح أنه إذا استمر التوجه الإيجابي نحو التعاون بين الدولتين الراعيتين لمفاوضات جنيف، فإنهما ستختاران لنا ما تختاران، وستذللان ما قد يكون من عقبات، وستفرضان إرادتهما.. وقد يغير مجلس الأمن الدولي ما سبق أن أقره إذا اقتضى الأمر ذلك، بدبلوماسية ناعمة أو خشنة، فالقوي يصنع الأمر الواقع ويفرضه، كما يفرض ذاته على دعاته.. والقوة صَناعٌ لما يُراد، ويباع، ويذاع.. بأمر هو الأمر، وواقع ما له من دافع.
ونسأل الله تعالى، أن يكون لنا الخير فيما “يُختار لنا”، بعد أن فقَدنا، أو أَفقدْنا أَنفسَنا، الحق في/ والقدرة على.. أن نختار بحرية تامة، واقتدار حاكم!! هذا فضلًا عن أن يكون لنا أن نفرض اختياراتنا على من يرفضها، لا سيما إذا كانت مما يتصل بسيادتنا، ومصيرنا، وهويتنا. وفي الأحوال جميعًا، يبدو أنه لا معدى لنا، في وضعنا الذي نحن فيه، وبعد التي واللُّتيَّا، مما كان وصار، من أن نردّد المثل العربي القائل: “على نفْسِها جَنَتْ بَراقِشْ”.

إلى الأعلى