الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ

ذكرى

يطيب لخولة كل جمعة احتضان مجموعتها الأثيرة من الصور، تذكرها تلك الصور بزمن كان للكاميرا وتحميض الصور واختيار الوضعيات المختلفة جمالية ومكانة تشعل في القلب حرارة لايفهمها سوى من كان جزءا منها.
تتمنى خولة بشدة وهي تمسك بالصورة الأولى أنها احتفظت بزجاجة العطر بعيدا بحيث لم تنسكب قطراته على الصورة بحيث حجبت تفاصيل كثيرة منها ولكنها في الوقت نفسه تحب هذه الصورة وتعشقها بشكل كبير، الصورة وهي تحمل معالم لمجموعة من الأطفال يبتسمون تشعرها بالسعادة لاسيما صورة ابن الجيران الذي يتوسط الصورة ويتوسط قلبها في الوقت نفسه.
حمد ابن الجيران الذي كان طفلا فكاهيا بكل معنى الكلمة نسج في قلب خولة عشقا عميقا سطر خيوطه في قلبها الغض كانت تحب أحاديثه وتجد لضحكته طعما خاصا، يتحدث بكل جوارحه ويرسم خطوطا كثيرة في التراب، لعيونه بريق خاص كان جميلا بحق، سعدت كثيرا عندما رسم قلبا كبيرا في جدار بيت جارهم خميس ورسمت عصا العم خميس جرحا عميقا على ظهره، تمنت خولة بشدة وهي تتحسس القلب المرسوم أن يكمل حمد رسمه ويسطر حرفها الأول مع حرفه في وسط القلب.
صحيح أنها لم تبح لحمد بحبها له كما أنه لم يخبرها بشيء إلا أن احساس قلبها أخبرها بأن حمد يحبها ، احتضنت الصورة بين يديها قلبتها يمنة ويسرة هي تقف في الزاوية اليمين ترتدي ثوبا أصفر اللون سألت نفسها : هل يحب حمد اللون الأصفر؟
ابتسمت في داخلها ، أمعنت النظر في بقية الأشخاص ، كان الطين والتراب يملأ أرجلهم ورغم ذلك يبتسمون بفرح ، ذلك الشخص السمين جاسم الذي ازداد وزنه بشكل كبير الآن وأصبح يشبه الطبل ضحكت خولة كثيرا حين تذكرت بأن جاسم كان يجمع لها البيذام بشكل دائم حين عرف عن حبها الكبير للبيذام لكنها لم تستطع أن تحبه خاصة إنه يملك شعرا مجعدا وجسما مترهلا.
سالم الطفل القصير يقف في زاوية خاطئة بحيث لم تظهر سوى بعض المعالم الضائعة منه لعله بكى حين رأى الصورة ، سالم كان طفلا خجولا ، يحب العزلة والصمت كان يتخذ من شجرة النبق مجلسا له ولايحب التحدث إلا نادرا ، يمسك بمجموعة أوراق ويظل يكتب فيها طوال النهار ثم يرحل ، لكنه الآن نسي الأوراق والكتابة كما نسي الصمت أيضا.
تحاول خولة تجاهل الفتاة المكتنزة ذات البشرة البيضاء والثوب الأحمر : كان الثوب يزيدها جملا ويظهر حسنها ، كانت تنافسها في حب حمد تجمع له النبق الذي كان يحبه وتضعه في كيس نظيف بعد أن تغسله ، كانت تختار أكبر أنواع النبق وأكثرها نضجا ، حتى في حادثة رسم القلب صرحت أمام لطيفة وحنان بأنها المقصودة وبأن حمد سيكون لها وحدها !!
أكثر ما أزعج خولة منها أنها كانت تملك ما يتيح لها ارتداء ملابس جميلة وجلب كميات شهية من الحلويات التي يجلبها والدها من سفرياته المتعددة لم تكن تحب اللعب إلا بوجود حمد كانت تحاول ابراز نفسها في كل شئ في اللعب وفي الحديث وفي سرد الحكايات.
خولة كانت تشعر بغصة حين تشاهدها تحاول الإبتعاد عنها دائما ولاتنسى خولة المشاجرة التي حدثت والتي وصلت إلى مد الأيادي حين صرخت بخولة : اذهبي يابنت الصياد!!
الغصة كانت كبيرة في قلب خولة، سقطت دمعة كبيرة من عينها وأكبر من قلبها!!
عند هذه النقطة ابتعدت خولة عن الصورة وضعتها جانبا ، أمسكت بالصورة الثانية تنهدت بحزن وهي تشاهد صورة لفتاتين والإبتسامة تعلو لتشمل الكون كله ، كانت تحبها كثيرا تحس في وجودها براحة خفية تمسح دموعها وتمسح لها حزنها ، بجانب شجرة الغاف كانت تنتظرها عصر كل يوم ، تذكر خولة عصر ذلك اليوم حين أمسكت بيدها وبكت طويلا حدثتها عن قسوة والدها الذي يضربها دائما وترك في قلبها ندوبا لاتنمحي عن أمها المتزوجة وعن همومها ووحدتها بكت طويلا وبكت خولة معها.
بأصابع خولة الصغيرة كانت تتناول حبات البيذام وتضحك ، ضحكت في آخر أيامها طويلا وحضنت خولة كثيرا ولكنها رحلت بصمت وتركت حبات البيذام صامتة في يد خولة.
تحسست خولة وجهها عبر الصورة وأمعنت النظر في عينيها كانت تحمل حزنا دفينا ووجها ملائكيا .
وجها تمنت أنه عاش لهذه اللحظة يقاسمها حديثها وقسما كبيرا من أحلامها وقصص عشقها وغرامها.
وضعت خولة الصورة بحنان ومسحت على وجه الفتاة برفق .
تتابعت الصور في يديها ، حدقت في الأجساد والوجوه ، في الضحكات والهمسات ، في أشياء كثيرة تحكي لها روائح مختلفة ، أمسكت بالصورة الأخيرة التي سطرت لوحة لعائلة مكتظة بالأفواه ، والدها يقف بجانب قاربه والشباك يحيط به ، صور أخوانها يتجمهرون حوله حيث كانت رائحة السمك الطازج والآخر النافق بجانب البحر تطغى على كل شئ ، بتقطيبة الجبين عرف والدها كان متقلبا كالبحر لكنها تخاف منه ومن قسوته حين يغضب يزأر ويزبد كالبحر تماما في عواصفه وتقلباته.
والدها الذي منعها في يوم العيد من ثوب جديد لأنها تشاجرت مع أختها الصغيرة ، ضربها وأخذ الثوب من يد أمها التي ظلت صامتة ، ورحل العيد عنها دون أن تكون قادرة على الخروج ، وفتحت النافذة لتنظر إلى أجساد الأطفال ، كانوا يضحكون والآيسكريم يزين أيديهم وألوان ملابسهم تنعكس على وجهها مما يزيدها ألما وحزنا ، لكنها لم تستطع الضحك ولا الكلام بل اكتفت بالصمت الطويل كسالم تماما. جلست في الحوش تحدق في أوراق الشريشة التي كانت تبدل من أوراقها وتمنت لو استطاعت أن تبدل اسمها وعائلتها وتفر نحو عالم آخر.
عالم لايحوي عصا والدها ولا صمت أمها عالم يرسم لها دروبا وردية ويشرق عليه ابتسامة حمد وضحكته.
تنهدت خولة ووضعت الصورة على الأرض أمسكت بالصور تقلبها للمرة الأخيرة صوت والدها المرتفع جعلها تهب واقفة بكل جوارحها ، خرجت مسرعة إلى الحوش ، كان صوت الأغنام يملأ المكان حاولت مطاردتها ، تنبهت إلى وجود الصور في يدها ، شعرت بقلق وتوتر خافت من صوت والدها الذي يشتد وضعت الصور في الحوش بسرعة ، جرت خلف الأغنام فتحت الباب الصدئ وشاهدت الأغنام تخرج منه بحركات غبية ، ابتسمت في داخلها وشعرت بالراحة ، حاولت الإبتعاد عن صوت والدها المزمجر في طريقها ، وصلت إلى مكان الصور ارتجف قلبها وتبعته ارتجافة طويلة من جسدها الهزيل حين شاهدت صورها في فم تيس كبير يبدو إنه اختبأ في مكان ما ولم تشاهده جيدا، حاولت اللحاق بها رغم ارتجاف جسدها ، شاهدت التيس الكبير يهرب وبقايا صور تسقط وتتناثر بدون ترتيب.

أمل المغيزوية

إلى الأعلى