الخميس 8 ديسمبر 2016 م - ٨ ربيع الأول ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / هينمات مع الشِعر في يومه العالمي

هينمات مع الشِعر في يومه العالمي

“الأمر ليس سهلا كما يبدو”
أقدم نصٍّ شعريّ وجدْته لي للآن يعود لسنة ١٩٩٣م، وكنتُ يومها ابن ثلاث عشرة سنة، ولكن إذا كان لا بُـدَّ من خطِّ بدايةٍ كشهر محرّم نقول بِه بدأ بداية قطعية فلا بأس باستذكار أنّ أول نص شعري نُشر لي ، كان في يوم أحدٍ من سنة ١٩٩٨م، في صفحة القرّاء بصحيفة الوطن، للآن لا أعرفُ مَن أرسل النص الشعري ، لكن هاجسي يقول لي إنه أبي الذي كان يحب المراسلات، وأنه هو من وضع الرسالة في صندوق البريد ، مع العلم أن النص نفسه بعد يومٍ واحد نُشر في ملحق عمان الثقافي الذي كان يُشرف عليه الشاعر سعيد النعماني، وما تلا ذلك من حكاية ظريفةٍ بيني وبينه حين رآني لأول مرة.

إذن قرابة عقدين – وهي المسافة الزمنية التي رضيتُ بها كخط بداية مع الشِعر – تقِفُ بي بعد الطموحِ والعرامة على نصل السؤال، و(تُمرمِطُ) بي في أمواج الحيرة والقلق وعدم الرضا، وكثير من اللامبالاة واللاوفاء لهذا الشعر الأقرب لي مني، فما عُدْتُ أسأل ماذا أُريدُ منه وماذا يُعطيني، خلعتُ فكرة الخلود الكلكامشية به، وطأْطأْتُ هامة الطموحات، وأرخيتُ وتر الأغنيات والأمنيات، فكأنما قبل الغَورِ في التراب، انتثرنا في الرماد. ( حتى أنت يا بروتوس/ الشعر).

الشِعر في داخلي كائنٌ “تِنينيّ” يطرحُ أسئلته المزمنة، عن هويته (سيرورته وصيرورته)، عن جدواه، حين يُمسكه العقل كلوغاريتمات لا أجدُ له حلًّا ، وحين يستريح في حُريّته ويطير محلّقًا في خرافته لا أجدني أستطيع الإمساك به ، وأحسه متجبرا متكبرًا على الوضوح والشفافية، الشعر هو ابْنُ السماء الذي رماني بقلقِ عدم الرضا، يلعبُ بي كطائرة ورقية بين يدي الأطفال، ومع ذلك فهذا الوحيد الجاذبي لِعمق وحدته هو العباءةُ الكونية التي ألفُّ داخلها مجرّاتٍ إنسانية ووطنيّةٍ و ذاتية، وهو مالئي بهواء الأنا ، الراسمي في المرايا المحدّبة، الرافعُ دويّ اسمي كالأذان، الراسمي بألوانه في صفحة الوجود، ربما أنا جسدٌ آيلّ لرماد النسيان لولاه.

تخيّلْ أنْ يكون وطنك وأُبّهتُكَ وحِرفتُك الكلام، باختصار أنّ هويتك وكينونتك ووجودكَ قد تكون هشّة، يا إلهي إنني من طينة المغامرين المقامرين بحيواتهم، ومع هذه الهشاشة التي تجدها ، فإنّ هناكَ ( ربما كائن ملموس) مَنْ قد يستشعرها قوةً مضادة ، وعليه تتعرض للسحق والمحق، وكُلُّ هذا في حقيقة الأمر قد تكون لحظات بطولة فارغة في دراما الحياة ومسرحياتها، كالأطفال شاهدوا الرسوم المتحركة ، ثم نفخوا بالوناتهم الصغيرة ليطيروا بها.

هل الشِعرُ هو شجرة الخلود يا كلكامش؟
بل ماذا يُجديني الخلود ، إذا لم يُقبَل دعاء ( رحمه الله) ، وَلَمْ يُطعمْني هذا الشِعرُ رغيف خبزةٍ في قبري؟ هنا أتمرّد على ڤانتازيا الشعر، وأنحاز إلى صلادة التفكير والفكرة، فلا يُعجبني أنْ أتقمص الأساطير ، بل أنحاز إلى (طوبية التجار – على حسب فهمي وتذكري لابن بطوطة) ، فالواقعية والانتفاع بقدر الممكن من هذه الهشاشة بعبثيّتها ، خَيْرٌ لي من ( وتركك في الدنيا دويًّا ) لآخر ما انحاز له وشاءه أحمد بن الحسين الجعفي (المتنبي) ، أستطيع الاقتناع أنّ (واقعيّة التجار) أجدى ، بل قد تتواءم في مسربٍ ما مع ڤنتازيا الشِعر، فبِقليلٍ مِنْ “الطبطبةِ ” على قلق أمواجِ البحر قد نصل إلى (سلامٍ بارد) ، تتعايشُ فيه الكتابة بِرُشدٍ وانتفاع ، مع يقيني المطلق أن (وتركك في الدنيا دويًا ) تحتاجُ إلى جعل (روحيَ في راحتي * وأُلقي بها في مهاوي الردى).

ألا يريد منّا هذا الشعر أنْ ننصاع لمشيئته ونشكره على قطراتِ مننه، بله نزهو بها، ننصاعُ كما نُجرجر التيوس للهَدْي، لكنه لماذا لا يهِبُنا الانصياع، لماذا لا يلين كحديد داوود؟ لماذا لا يمتلئ بالكمال ككلام الله؟ أريدُ أنْ يوحى لي بأَخْلَدِهِ من أعلى سماواته عن الأوطان الموبوءة بعنجهية الدكتاتورية وعنجهية الساسة، عن عمَّال النظافة، عن العانس التي تنتظر عريسًا هرِمًا قبل القبر، عن الذين ذهبوا للقبر وماذا يقولون في البرزخ، عن هاجس الإنسان البسيط المنحشر في حياته، عن خاطرِ حجر في البرية وخالج برعم في أعالي الشجر، إن استحواذه علينا وكأننا مُلكية خاصة له، استحواذه على قلقنا ، هاجسنا حُلمنا، فِعلِنا ومعنانا ، وصلافته ـ كرأي خاص بي ـ لا يجعلني أرضى بالوفاء له، فربما لو كنتُ بائع فجل في سوق الموالح، أو سائق تاكسي يعيش حياته ولا يشذّب لحيته ، غير واعٍ جدًّا ، ولا عاقلٍ لدرجة الحكمة ، ربما كان خيرًا لي من الوقوع في مأزق الشِعر.
ليتني كنتُ كسلطان الشيباني حُرًا يُنقّب المخطوطات، أو كخميس العدويّ يُنافحُ صوابه وخطأه في الرواية، أو ما أحلاني لو كنتُ محاضرًا أكاديميًا كأحمد المعيني، لقد اكتشفتُ أني لا أحبّ كوني شاعرًا.

يونس البوسعيدي

إلى الأعلى