الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / المدينة “العميقة” و”المترابطة” و”البوليسية”

المدينة “العميقة” و”المترابطة” و”البوليسية”

قراءة فلسفية .. مدن الديجيتال والفيسبوك والتويتر

د. وليد احمد السيد:
للمدينة، أية مدينة، عدة أوجه وزوايا نظر متعددة يمكن النظر لها من خلالها، مما يجعل المدن على الدوام “متحركة” أو متغيرة. وقلّما نظر المفكرون، أو الراصدون للمدن، إليها على أنها أشبه ما يكون بالكائن الحي – أو رؤيتها من زاوية النظر هذه. فالمدينة كيان “عضوي”، يتوزع بين العناصر الثابتة والمتغيرة. وللمدينة وظيفة أو عدة وظائف تتوزع داخلها: إما أن تكون المدينة ذات وظيفة واحدة كالمدن الصناعية مثلا، أو تكون مدينة “عضوية” تديرها وظائف متنوعة بين أقسامها.

لكن المدينة بنظرتها الكلاسيكية، التي ربما نظرت إليها الكتب التقليدية ربما تكون في طريقها إلى “التحول” إلى غير رجعة. فلم تعد المدينة ذلك التكوين “الفيزيائي” الحسي المكون من أحياء وشوارع ودروب متفرعة. هذه نظرة كلاسيكية لم تعد صالحة لوصف مدن اليوم. فالمدينة اليوم تتشكل من طبيعتين فيزيائية مرئية، وهذه ثابتة نسبيا إن نظرنا إليها عبر فترات زمنية متوسطة أو قصيرة زمنيا، وطبيعة أخرى لا يسهل رصدها وباتت تشكل أبرز معالمها. وهي ما يربط المدن ببعضها رابطا غير مرئي. وهذه يمكن أن نسميها المدينة “العميقة” أو المدينة “المترابطة” (Chain City) التي باتت مترابطة أكثر مما مضى ترابطا معنويا، حتى أصبحت تتشابه “ضمنيا” تشابها سلاليا و”تسلسليا” رغم اختلافها الفيزيائي، ترابطا جعل المدن تتحول تقريبا إلى مدن “بوليسية” بدرجات غير مسبوقة بالنظر إلى تطورات معاصرة!

*****
المدينة “العميقة”
كثيرا ما تشدني المدينة للتفكير فيها كبيئة نعيش فيها. وأحيانا أفكر بأن الفضاءات التي تحصرها المباني والتي تتشكل فيها “نشاطاتنا” العامة تدير معنا حوارا صامتا، لا يفهمه الكثير منا ممن يمر مسرعا، غاديا أو رائحا، وخاصة في مدن اليوم التي باتت أعداد الزوار ومستعملو المكان تنمو بشكل غير مسبوق، حيث أصبحت “الحركة الطبيعية” للمشاة، والتي اعتمدها البروفسور بيل هيلير، في نظريته في قراءة المكان الحضري، أصبحت أشبه بالسيل الجارف في أوقات الذروة بما لا يدع مجالا للتوقف أو “الإستماع” لنبض المكان أو إيحاءاته العمرانية.

والفضاء الحضري الذي “نسبح” فيه ونمارس نشاطاتنا الحيوية العامة، في الشوارع والميادين يتلامس مع “محددات” هي التي تدير أطراف الحوار معنا – كمستخدمين للمكان. وهذه “المحددات” يميزها أنها “متغيرة” وغير ثابتة إطلاقا حتى وإن بدت كذلك للناظر السطحي. فواجهات المباني المحيطة والتي تحيط بالفضاء الحضري تتكلم معنا في حوار مستمر. أحيانا تطالعنا واجهات قد علت وجهها أصباغ وطلاء ملون، وأحيانا تكون عابسة وقد تدثرت بلباس “الحداد” أو هو أقرب (الرمادي ودرجاته). وأحيانا أخرى تعلو وجهها، العابس أو المبتسم، أشعة الشمس فتضفي على تقاسيم وجهها تعابير يحددها الظل والنور. وفي أحيان أخرى يتكلم المكان بشكل أكثر صراحة من خلال “المؤثرات الصوتية” أو البصرية التي حولت الكثير من المدن إلى واجهات “ديجيتال” تعلوها اللوحات الإعلانية الديجيتال بالصوت والصورة، وبما يدير حوارا “إستهلاكيا” بين المدينة “الإستهلاكية” و”والمستهلك” وما بينهما!

وليست الجهات الأربع فقط هي “محددات” المكان الحضري العام الذي نستعمله في المدينة. فهناك جهتان مهمتان أخريان تديران حوارا، يكون أحيانا أكثر صخبا وخشونة من الأخرى. فعلى عكس واجهات الشوارع التي تحيط بنا، كثيرا ما يدور حوار “يتعثر” أحيانا بمطبات الطريق. فالحوار هنا حوار تلامس بالأقدام: هذا رصيف مشاة متسع، يتيح للمارة المشي بتأني، وذاك طريق به “حفر” تقذف بما تيسر من ماء الأمطار على المارة أثناء حوار هذه الحفر مع السيارات المارة. ولكن هذا الحوار متفاوت في درجاته وقوة صخبه ونتائجه. ويتفاوت بين الفئات العمرية، وطبيعة مستعملي المكان، وحالتهم الذهنية، والنفسية، والصحية. ومن الطريف أن هناك مقولة دارجة في الغرب أنك “إن أردت أن تميز السياح وزوار المكان في العواصم الغربية فانظر لمن ينظر عاليا للمباني حولك”. فالسائح يمشي متأملا وقد رفع رأسه عاليا ليرى قمم المباني الشاهقة، في مدن مثل لندن ونيويورك مثلا، بينما ترى سكان المدينة وقد ساروا “مسرعين” ينظر كل منهم لموضع قدميه (حوار عاجل متعجل مع الطريق بالأقدام). ولذلك فقد رصدت بعض الدراسات “سرعة المشي” لسكان المدن الغربية عموما، والعالمية عموما، ووجدت بعض هذه الدراسات أن المشاة في المدن العالمية الغربية مثل لندن مثلا يتميزون بسرعة كبيرة في المشي على الأقدام. وبالمقابل تجد أن سكان بعض المدن والعواصم الأخرى في مناطق بالعالم الثالث، وقد أدار “حوارا طويلا مملا” مع الطريق. إذ راح “يتهادى” مترنحا ذات اليمين وذات الشمال. ولذلك، وللطرافة، يطلق مثل على أنواع “حوارات” الطريق في المدن الغربية. فمثلا إن رأيت في شارع مزدحم في مدينة غربية شخصا “يدير حوارا” هادئا مملا مع الطريق، فاعلم أنه سائح أو شرقأوسطي أو أسيوي وربما إفريقي مثلا- أو غريب عن المكان! والأغلب أنه لا يحسن بعد “لغة المكان” وما يزال يتلقى دورات “تقوية في اللغة”! أو في بعض الحالات، يحتاج لتخفيف الوزن والرياضة لتقليل الأحمال المتراكمة على ساقيه المسكينتين، والتي “يئن” الطريق تحت وطأتيهما ثقيلتي الظل.

وبالمقابل، هناك ثمة حوار يسقط إسقاطا من الأعلى: من الواجهة السادسة للمكان الحضري؛ السماء. فالطقس والجو يفرض إيقاعاته الحيوية والحركية وغير الثابتة على مستعملي المكان: زوارا وقاطنين. أحيانا تكون إيقاعات هذا “الحوار” هادئة، فتذرف السماء بعض دمعات هنا وهناك – عتبا ربما على بعض من أساؤوا أدب الحوار مع الطريق. وأحيانا يكون حوار الطقس من السماء مع المارة حوار “حزن” و”كمد” على مآلات علاقات البشر بالطبيعة، أو كنتيجة لما آلت إليه المدينة التي فقدت أو كادت قيمها الإنسانية أو الأخلاقية أو ربما طبقات الأوزون. وفي أحيان أخرى يكون حوار السماء مع المدينة وسكانها حوارا “عاصفا” أو غاضبا مكفهرا، ترغي فيه وتزبد الواجهة السادسة للمكان الحضري، السماء، وترعد وتبرق، فيهزم الجمع في مثل هذا الحوار ويولون الدبر، ويطلق المارة سيقانهم للريح لا يلوون على شيء. واللافت أن علاقة الغربيين بالواجهة السادسة للمكان الحضري هي علاقة “مقتضبة” دوما، وعلاقة “متشككة” حتى وإن كانت السماء “مبتسمة”. ولذلك تجد المثل الإنجليزي يقول:”لا تثق أبدا بالطقس”. واعتمادا على ذلك تجد سكان لندن مثلا وقد “احتاط” كل منهم بمظلة في يده أو “في جيبه” (فقد اخترع مخترعو التسويق والإستهلاك الأوروبي مظلة صغير لا تزيد عن حجم كف اليد يمكن “فردها” عند الحاجة لتقي من “الحوار الغاضب” مع الطقس في أيام الخريف – وأحيانا الصيف!

في كل هذه القراءات، المبسطة، والمسطحة، لتقريب موضوع مهم وفلسفي للقارئ غير المتخصص، يبرز تساؤل مهم: من الذي يدير “دفة الحوار”: المكان أم مستعملوه؟ والإجابة عن هذا التساؤل لا تخلو من تناقض ظاهري أو (Paradox). فهي كإشكالية تتبع من سبق الآخر، البيضة أم الدجاجة. وبكلمات أخرى، يحضرنا مقولة ونستون تشرشل الشهيرة “نحن نشكل مدننا ثم تعود مدننا فتشكلنا!” وهي مقولة تطرح مفهوما فلسفيا مهما بالنظر للمدينة على أنها أداة ومحتوى في ذات الوقت، حيث لا يمكن فصل الإثنتين فصلا جسمانيا لارتباط المعنى والمبنى بالتشكيل الحسي بشكل لصيق. والحقيقة استوقفني، وشدني للتفكير مليّا، مصطلحا حضريا، عرّفه، و”غرّد” به، على “تويتر”، الصديق المفكر والمعماري، الدكتور مشاري بن عبد الله النعيم، الأسبوع الماضي، وشاطرني به أثناء حوار بيننا عبر “الواتساب” وطرحه في مقاله الأحد الماضي في صحيفة الرياض، حيث قدّم أطروحة مهمة في مفهوم “الحرية المكانية”. وهذا المفهوم يحيلنا لتناول هذه الفكرة والطروحات “المدينية” أعلاه بالتفكير والتحليل والدراسة.

***
“الحرية المكانية” والمدن “المترابطة” …. “والبوليسية”
يطرح الدكتور مشاري النعيم في مقاله فكرة “الحرية المكانية”، وعلى هامش معرض الرياض الدولي للكتاب. وينطلق في أطروحته من علاقات المكان بمستخدميه من زاوية نظر اجتماعية ثقافية مرتبطة بالجندرية، أو الجنوسة من ناحية، وبمحددات ومؤطرات حدود ما تسمح به ثقافة المكان الترفيهية التي، ربما، ألقت بظلالها على الإقبال الكبير على معرض الكتاب – ربما كمتنفس “ترفيهي ثقافي” بحثا عن “المكان العام”، من ناحية أخرى.

وبأهمية المصطلح، والأطروحة، وبالنظر لمداخلتنا أعلاه، وعلى ضوء تساؤلنا عمّن يدير الحوار في المدينة، المكان أم الناس؟ ننظر “للحرية المكانية” نظرة من الجهة المقابلة، لا نزوعا لتأطيرها نحو محدداتها الاجتماعية الثقافية، كما فعل محقّا الصديق الدكتور النعيم، ولكن بمعطيات حسية، و”حداثية”، و”تكنولوجية” و”قانونية تشريعية” (تسمها الحرية بالنظرة السطحية). وهذه النظرة المقابلة، ستغفل الجانب “الثقافي الاجتماعي، باعتباره الوسط “المتاح” الذي تسبح فيه التفاعلات الاجتماعية “بحرّية” – أو هكذا تبدو من وجهة النظر المقابلة “للحرية المكانية” وبما يحرّك الحوار والتفكير في المصطلح من وجوه متعددة.

فالحرية المكانية “الحسية” التي قد تبدو في المدينة الغربية مثلا، إنما هي حرية “نسبية” و”مؤطرة” ومقننة” و”مشرعنة” إلى أبعد الحدود. فعلاقات السكان بالمدينة الغربية تتجاوز مفاهيم الإختلاط الطوعي والمشرع بين الجنسين إلى علاقات مؤطرة قانونا ومحددة لأبعد الحدود اعتمادا على معايير إنسانية وتجارية ومصلحية تحدد المجال الخاص تحديدا صارما ليس في التعاملات فقط ولكن في المجال “الشخصي الإنساني”. وهذه الحرية المكانية تقف عند حدود كلمة “آسف” أو (Sorry) المتداولة بكثرة في المجال العام لكنها تتطور إلى صدام قد يحتدم إن تجاوزت هذه الكلمة العابرة. وبهذا فإن حرية استعمال المكان، من المنظور الفردي، تنتهي تماما عند الإستعمال الفردي “للآخر” أو الجمعي.

والحرية المكانية تتبلور في المدينة لاحقا على شكل “قيود خفية” وبشكل خادع ظاهريا. فبعد اللحظة التي نشكل بها الفضاء الحضري في المدينة يكاد دورنا ينتهي، ليبدأ دور المكان في صوغ أحاسيسنا ومشاعرنا، ومؤخرا، التحكم، و”رصد” حركاتنا في مدن معاصرة راحت تنزع نحو “البوليسية” نزوعا “قسريا” بتضائل وتناقص علاقة “الحوار” بين الأضداد في المدينة. فالمكان يفرض “الإيقاع” وسرعته ونبضاته، يكاد معه البشر، وهم بمثابة الدم للإنسان حيثما يجري تكون هناك حياة، يسيرون في “قنوات” محددة داخل المكان – تؤطرها “الحركة الطبيعية” للمكان والتي ناقشها العلماء الحضريون، وبشكل يقدم “قوانين للمدينة” كما في كتاب (City Rules: How Regulations Affect Urban Form) مثلا. لكن الحرية المكانية في المدينة الغربية عموما هي حرية مقيدة ومشروطة – بعيدا عن الحرية الإجتماعية المتمثلة في حرية اختلاط الجنسين في المكان العام. فحركات المستخدمين والزوار للمدينة وأماكنها العامة باتت تحت “العين الإلكترونية” بدرجة دفعت العلماء الحضريين للنظر للمدينة وتعريفها من هذا المفهوم، كمدن المراقبة الإلكترونية، كما في كتاب (Liquid Surveillance) مثلا. وهذا يشمل المشاة ومستعملي السيارة على حد سواء (تقف بسيارتك قليلا لتشتري ربطة خبز، لتعود بعد دقائق لتجد مخالفة ملصقة على سيارتك، وأحيانا يصلك شريط فيديو مسجل للواقعة وخريطة لمكان الوقوف وصورة سيارتك – كما حصل مع كاتب هذه السطور قبل فترة وسنوات). ففي المدن الغربية هناك ضوابط يقوم عليها “القانون”، والذي بات يشكل ما يشبه “الغول” الذي يكاد يحصي على القاطنين انفاسهم وحركاتهم وسكناتهم. فكاميرات المراقبة تكاد تنظر، كالأخ الأكبر أو (Big Brother) على المارة والزوار والناس من كل زاوية وحدب وصوب. حتى أصبحت المدن بمثابة الشرطي الكبير “الخفي” الذي يراقب الأفراد ويرصد حركاتهم، بشكل أقرب لما وصفه جورج أورويل في روايته التي عنوانها (1984)، وحيث كان يعمل العميل (سميث) في (وزارة الصدق) وكغيره من السكان المرعوبين لم يكن ليجرؤ حتى على إقامة علاقة شخصية أو خاصة. مثل هذه المدن التي تقدم “الحرية المكانية” المخادعة ظاهريا أو (Paradoxical) تخلط الأوراق، وتعمل على بلبلة وخلط المجالين العام والخاص، وقد تؤدي بالتالي إلى زعزعة وخلخلة المجالين العام والخاص من ناحية والتعدي على المجال الخاص بدرجة تتجاوز القانون أحيانا. وقد طرح هذا المفهوم في إمكانية التعدي على الحرية الشخصية من خلال المراقبة والتلصص الإلكتروني على الأفراد في المدينة المعاصرة في فيلم (Enemy of the State). وتدور أحداثه حول قصة تعدي سياسي على حياة رجل خاصة حصل بطريق الصدفة على دليل جنائي ضد هذا السياسي، بما يدفع الأخير لتوظيف فرقة مكلفة أصلا من الدولة بالقيام بمهمات استخباراتية لتصفية هذا الرجل والحصول على القرص المضغوط الذي عليه الدليل الجنائي. والجديد الذي يطرحه هذا الفيلم، مطلع الألفية الثالثة، هو إمكانية الدولة الحديثة، اعتمادا على التكنولوجيا، ووسائل الرصد الفضائي والقمر الصناعي من تتبع حركات وسكنات وحياة الأفراد. وفي نهاية الفيلم يطرح سؤال حول المدى الذي يمكن أن تتوقف عنده وسائل الرصد هذه: إن كانت الدول ترصد حركات الأفراد من أجل السلامة، فمن الذي سيرصد حركة “الراصدين” لضمان عدم التعدي على الحرية الشخصية والخاصة؟

مثل هذه الأطروحات والمفاهيم التي يتدوالها المفكرون والراصدون والأفلام الهوليوودية تقدم فكرة ملخصها أن المدينة المعاصرة باتت مدينة تتجاوز بمراحل مفهوم المدينة الصماء (من الحجر والمباني) إلى مدينة “عميقة” بها مستويات معقدة من “الحوارات” المختلفة، فضلا عن “اللاحوار” مع الآخر، والذي بات يترجم لأعمال عنف، كما تشهده العواصم الكثيرة ومنها عاصمة بلجيكا ساعة كتابة هذه السطور، ومن قبلها بعض المدن التركية وللأسف، وبشكل بات يهدد سلامة الأبرياء والآمنين، ويحيل مفاهيم العيش والتنقل الآمن، وللأسف، إلى طروحات ينبغي على علماء الحضرية والعمران البدء بالتفكير الجدي لمعالجتها واجتراح حلول تستشرف العالم كما سيصير عليه، لا كما تأسست المدينة عليه تقليديا، وكما تقدمه لنا الدراسات الكلاسيكية الجامدة التي تنبش في بطون الكتب “الكلاسكية” ،الغربية والشرقية منهما على حد سواء، في عالم متغير. هذا العالم الذي بات يؤطره استعمال متقدم للتكنولوجيا، عالم سهل وأذاب الحدود بما يقدم لنا فكرة “المدينة المترابطة” أو (Chain City) تماما مثل (Chain Stores) بالمفهوم التجاري الإستهلاكي، ولكن هذه المرة بمفهوم الحداثة التكنولوجية. وبهذا المعنى لا بد من أعادة النظر في المدينة وبما تقدمه من فضاءات حضرية، وكيفية “إحياءها، إحياء يعيد ترسيم علاقة متوازنة بين القاطنين، وبين القوانين، بحيث يدخل المستعملون لفضاءاتها الحضرية بشكل يبعث الحياة و”الحوار البنّاء” المتوازن. فالمدينة، أو بعضها حين يتوقف تدفق “الحركة الطبيعية” في جزء منها فإنه يموت، أو يصبح عرضة، لتجمعات غير مألوفة تنبذ الحوار مع المدينة. وهنا وبهذه الأطروحة لا ينبغي النظر في الحفاظ التراثي على أنه “تحنيط” لأجزاء من المدينة “الحسية” بل ينبغي أن يكون “إعادة تأهيل” وإجراء حوار متصل، حوارا على مستويات، وأبعاد ثنائية وثلاثية وبنيوية في تركيبة الفراغ الحضري والعمراني – وهو موضوع مساحة قادمة.

إلى الأعلى