الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ملتقى متحف بيت الغشام الدولي للفنون نموذجا

ملتقى متحف بيت الغشام الدولي للفنون نموذجا

عندما ترتبط الملتقيات الفنية التشكيلية بمشروع ثقافي، حضاري وفكري

تنتظم كثير من الملتقيات والتظاهرات الفنية التشكيلية التي تجمع العديد من الفنانين من مختلف دول العالم في الكثير من الدول العربية والغربية، لكن الفرق بين ملتقى وآخر هو الأهداف التي يرمي إليها فهو غالبا ما يحدد مستقبل وعمر هذه الفعاليات.
فعندما تكون لهذه الملتقيات منذ تأسيسها برامج محددة ومقاصد واضحة المعالم لخدمة الفن والمجتمع ومنهما الوطن، فإنها تتحول إلى قوة جاذبة وبوابة من بوابات المعرفة. وهذا ما لمسته جليا من خلال فعاليات ملتقى متحف بيت الغشام الدولي للفنون بسلطنة عمان. هذا الملتقى الذي ارتبط بالمشروع الثقافي والحضاري الذي تحتضنه محافظة جنوب الباطنة وتحديدا منطقة وادي المعاول وهو إنشاء “متحف بيت الغشام” ونظرا لعلاقة المكان “المتحف” بتاريخ هذه المنطقة فان مؤسسة بيت الغشام للصحافة والنشر والترجمة والإعلان تهدف إلى استغلاله وتوظيفه ليستوطن الفن والثقافة والحضارة قلب البادية.

“متحف بيت الغشام تاريخ الأجداد ومستقبل الأبناء” : هو بمثابة بيت أثري قديم يعود تاريخ تشييده إلى ما بين 200و300 سنة يعمل على ترميمه منذ سنوات ليكون مكسبا حضاريا وثقافيا لهذا الوطن، يتكون أساسا من مدخل رئيسي، مجلس، دورين، كما يظم مربطا للخيل ومصلى وبئر ماء ومخازن للمئونة. وبعد عمليات الترميم التي اعتمدت تقريبا مواد وخامات ملائمة لطبيعته المعمارية كالحجارة الجبلية والصاروج والجص، والطين وأخشاب الكندل والدعون في أعمال التسقيف، فقد أضيف اليه بعض المرافق الإضافية الحيوية لتؤهله لاستقبال الزوار كما يصبح بإمكانه احتضان كافة المناسبات والفعاليات المختلفة، والنشاطات اليومية كالمسرح والمكتبة. وأضيفت أيضا فضاءات وممرات ومحلات تجارية ومواقف سيارات وتم زرع أنواع أشجار مختلفة كالنخيل وغيرها لتأثيث وتجميل المكان. الذي سيصبح نقطة وصل بين ماض ثري ومشرف ومستقبل يتوق للانفتاح والمعاصرة.
جاء ملتقى متحف بيت الغشام الدولي للفنون (الملتقى الدولي للفنون التشكيلية) ليكون أحد نشاطات هذا المشروع الثقافي والحضاري الذي يبرز اهتمامه بدعم الفنون التشكيلية وإعطائها المكانة التي تستحق. كما ليساهم هو بدوره في التعريف به وليظهر مكانته التاريخية والأثرية وتطلعاته الثقافية والسياحية.
شارك كما سبق وذكرنا عدد كبير من الفنانين العرب والغرب في هذا الملتقى حيث أثثوا بتواجدهم المتواصل طيلة أيام الملتقى ساحة متحف بيت الغشام، حيث حاول كل منهم خلال الورشة المفتوحة للرسم أن ينتج وفق تجربته الخاصة فاختلفت السبل والمقاصد والمواضيع من فنان لآخر حيث شهدنا تنوعا كبيرا في أساليب الرسم ومشاربه ومرجعياته، وتفاعلا وتواصلا ايجابيا بين مختلف الفنانين المشاركين.

*موسى عمر: (سلطنة عمان) :
تميزت أعمال الفنان موسى عمر كالعادة بثراء كبير على مستوى بحوثه في الرموز والعلامات التراثية كما الخامات والتراكيب الغير مألوفة للشكل العام والمتعارف عليه للوحة الكلاسيكية، إضافة إلى نزوعه أكثر في أعماله الجديدة إلى اعتماد مساحات لونية أحادية لم يكن يعتمدها في السابق، خرج تدريجيا إلى مناطق جديدة وخطاب بصري متجدد وحمال أوجه. اعتمد أساليب التجميع والتركيب والمعالجة الخطية بخيوط المادة من ثمة المعالجة اللونية لها. أعماله نتاج بحوث طويلة وانفتاح وقيام على تركيبة من العناصر المتداخلة مع مكونات المحيط والبيئة السوسيوثقافية التي تعيش بين أحضانها وهذا ما يعطي تجربته خصوصية أكثر.

*فاطمة لوتاه: (الإمارات):
كانت أعمال الفنانة فاطمة لوتاه متميزة بطابعها التجريدي وتكويناتها المختزلة التي تحاول التحكم في الفضاء التصويري دون السقوط في إغراقه بالرموز والعلامات بل لاحظنا ذلك النزوع نحو الصفاء كرد فعل عن تلك الاسئلة الوجودية التي تقلق الكائن وتستبطن مخاوفه وتطلعاته. فتحكمت الفنانة بحكم تجربتها الكبيرة في جغرافيا وحدود اللوحات التي تجاوزت من خلالها الأفق الضيقة نحو أخرى أرحب وأوسع ولعلّ اللون الأزرق الذي استعملته في أعمالها قد يشحن أكثر ذلك البعد الرمزي الذي يؤسس لقيم ومعارف جمالية ذات خطاب مجازي لا تستهويه الخطابات المباشرة.

*حسين عبيد: (سلطنة عمان):
عالج الفنان حسين عبيد كعادته فضاءه التصويري بكثير من الحساسية والشفافية التي تعطي لأعماله الفنية ذلك الطابع الشعري المتأتي من تلك الزخارف والخربشات الناجمة عن استخدامه الدائم لمهارة الخيال في إبداعها، باعتباره كائنا شديد الحساسية تجاه ما يحيط به. اعتمد تقنياته الخاصة كالحفر في جسد العجينة المادية على سطح اللوحة من ثمة معالجتها اللونية المتدرجة من الألوان الترابية نحو البني، جدار تصويري متماسك التركيب والبناء في لحظات ارتقاء صوفي يراقب من خلالها الفنان ما ستؤول إليه هذه الإرهاصات إلى حين وصول مرحلة الارتخاء، آنذاك تتراءى له اللوحة في تمام شكلها النهائي الذي لا يكون حاضرا في مخيلته قبل انتهائه وإنما هو وليد اللحظة الإبداعية.

*محمد أشكاني: (الكويت):

تميزت أعمال الفنان محمد اشكاني ببعدها التركيبي حيث كونت أربع لوحات متصلة عمله الفني في كليته، الذي اختار الانطلاق من المركز والإشعاع بتركيبته الخطية واللونية نحو الأطراف، قوة خطية ولونية كبيرة شغلت مركز الفضاء التصويري وأثثت فضاءه وتلاشت شيئا فشيئا كلما لوّحنا ببصرنا يمنة ويسرة، فوق وتحت، لعبة بصرية جمالية واختيار ينم ربما عن تأمل عميق وعزلة مع الذات والكون الداخلي مضمنة بعمق في الأثر الفني بطاقة تجريدية كبيرة استفادة من الأبعاد التقنية والتجريب والاتجاهات التي تجمد البويطيقا الشكلية نحو الترميز الدلالي.

*محمد العتيبي: (السودان):
اختار الفنان السوداني محمد العتيبي أن يبني لوحاته بألوان وشخوص ورموز من بيئته المحلية حيث وظّف تقريبا في لوحته الأولى كل الألوان،حيث ازدانت بها ملابس النسوة أثناء قيامهن بأحد مهامهن اليومية وبقية عناصر وفضاء اللوحة، في حين عمد في عمله الثاني على ثنائية الأبيض والأسود مع تدرجات الرمادي المختلفة مع المحافظة على عناصر من بيئته المحلية كالجمال والنخيل والشخوص بثيابها الخاص. تغرق اعمال العتيبي في الرمزية المحلية وهذا لا ينفي انفتاحها الجمالي والتقني، تجربة منبثقة عن رؤية داخلية تتأمل الجذور العميقة للهوية الذاتية والخصوصية الثقافية والاجتماعية والبيئية ولكنها تسافر أيضا إلى جميع البيئات للتعبير عن قضايا الإنسان في كليته.

*أنور سونيا: (سلطنة عمان):
جمعت أعمال الفنان أنور سونيا بين جمالية التكوين والتكنيك العالي من خلال حسن التعامل والتحكم في الألوان بضربات صغيرة متجاورة كالموزاييك تتآلف وتتجاور لتؤلف تلك المشهدية النسائية المحلية. ألوان متنوعة تظهر لنا من تحت شفافية الأبيض والأزرق التي يتلاعب بها بتقنية متميزة، بناء دائري، أفقي، وعمودي يسرح بعين المشاهد داخل عوالم انور سونيا الخيالية المبدعة.

*بهاء الدين: (ألمانيا):
تخضع أعمال الفنان بهاء الدين إلى منظومة عمل جمالية تعتمد المرحلية والتدرج في الربط بين الشكل واللون، حركة منسجمة نابعة من إشكالات تصويرية لها أسسها الثقافية والمعرفية والجمالية والفلسفية، حيث يختمر الحوار البصري الجمالي والجدل الدينامي ويفيض رواء الدلالة من خلال تعايش الأديان والأفكار وتعلو قيمة الإنسان وهذا ما ينمي ديناميكية الأثر الفني ويرتقي بالذائقة الجمالية والفنية للمتلقين.

*إدريس الهوتي: (سلطنة عمان):
استقى إدريس الهوتي موضوع لوحاته من خصائص العمارة العمانية القديمة، فجاء تكوينه معتمدا على خطوط بناء عمودية وأفقية، قباب وزوايا حادة، كما إستدعاء بعض عناصرها كالنوافذ وبعض زخارفها الغنائية، في تداخل محكم التكوين معتمدا على الأبيض والأسود والرمادي كألوان أساسية إضافة إلى اللون الأزرق بتدريجاته المختلفة مع إدراج بعض الألوان الترابية بخفة. أعمال الفنان ادريس الهوتي تعبث جماليا بالانموذج السائد(العمارة) وهدم صورتها المعتادة لاستغلال ابرز خصائصها الجمالية والدلالية لإنتاج أثره الفني فهو بذلك ينتج وفق تحويله المتوارث إلى منظومة قيمية وجمالية متجددة.

*محمد المهدي: (البحرين)
عالج الفنان محمد المهدي عدة إشكاليات راهنة في لوحاته الفنية بكثير من اللعب فحظرت استعارات من الواقع كالدبابة والوجوه الادمية والغليون …أيضا حظرت ألوانه كما عبث طفولي تلقائي غير محكم، فجمالية الأثر الفني لديه لا تكمن في طريقة وضع الأشكال والألوان بل إنها خارجة عن نطاق التناسق المرفولوجي والشكلي حيث تكمن فكرة العمل في تحويل قراءة النص البصري إلى نص ثقافي وجودي أكثر تعلقا بالكائن ومشاغله بمعالجة نوعا ما هزلية عبثية.

*فخرتاج الاسماعيلية: (سلطنة عمان)
تحوّل مفهوم الجمال في أعمال الفنانة إلى التعبير عن الفكرة من حيث كونها تنطوي على الفعل الفني وتطرحه. حيث تترجم الفنانة أفكارها وأحاسيسها باستخدام اللون لابتكار تمثلات مغايرة عن ما يوجد في الواقع، حيث لا تخلو أعمالها من ذلك الحس الشعري الذي ميّز مسيرتها الفنية مؤخرا والذي يختزل المسافة بين الفن والحياة وهذا النوع الحدسي لا يهدف سوى لإدراك المعنى.

*فهد عبد الرحمن: (سلطنة عمان)
يعتبر اللون في أعمال الفنان فهد عبد الرحمن لغة تواصلية تحتفي بالمعنى والتركيب وتشتغل في إطار نسق تفاعلي بين الفنان/الباث، والمتلقي/المتقبل، حيث يحّمل الفنان ألوانه قيما جمالية ورموزا دلالية لمخاطبة لاوعي المتلقي وفتح أفاقه على عالم الدلالة الشاسع من خلال حسن اختيار تجاور الألوان وتباعدها، وعلاقاتها وتراكماتها لإخراجها في صورتها النهائية مستفزة للذائقة الجمالية.

*أحمد صقر: (مصر)
يستدعي الفنان أحمد صقر في أعماله ذلك الجانب الروحي في الفن من خلال رموزه وعلاماته التراثية بالأساس والتي يختزل من خلال التعامل معها الألوان في لون أزرق في أغلب الأحيان. يخلق الفنان بتركيباته المسكونة فقط بماهو جوهري تزاوجا بين الهندسي والغنائي بين ماهو روحي و ماهو واقعي، يختزل بذكاء بالغ مكونات أثره الفني إلى الأكثر دلالة رغم انه يؤثث أغلب مساحاته التصويرية، إلا انه يحافظ دائما على صفائها ومساحات الامتداد فيها.

*زولتان لوديفيج: (هنجاريا)
جاءت أعمال التشكيلي زولتان نتاج تجربة خاصة ومتفردة مع المادة، فاختلفت تركيباته التي تبدو أقرب إلى ماهو غرائبي من حيث الشكل واللون والخامات، فوظف أشكالا مركبة واتبع الاتزان بين المساحات المملوءة والفارغة، كما خلق حركات إيهامية يصعب معها الفصل بين الموضوع والخلفية كما يفعل السرياليون عادة.

*لودميلا بايتسيفا: (روسيا)
تعتمد الفنانة لودميلا أساسا على تقنية الكولاج والتركيب بين النص والصورة، فيتكون عالم اللوحة لديها أساسا من قصاصات أوراق صور لزخارف ومعمار وتراث، كما نصوص مكتوبة بلغات وخطوط مختلفة تؤثث بها سطوحها التصويرية في مرحلة أولى من ثمة تواصل الاشتغال عليها كخلفية لرسم نوافذ وأبواب مع الاعتماد على توجه لوني ترابي يتماشى وطبيعة الموضوع المرسوم. هي تعيد صياغة النموذج وتكييفه وفق أفق انتظار جديد يتماشى وجغرافية المفاهيم التشكيلية المشتغلة عليها، أعمالها بمثابة مزج بين ثقافات وحقبات تاريخية مختلفة وانفتاح دائم على إستغلال كل ما يحيط بثقافة الإنسان من عناصر متاحة أينما وجد.

*زين العابدين الأمين: (المغرب)
تمكن الفنان زين العابدين الأمين من خلق مشهدية تصويرية ثرية بالمضامين والدلالات المبثوثة بقوة لونية وخطية على سطح لوحاته التي وظّف من خلالها حركية الخط بتعرجاته وميلانه، بكثافته حينا وخفته حينا أخر. كما كان اختياره للألوان وبقية عناصر اللوحة من خطوط عمودية ودوائر متماشيا مع الجو العالم للأثر الفني، الذي كان النص الغير مقروء بمثابة اللغز الذي وجب فك طلاسمه وقراءة معانيه.

*دلال صماري: (تونس)
جاءت أعمالها كالعادة بحثا في مكمنات الخامات البيئية المحلية وكنه الشيء وجوهره، كما استعملت نصوصا قديمة تعود إلى دروسها في الأدب والفلسفة منذ حوالي 15 سنة لاستغلال إيحاءاتها واسترجاع ذكرياتها، وحتى استعمالها للخامات الكلاسيكية في الرسم واصلت من خلاله بحثها في جمالية تزاوج الخامات ونزوعها إلى ذلك العالم الصوفي الذي تعبد من خلاله العزلة وتتوحد مع ذاتها في محاولة إنتاج مختلفة في كل مرة.

واختتم الملتقى كما افتتح بحفاوة كبيرة وتكريم لجميع المشاركين والاستماع إلى آرائهم وتوصياتهم كسبل لتطوير هذا المشروع والرقي والتقدم به نحو الأمام، حيث لم يخف الفنانون المشاركون خلال لقائهم الاخير بمنظمي هذا المشروع إعجابهم بالفكرة وسعادتهم بحفاوة الاستقبال كما لم يخفوا تفاؤلهم بمشاريع من هذا النوع والتي تعد حافزا للغير للمضي على دربهم.

دلال صماري
تشكيلية وباحثة تونسية

إلى الأعلى