الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / ” ق ق ج ” بين التقعيد والأسلوب

” ق ق ج ” بين التقعيد والأسلوب

قرأ لي أحدهم بعضاً من الأقاصيص القصيرة جداً التي كتبتُ الكثير منها – حسب تصوّراتي المتواضعة لها- عبر حسابي الخاص بالتويتر، فقال لي: ما تكتبهُ من القصص القصيرة جداً متفاوت في درجات الجودة فهو بين الجيد والجيد جداً والممتاز، ولكنّها في معظمها سهلة وبسيطة لكلّ من له أدنى ثقافة وأشياء من اللغة والبلاغة والمعرفة ببعض تقنيات القصّ.
فقلت له: أشكرك على حسن الظن، أما بخصوص البساطة فهو أحبّ أساليبي الكتابية إليّ لأنني أكتب لكلّ الناس وليس لنخبة معينة، وكأنني أدّعي ما قاله الشاعر الزهاوي عن الشعر وقد سحبتهُ – هنا – إلى القصّ :
لم يكنْ مبدأ البساطةِ في (القصِّ) مُعلنا

أنا مِـنْ بَعـدِ أعْصُرٍ أنا أعـلـنـتُـهُ أنــا

نعم قد تأتي بعض النصوص لنخبة معينة وبالخصوص إذا كانت تتكئ في تكوينها النصي على قراءات مُعينة أو كُتب معينة أو نصوص أدبية لم تُقرأ إلا من قبل البعض، ولكنني أسألك هل تقييمك هذا مبنيّ على إحاطة بدقائق أمور القصة وما كتبَه بعض النقّاد الأجانب والعرب عن هذا اللون الفني الذي بدأ في أخذ مكانهِ بين الأجناس الأدبية في العقود الأخيرة؟.. أم إنه مجرد تخرّصٍ غير مبني على قواعد رصينة من النقد البنّاء ؟.
فقال: هذا مجرّد تصوّر أوّلي لأنني لابدّ أن أقرأ الكثير من هذه القصص القصيرة جداً أو هذه الومضات السردية لأصل إلى عامل مشترك بينها أستطيع من خلاله الوصول إلى ما يمكن أن نسيمه بـ التقعيدات التي تُلامس جوهر هذا النوع من النصوص الأدبية، لأنّ الظاهر من هذه النصوص لا يكفي أن يكوّن قواعد لها، كـ:
- القِصَرِ.
- انطلاق النص – أي بدايته – من أحد الأبطال.
- أو انطلاق النص من مجموعة من الأبطال.
- أو انطلاق النص من مكان ما.
- أو انطلاق النص من زمن ما.
- أو انطلاق النص من زمنٍ ومكان في آنٍ واحد.
- أو انطلاق النص من حالة زمكانية وشخص ما أو شخوص.
- أو انطلاق النص من حدثٍ ما فقط.
وتخلل هذه الإنطلاقة أياً كان نوعها عقدة – بدرجةٍ ما تتناسب قِصر هذا النص القصصي -، ثم ورود خاتمة لهذا النص القصير.
وقد تحدث العديد من النقاد عن هذه الحالات التي كوّنت هذا النصّ القصصي وقالوا: إن تواجد هذه العناصر تختلف من قصة إلى أخرى حسب اجتهاد القاص أو حسب الرؤية التي يحملها من خلال هذا النص.
فقلت له: ما ذكرته لا يختلف أبداً عمّا ذكره النقاد حول القصة القصيرة أو الطويلة أو حتى الرواية مع بعض الاختلافات من حيث الطول والقِصر أو من حيث الحبكة ووجود عناصر أخرى كالحوار والمونولوج الداخلي، وحديث الراوي مع القارئ وما إلى ذلك، فبماذا تفرّق بين القصة القصيرة جداً والقصة القصيرة والرواية؟.
فقال: القصة القصيرة جداً أجلى ما فيها من الميزات هو: (القِصَر) وهنا مربط الفرس – كما يقولون-، وهذا يعتبر من التحديات التي يجب على القاص أن يتعدّاها، لأنها من الأساس تعتبر من الفنون النصية التي تجاري عصر السرعة الذي تحدث عنه الكثير من الكتّاب وأهمهم الكاتب الأميركي (ألفين توفلر) في كتابيه: “صدمة المستقبل” و ” الموجة الثالثة”، وما ذكره بعض العلماء العرب كالدكتور مصطفى محمود في العديد من حلقات برنامجه التلفزيوني الشهير “العلم والإيمان”، وكذلك ما أورده الدكتور خالص جلبي في بعض مقالاته.
وعامل آخر يُميّز هذه القصة القصيرة جداً هو: (التكثيف اللغوي)..أوما سمي في البلاغة العربية بالإيجاز، وكأن القاص هنا يطبق المقولة العربية المشهورة: ” خير الكلام ما قلّ ودلّ “، وهي على أي حال قصةٌ حيكت بلغة مُكثّفة تختصر في ظلال معانيها العديد من التأويلات والمعاني المشتركة والخيال المجنّح، إنها تشكّل صورة واحدة ظاهرية قد تشير إليها الكلمات والمعاني في أوّل قراءة، ولكنك قد تعدد الأمثلة والتطبيقات الخارجية بما يمكن أن نسميه انطباق الصورة بالتمثيل أو بالمثال، وعندما نقول المثال هنا يعني تعدد الموضوعات المتقاربة في مسرح الواقع، بينما يوحد هذه الأمثلة صورة تعبيرة واحدة استطاع القاص تكوينها بما لا يزيد عن سطرين من الكلمات والحروف.
فقلت: صدقتَ..(القِصر)، و(التكثيف اللغوي) هما من أجلَى الميزات الخارجية لهذا اللون من الفنون النصية، ولكن ماذا تقول عن النقاد الذين يتفلسفون في الحديث عن هذا اللون من النصوص، ويحاولون وضع قواعد أو معايير ثابتة يجب الالتزام بها حتى يصبح هذا اللون الفني مقبولاً عندهم؟.
فقال: أعتقد أنني عندما قرأت العديد من قصصك أوقعتني في ألوان متعددة من الدهشة، وهذا يكفي لإيصالي إلى حد الاعجاب بما تكتب، وبالتالي فإن المعايير التي تحدث عنها أولئك النقاد لا تعنيني بقدر ما يعنيني ما توصلتَ إليهِ أنتَ من القواعد الخاصة بكَ في كتابة هذا اللون القصصي القصير، وكذلك المعايير التي توصلت إليها أنت لتجعل من القصص القصيرة جداً مدهشة إلى هذا الحد..صِدّقني إن ما كتبَهُ النقاد مع احترامي لكل الشهادات التي يحملونها لم يكتبوا هذا النقد أو هذه التقعيدات أو هذه المعايير إلا من خلال قراءة لنصوص كُتّاب القصة أنفسهم، أي أن النصوص القصصية القصيرة سبقتهم وقد اغترفوا منها حد الارتواء وبالتالي استطاعوا كتابة قواعدهم ومعاييرهم، وعليه فإن كتاب القصة الجدد عليهم أن ينطلقوا من النص وليس من القاعدة، لأن النص هو السابق دائماً، وهؤلاء إنما أتوا لممارسة قدراتهم في القراءة ليس إلا.
فقلت له: صدقت، وأنا شخصياً أفضّل أن يكتب الكاتب على سجيتهِ هو لا على سجية النقّاد، لأنه إن رضخ للنّقاد سيضع أمام عينيه بعض الحواجز والعقبات والعراقيل، فأنا أستطيع أن أمشي بقدمَيَ أنا وليس بقدمَي غيري أليس كذلك؟.
فقال: هو كذلك.. وأنا أضيف على قولك هذا إمكانية القارئ أن يقرأ الكثير من القصص،ولكنه في مكنون نفسه لن يُعجب إلابقليلٍ منها، وهذا شيء طبيعي لاختلاف الثقافات واختلاف الفهم من شخص لآخر، ولكن عليه أن لا يستصغرأحداً، وأن يتحلّى بالتروّي في حكمه على الآخرين، وأن يفصل رأيه في النص عن رأيه في كاتب النص، وأن يحدد بنظرته لهذه النصوص تلك القواعد وتلك المعايير الخاصة بكل قاص على حِدَة، فكلّ منهم أسلوبه ولكل منهم توجهاته ولكل منهم موضوعاته التي يُعرف بها، ولا نستطيع أن نحدد هذه الجوانب إلا بقراءة نصوص متعددة للكاتب لنعرف الملامح العامة لأسلوبه الكتابي العام، ومن خلاله نعرف العديد من حدود كتاباته وموضوعاته.
فقلت له: صدقت، وأنت بكلامك هذا تذكرني بما قاله الكاتب والناقد الفرنسي (بوفون): ” إن الأفكار والحوادث والمكتشفات شركة بين الناس، ولكن الأسلوب من الرجل نفسه”، وهو قريبٌ مما قاله قبله الجاحظ: ” المعاني مَطرُوحةٌ في الطّريقِ يعرفها العَجَميُّ والعَرَبيُّ”، و” الاسلوب هو الرجل “، عبارة – كما قال أحد الكتّاب – تعدّ على صغرها الوصف الأصدق والأدق للأسلوب الفني، فقد استطاعت أن تختصر صفحات طويلة كانت من الممكن ان تكتب لنفهم بدقة ما هو الإسلوب ؟.
والاسلوب كما يرى “بوفون” هو الكاتب نفسه، هو شخصيته الحقيقية إلى أبعد ما تكون وعمقه الإنسانى والوجدانى يخرج إلى الورق معلناً عن نفسة مُبدياً تفرده من دون قصد الكاتب، بل وقد ينساب من قلمه الإسلوب دون أن يشغل بالاً لطبيعة الفكرة التى يتناولها “.
وبالتالي أستطيع أن أقول أيضاً ومن خلال تجربتي القصيرة في كتابة هذا النص القصصي القصير جداً أن الاجتهادات في تقييم هذا النص القصصي القصير أو نقده متباينة وأحياناً متناقضة وأفضل أن يُترك القاص على سجيته ليكوّن أسلوبه الخاص وشيئاً فشيئاً سيُعرف به، كما أفضّل أن يركّز النقاد على دراسة هذا اللون الأدبي من خلال تجارب الكتّاب وتعدد أساليبهم وتباينها من قاص إلى آخر مُحاولين الوقوف على أيّ قواعد أو معايير قد تصنع قانوناً ما لهذا اللون الأدبي.

عقيل بن ناجي المسكين
aqeelmiskeen@yahoo.com

إلى الأعلى