الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / فن الرثاء في الشعر العماني (1)

فن الرثاء في الشعر العماني (1)

بلغ اهتمام الشعراء العمانيين بفن الرثاء مبلغا كبيرا، وغلب على ديوان الشعر العماني حتى أصبح أصلا ينبغي دراسته، وبيان أثره على الحياة الأدبية، وقد أفاض الشعراء في هذا الفن بما انطبعوا عليه من ثقافة دينية وعلمية، وبما يوقنون به من شأن الدنيا والحياة والموت.
وقد تنوعت اتجاهات الشعراء فيه، فتضمنت رثاء السلاطين، والأئمة، والعلماء، والأدباء. وشارك الشعراء بهذا الفن في رثاء زعماء الوطن العربي وأدبائه على نحو مراثي (أبو مسلم الرواحي) لعالم الأئمة الجزائري (محمد بن يوسف أطفيش) وغيره، وعلى نحو رثاء (ابن شيخان) لزعيم الوطنية (مصطفى كامل)، ورثاء (هلال بن بدر) لـ(حافظ إبراهيم ) و لـ( أحمد شوقي ).
وقد غلب على مراثيهم طابع الحزن، واستفاضة الألم، وظهر فيها الميل إلى تمجيد البطولات والثناء على المواقف، وكان الشعراء حريصين على ذكر مآثر المتوفى من شجاعة وكرم ومكارم أخلاق، وغير ذلك من الصفات الإنسانية التي جعلت منه قائدا أو زعيما، ويخلصون من ذلك إلى الدعوة للتأبين به في سيرته وأخلاقه.
وبالتالي فإن قصيدة الرثاء في الشعر العماني امتازت بدقة التفكير، وببعد الخيال، والتأمل في حقائق الكون وسنن الوجود، هذا إلى جانب إظهار حرقة الألم ومرارة اللوعة، والتعبير عن أثر الفجيعة في نفوس الناس، وأن موت الزعيم أو العالم أو الأديب إنما هو مصيبة عامة وخطب جسيم، وتضمّن الرثاء ذكر معاني الفضل وما اتصف به الميت من الصفات العقلية وما تركه من أثر فكري، وما غرسه من مبادئ ومثل.
وفيما يتعلق باتجاهات الشعراء فسنستعرض بعض الأمثلة بداية في الاتجاه الأول، ألا وهو رثاء السلاطين والملوك. حيث نجد أن من الحكام الذين أظهروا العدل في عمان السيد (حمد بن سعيد) وقد كان محبا لأهل العلم والأدب، بطلاً عظيم النفس كبير الهمة، قام بالأمر كنائب عن والده الإمام سعيد ابن الإمام أحمد وقد توفي السيد حمد في عهد والده عام 1206 هـ/1791م، فرثاه شعراء ذلك العصر بمراثٍ كثيرة، منهم القاضي الفصيح سالم بن محمد الدرمكي الذي قيل بأنه توفى في عام 1224هـ (شقائق النعمان، 1/116، 122) في قصيدة رائية مطلعها:
لما قضى حمد لم يبكه البشر حتى بكاه الحصى والنخل والشجر
كما رثاه في قصيدة ميمية أخرى مطلعها:
جبل الجبال الراسيات تهدما فأسكب عليه من مدامعك الدما
ورثاه الشيخ سليمان بن أحمد الفضلي بقصيدة مطلعها:
سطت الهموم وصالت الأتراح ونأى السرور وشطت الأفراح
فالأرض حالكة الأديم فما بها شمس ولا قمـر ولا مصباح
ورثاه كذلك القاضي عبدالرحمن البطاشي بقصيدة مطلعها :
أرى أم تمزج القند بالصبر فكم در دبيس جلّ قل له صبري
كما يوجد لدينا أيضا المراثي التي كتبت في السيد (سعيد بن سلطان) أحد الحكام البارزين، حيث اعتبرت دولته نقطة تحول كبيرة في التاريخ العماني، فما إن تسامع الشعراء بوفاته وهو في طريقه من (عمان) إلى ( زنجبار) حتى فاضت مآقيهم بكاء عليه وإن كان أشدهم حرقه في ذلك ابن رزيق (حميد بن محمد بن رزيق ابن بخيت) الذي قال عنه في إحدى مراثيه:
أحيانا كل المصائب موته فلنا قلوب ما لهن قرار
فلتبكه الكتاب والكتب التي عنه روت أخبارها الأخبار
وعليه فلتذرف المحابر أدمعا ألوانها فــضية ونضار
وكانت لابن رزيق مراثٍ كثيرة في سعيد بن سلطان، وأخيه سالم فاضت كلها أسى ولوعة على سلاطين (آل سعيد)، كان فيها (ابن رزيق) صادقا مع وجدانه، لأنه عاش هو وأبوه وجده في كنفهم مما جعله يعبر بصدق عن وجع فقدهم (الفتح المبين، ص: 388).
ونمضي مع الرثاء حتى عهد السيد فيصل بن تركي الذي كان محباً للأدب والعلماء مقرباً لهم فنرى العلماء والشعراء وأهل الفكر دائماً في مجلسه ويسافرون معه إذا سافر وقد كان يطلب منهم قول الشعر ويحب أن يسمع منهم ويسألهم فيه. وقد جمع خصالا كثيرة من الحلم والجود والعلم مع شدة البأس وقوة العزيمة فنجد الشعراء وخاصة (المجيزي) قد رثاه بقصائد طوال ، منها :
أأسلم وحادي البين جدت ركائبه وفاضت على دوح المنايا نوادبه
وبعد مقدمة حزينة يذكر (المجيزي) ما كان يتمتع به فيصل بن تركي من فضائل قائلا:
فبالأمس قد كان الملك ” فيصل ” بعرش سماء المجد تزهو كواكب
أفيصل من للحلم بعدك والسخ ومن يجير الملهوف إن يعف غاربه
ومن عيون الرثاء مراثي (عبدالله الخليلي) التي كانت في رثاء عمه الإمام محمد بن عبد الله الخليلي الذي توفي عام 1954م، فيُذكر أنه رثاه في قصيدتين هما : الرثاء الباكي والموقف الرهيب، فيقول في الأخيرة:
سلوا نكبات الدهر هل بتن ليلة =على ترة إلا وأصبحن طلقّا
أعزريل ما أبقيت بعد محمد=لموهبة تبقى وشعواء تتقى
هو الدهر لايبقي مقيماً على الوفا=ولا غادرا بحتًا ولا متملقا
كما عبّر في ” همزية ” طويلة عن منزلة الإمام الخليلي في نفوس العمانيين وهي من المراثي الطويلة التي يظهر فيها الشعور العميق بالحزن والعاطفة الصادقة فيه:
قد فقدناك يا محمد حـتى ذاب من حر فقدك الصفواء
رب شخص يموت من موته الدهر وتهوي لفــقده الجوزاء

وفاء الشامسية

إلى الأعلى