الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ما بعد الغيث.. مشاهدات وملاحظات

ما بعد الغيث.. مشاهدات وملاحظات

سعود بن علي الحارثي

”.. استقبلت أودية عمان في مختلف المحافظات آلاف الأسر خلال الإجازات الأسبوعية التي كانت مواتية ومناسبة لقضاء أفضل الأوقات بقرب المياه المتدفقة النقية والاستمتاع بمناظر الواحات الخضراء والطبيعة البكر التي أعاد المطر رسم ملامحها وجدد ألوانها وقدمها في مشهد رائع عبر عن الجمال وسحر الطبيعة في أبهى صورها هذا إلى جانب اعتدال الطقس،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استكمالا لمقال الأسبوع الماضي المنشور تحت عنون “الأمطار.. اختيار حقيقي يكشف عن مدى كفاءة التخطيط”، ونظرا إلى أن العديد من المشاهدات والملاحظات قد تكونت بعد نشره، أي في مرحلة ما بعد سقوط الأمطار، وبعضها جاء مكملا أو معززا أو مؤكدا على ما تضمنه المقال المشار إليه مما استدعى إلحاقه بمقال آخر مكمل له. لقد عاشت المحافظات الشمالية للسلطنة أياما استثنائية حفلت بالغيث المنهمر من السماء عبر أكثر من حالة ماطرة خصبت الأرض وامتلأت السدود بالمياه وارتفعت مناسيب الأفلاج والآبار والعيون وتدفقت الأودية بماء المطر، وغمرت السعادة والبهجة النفوس وابتسمت الجبال والحقول والواحات والصحارى بألوان الفرح التي انعكست إيجابا على سلوك الإنسان،وأعادت المياه المنهمرة من السحب الركامية الحياة إلى الأرض بعد جفاف ويباس، واستقبلت أودية عمان في مختلف المحافظات آلاف الأسر خلال الإجازات الأسبوعية التي كانت مواتية ومناسبة لقضاء أفضل الأوقات بقرب المياه المتدفقة النقية والاستمتاع بمناظر الواحات الخضراء والطبيعة البكر التي أعاد المطر رسم ملامحها وجدد ألوانها وقدمها في مشهد رائع عبر عن الجمال وسحر الطبيعة في أبهى صورها هذا إلى جانب اعتدال الطقس،ومن خلال عدد من الجولات والزيارات السياحية إلى بعض المحافظات والولايات والمواقع الجميلة،ومن خلال مشاهداتي المتكررة ومتابعتي واستماعي لوسائل الإعلام واتصالات المواطنين واللقاءات بالمسئولين أثناء وما بعد فترة الأمطار يمكن تلخيص تلك المشاهدات والملاحظات والرؤى في الآتي:
• إن جميع الأودية وبمختلف درجاتها ومستوياتها السياحية وحجم استقطابها للسياح وبما تحتويه من سمات ومميزات خلابة وباعتبارها خاصة أيام الأمطار متنفسا طبيعيا، هي خالية تماما من أي جهد حكومي فيما يتعلق بتوفير وتقديم الخدمات وتوظيف واستثمار المقومات حتى في أبسط الجوانب وأقلها مثل: مخارج ومداخل صالحة للسيارات تصل هذه الأودية بالشوارع الرئيسية المارة بقربها، مواقف مناسبة لوقوف السيارات،منتزهات واستراحات وأشجار مزروعة على ضفافها يستظل بها الزائر من حر الشمس، لوحات إرشادية واضحة ومريحة، استصلاح وتهيئة أماكن أكثر راحة للجلوس، وهو ما أدى إلى تكدس السيارات وإلى اضطراب وفوضى في حركة السير بالقرب من هذه الأودية وإلى إحباط وإرهاق كل من توجه إلى هذه المواقع استجماما وتنزها… فقد يرى الزائر موقعا جميلا شجرة وارفة الظلال وبقربها المياه تجري ولكن لا مجال للوصول إليها عن طريق السيارة، أو قد يسير بضعة كيلومترات ويرى المياه تجري ويرغب بالتوقف والاستراحة بقرب المياه ولكنه لا يجد الموقف المناسب ولا يحصل على مدخل للوادي ولا حتى مظلة أو جملة أشجار تحميه من حر الشمس،وهو سبب رئيسي للازدحام وإرباك حركة السير في الشوارع القريبة من الأودية كما أشرت إلى ذلك،ومما يؤسف له أن نروج للسياحة وأن نخصص أموالا كبيرة لهذا الترويج،وأن نطالب المواطن بتشجيع السياحة الداخلية واستبدالها عن السياحة الخارجية، ونحن نفتقر إلى أبسط الخدمات السياحية كالتي تمت الإشارة إليها،فالترويج والتسويق في واد والواقع في واد آخر. ولم نشر إلى دورات المياه والمحل التجاري فما زالا بعد وكما يبدوا في عالم المستقبل البعيد.
• إن الأودية والمواقع السياحية، وبالنظر إلى أنها مواقع عامة من حق جميع المواطنين أن يستفيدوا من مقوماتها السياحية، وأن يستمتعوا بأجوائها الجميلة، ومن منطلق المسئولية التي ينبغي أن نستشعرها ونتحمل تبعاتها جميعا كمواطنين تجاه كل جزء ينتمي إلى هذا الوطن، وحرصا على الظهور بمظهر حضاري في سلوكياتنا وأعمالنا ومساهماتنا فعلينا جميعا واجب المحافظة على نظافة وجمال هذه المواقع، والحرص على إعادة المكان بعد مغادرته كما كان عليه قبل الزيارة نظافة وجمالا، وأن نهيئه لاستضافة آخرين. أؤكد على ذلك بعد مشاهداتي المتكررة للأكياس المتناثرة ومخلفات الأكل والأوعية البلاستيكية وغيرها مما يتركها من يغادر المكان على حالها دون مبالاة أو حرص على نظافة المكان.، وبعض تلك الصور والمشاهد تم تصويرها ونشرها عبر وسائل التواصل استكارا واحتجاجا على تلك سلوكيات مرفوضة.
• من خلال المشاهدات المتكونة من زياراتي لعدد من القرى والمواقع السياحية والمنتزهات الطبيعية، خلو بعض الشوارع الرئيسية والفرعية من لوحات إرشادية توجه الزائر والسائح والباحث عن هذه الأماكن، وهو ما يضطرهم للوقوف أكثر من مرة مستوضحين مستفسرين عن المدخل الرئيسي للقرية أو الموقع، أو أن يضلوا طريقهم عن المكان المقصود. هذا جانب ومن جانب آخر فإن الطريق الواحد الذي يوصل السائر فيه أحيانا إلى عدد من الولايات والقرى والأودية والمواقع الطبيعية الجميلة تقتصر اللوحات الإرشادية التي ثبتت على جانبيه على بعضها وتتجاهل بعضها الآخر، وهو ما يوقع السائح في أخطاء وتوهان لن يحدثا له فيما لو تضمنت اللوحات الإرشادية جميع القرى والمواقع التي يوصل الشارع إليها.
• إن بعض المنازل التي تضررت من جراء سقوط الأمطار وجريان الأودية والشعاب أو تأثرت بعض مكوناتها لأنها واقعة في مجرى واد أو شعبة، أو لأنهما أي الوادي والشعبة لم يجدا طريقا يستوعب مياههما الغزيرة إلى المصب المعهود، والشوارع التي اختفت تحت البرك المائية وتسببت في الحوادث والارباك والازدحام وتشكل خطرا حقيقيا أثناء نزول المطر،والمؤسسات والأسواق التي حوصرت بمياه الأمطار، مشاهد ينبغي أن تختفي،ومن المهم أن نتعلم منها دروسا عميقة وتجارب وخبرات غنية،على ضوئها يتطلب الأمر إعادة تقييم وتخطيط بعض المناطق،وتطوير وإصلاح واقع التخطيط بشكل عام،وإجراء التعديلات الفنية على بعض الشوارع وتعويض المواطنين المتضررين أراض ومنازل في مواقع أخرى بعيدة عن مجاري الأودية والشعاب وتجنيبهم حالة الخوف التي يعيشونها خلال الأمطار الغزيرة والمواسم الخصبة التي تمر بها البلاد،وحماية بعض المناطق السكنية من الأودية والشعاب من خلال إقامة المزيد من السدود وتحويل مجاري الشعاب التي بالإمكان تحويلها إلى مجاري بعيدة عن المساكن.
• إن العديد من الشوارع الرئيسية التي تربط محافظات وولايات السلطنة،وتشكل أهمية اجتماعية واقتصادية وسياحية كشارع الباطنة على سبيل المثال،وشارع الرستاق – عبري برغم أنه من الشوارع الحديثة،تتوقف فيها حركة السير وتتعطل مصالح الناس هذا فضلا عن الارهاق والتعب جراء الوقوف والانتظار لساعات بسبب جريان الأودية،وخلو بعض أجزائها من الجسور العلوية في المجاري على غرار شارع مسقط الداخلية على سبيل المثال الذي تنساب عبره حركة السير مهما كان تدفق وقوة وغزارة الأودية،ما يتطلب معه الأمر إعادة هيكلة هذه الشوارع وإنشاء جسور علوية في مواقع عبور الأودية تضمن انسيابية الحركة وتقي مستخدمي هذه الطرقات الانتظار والتعطيل.
• إن غزارة الأمطار وهبوط الأودية لعدة مرات أدت إلى تدفق المياه في مجاريها والتي ستستمر لفترات طويلة حسبما هو معهود “الغيول”، وهي مياه غزيرة وعذبة وتشكل ثروة مهمة في بلد تشح فيه الأمطار والمياه الطبيعية شبه معدومة، ومن المؤسف أن ينتهي المطاف بهذه المياه وفي الكثير من الأودية إلى البحر دون الاستفادة منها، وهو ما يتطلب معه العمل إعداد الدراسات والتفكير بجدية في استحداث وتطوير الآليات والوسائل والطرق التي من شأنها ضمان استغلال واستثمار هذه المياه وتخزينها وتوظيفها في تنمية القطاع الزراعي وسقي المزروعات،وقد يكون ذلك من خلال إقامة السدود الصغيرة والخزانات المحدودة وزيادة الأفلاج الغيلية التي تخصص لتجميع وتخزين هذه الغيول المتدفقة واستصلاح أراضي قريبة منها تروى بهذه المياه ولو لفترات محددة أي خلال مراحل الخصب.
• إن الجهود الكبيرة والتضحيات الواضحة والملموسة التي يبذلها رجال الشرطة والدفاع المدني والأجهزة والمؤسسات الحكومية الأخرى ووسائل الإعلام والهيئة العامة للإرصاد الجوية ومنتديات الطقس ومؤسسات المجتمع المدني والمشاركات التطوعية جميعها تشكل في هذه المواسم والحالات الجوية ملحمة راقية وتقدم صورا ومشاهد مشرفة خلال فترة الأمطار ساهمت وبشكل كبير في تقليل الخسائر وتخفيف الأعباء عن المواطنين المتضررين وقدمت خدمات جليلة للوطن والمجتمع،كل تلك الجهود تشعرنا بالفخر وترفع من معنويات المواطنين وتجعل من العمانيين قدوة يضرب بها المثل في العمل والتفاني وتقديم التضحيات والتعاون والحفاظ على اللحمة الوطنية،فألف شكر لكل هؤلاء الذين أكدوا وبما لا يدع مجالا للشك بأن عمان ومجتمعها بخير،ولا خوف علينا ما دمنا على هذه الدرجة العالية من الوعي. وعلى جميع المسئولين في هذا الوطن والذين يشعرون بأنهم قصروا في أداء واجباتهم وفي القيام بمسئولياتهم أن يستفيدوا من هذه الدروس البليغة والرائعة.

إلى الأعلى