الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / القطبية الثنائية الجديدة بين التحالف الأميركي الروسي وبين الصين!

القطبية الثنائية الجديدة بين التحالف الأميركي الروسي وبين الصين!

د.أحمد القديدي

” يتأمل خبراء الاتحاد الأوروبي اليوم عن طريق المؤتمرات والكتب الصادرة ووسائل الإعلام في هذه الحقائق الطارئة للبحث عن حلول أوروبية لهذه المعضلات الأربعة إيمانا من الأوروبيين بأن لا دولة وحدها قادرة على استنباط الحلول بمعزل عن الصين وعن الاتحاد الأوروبي، وقرأنا هذه الأيام تحليلات لأشهر خبراء أوروبا من اليمين لليسار للوسط فاكتشفنا بأن الجسر الجامع بينها هو الخوف من ثنائية قطبية جديدة تحل محل الثنائية القديمة،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد التحالف الاستراتيجي بين العملاقين الأميركي والروسي منذ توقيع الإتفاق حول الملف النووي الإيراني والتنسيق العسكري والسياسي حول الملف السوري والتوافق الخفي حول توازن الرعب في قضية أوكرانيا والقرم هل يمكن الحديث عن صدام بين القطبين الأميركي والروسي؟ أم إننا بإزاء سوبر عملاق واحد هو العملاق (الأمري- روسي) فالسيدان (كيري) و(لافروف) أنهيا سنة 2016 سباقا خطيرا نحو التصادم ليتفقا على تقاسم العالم بسلام. ولكن واشنطن و موسكو لن تنعما بشهر العسل ما دام العملاق الثالث النائم يفتح عينا بعد عين و يستيقظ كما تكهن به الوزير و المؤرخ الفرنسي (ألن بيريفيت) في كتابه الشهير ( عندما تستيقظ الصين!) وأسعدني الحظ منذ أسابيع أن أتحدث مع وزير الخارجية الصيني السابق وبعده مع سفير الصين في الدوحة لأقول لهما ياليت الصين تستعيد دورها الكبير الذي لعبته لعقد مؤتمر (باندونغ) سنة 1955 الذي أنشأ مجموعة عدم الإنحياز وشارك فيه (جمال عبد الناصر) عن العرب و (بروز تيتو) رئيس يوغسلافيا و (جواهر لال نهرو رئيس الهند) و (سوكارنو) رئيس أندونيسيا برعاية (شوان لاي) زعيم الصين. اليوم نحن في حاجة الى أن تلعب بكين دورها في مساندة حقوق الشعوب المستضعفة و تمنع تقسيم العالم بين قوتين متضامنتين من أجل استمرار النظام العالمي الجائر. و نذكر بأنه مباشرة بعد انهيار جدار برلين في نوفمبر 1989 وانطواء الصفحة الشيوعية من القارة الأوروبية بعد ما فرضته موسكو على مدى سبعين عاما على أوروبا كالطوق المضروب، كان العالم ينتظر كيف ستصير خارطة العالم ؟ ومع تعملق القوة الأميركية العظمى وانفرادها بالقرار والتدخل والمبادرة وحتى الحرب، أدرك الرأي العام الدولي أننا أصبحنا نعيش أحادية القطبية وأن الولايات المتحدة هي التي أنهت التاريخ على رأي مفكرها (فرنسيس فوكوياما) بإقرار الليبرالية واقتصاد السوق بصفة نهائية! ثم نظر المنظرون الأميركان لحلول عصر صدام الحضارات فرشحوا الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية الكنفوشية للنزال مع الغرب و انتهى (صمويل هنتنجتون) إلى أن المصير الإنساني سيتقبل راضيا أو صاغرا هيمنة القوة الغربية لأنها مستقبله ولأنه يطمح إليها ولأنه لا مناص من توحيد العالم إلا تحت بيارقها! ثم على رأي هؤلاء أليس الغرب هو الذي كسب معارك التكنولوجيا الحديثة ؟ أليست أميركا هي التي أنقذت الدنيا من خطرين هددا وجود الإنسان وهما النازية والشيوعية ؟ أليس الغرب هو السباق للعولمة يحطم بها الحدود و ينقل بها الثقافات والناس والبضاعة؟ و لعل الجواب الأصوب عن هذه التساؤلات هو بنعم! و لكن الصعود السريع و المفاجأ للقوة الصينية بدأ يبعث الشكوك في الحقائق المسلم بها و يطرح على الساسة و المراقبين في العالم قضية منزلة الصين الجديدة في لعبة الأمم. كانت الأدبيات السائدة في عصر العولمة مابين 1989 و2001 أي ما بين سقوط جدار برلين و بين اعتداء 11 سبتمبر الإرهابي في قلب نيويورك و واشنطن هي أدبيات التفاؤل بعصر سيكرس مبدأ القرية العالمية الصغيرة الذي ابتكره المفكر/ مارشال ماك لوهان. لكن عصرا جديدا بدأ يشرق نوره( أو بالأحرى تتكاثف ظلماته) منذ 2001 إلى اليوم وهو عصر ما بعد العولمة حيث استيقظت الأمم على نواقيس أخطارأربع أخرى لم تتوقعها على إثر حربي الخليج و تدمير العراق و أفغانستان و إضفاء نعت الخلاقة على الفوضى وهي:
1- ظاهرة الإرهاب الذي يفجر حقائق منسية ويحرك ملفات مهملة.
2- ظاهرة تشابك قضايا المهجرين والبيئة وانتقال الأوبئة على الصعيد العالمي.
3- ظاهرة تدويل الأزمات الإقتصادية والنقدية منذ 2008.
4- ظاهرة تعفن الوضع السياسي والأمني في الشرق الأوسط من خلال تحول العراق و سوريا واليمن وليبيا إلى بؤر للصراعات الطائفية وعدم وفاء إسرائيل بمستحقات خارطة الطريق.
في هذا الواقع الجغراسياسي المتقلب جاء مولد المارد الصيني يحمل خمسة آلاف عام من الحكمة والفلسفة وروح التضحية ولكن العملاق الحضاري والصناعي بقي صغيرا على ساحة الستراتيجيات الدولية و الدفاع عن القانون الدولي.
يتأمل خبراء الاتحاد الأوروبي اليوم عن طريق المؤتمرات والكتب الصادرة ووسائل الإعلام في هذه الحقائق الطارئة للبحث عن حلول أوروبية لهذه المعضلات الأربعة إيمانا من الأوروبيين بأن لا دولة وحدها قادرة على استنباط الحلول بمعزل عن الصين وعن الاتحاد الأوروبي، وقرأنا هذه الأيام تحليلات لأشهر خبراء أوروبا من اليمين لليسار للوسط فاكتشفنا بأن الجسر الجامع بينها هو الخوف من ثنائية قطبية جديدة تحل محل الثنائية القديمة، الخوف من أن يفشل الاتحاد الأوروبي في أن يفرض نفسه كقوة عظمى موازية ( و ليست منافسة ) للولايات المتحدة الأميركية في عصر ما بعد العولمة، وهذا الخوف سببه ومنشؤه هو الصعود السريع الناعم للقوة الصينية التي بدأت بتهديد اقتصاديات الغرب بسلاح مخزونها من الدولار والقوة الصناعية التصديرية في قطاع النسيج والتجهيزات الاتصالية والآليات التكنولوجية وحتى في مجال غزو الفضاء الذي كان مجال الاحتكار الأميركي والروسي إلى التسعينات. والعالم يدرك أيضا بأن الصين هي التي تتحكم في قوة إقليمية نووية منفلتة هي كوريا الشمالية التي تسلك سياسات تبدو في نظر العملاقين الأميركي والروسي متهورة و صعلوكة ولكنها في الواقع لا تخرج من عباءة بيجين راعيتها ومدللتها. ونتذكر كيف فرشت باريس للضيف المبجل السيد (وان جياباو) رئيس الحكومة الصينية السجاد الأحمر سنة 2005 وذلك لتوقيع صفقة تاريخية ببيع 150 طائرة من نوع ايرباص 320 وتوقيع عقد بين الشركة الفرنسية للطائرات العمودية/ يوروكوبتر لبيع مئات المروحيات على سنوات، ويبلغ حجم هذه العقود مبالغ تصل إلى أكثر من 25 مليار دولار. و بالرغم من أن العقود تنص على عمليات نقل التكنولوجيا من فرنسا للصين فان الصناعة الفرنسية و الأوروبية عموما سوف تكون الرابحة في هذه الصفقات العملاقة مع ضمان الشغل للخبير والمهندس والمصمم والمصنع على مدى عشر سنوات كحد أدنى وكسب السباق المحموم الذي تلعبه ايرباص ضد منافستها بوينج الأميركية، وهو سباق تجاوز مع الزمن حلبة المزاحمة الاقتصادية ليتحول إلى صراع سياسي واضح بين الولايات المتحدة
وحليفها الاتحاد الأوروبي، ذلك الصراع الذي تجسد أيضا على الساحة النقدية العالمية بين اليورو القوي و الدولار المتذبذب وانتهى سنة 2015 الى انتصار للدولار.

إلى الأعلى