السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / الحلقة (23): حق الرعاية الصحية في الإسلام والقوانين العمانية والدولية

الحلقة (23): حق الرعاية الصحية في الإسلام والقوانين العمانية والدولية

**
سبق الحديث في معرض استعراض الحقوق المدنية للإنسان عن حق الحياة والسلامة الجسمية للإنسان، ويتدرج الحديث هنا عن حق الرعاية الصحية بقدر كاف ومستوى عال ليكون هو الآخر مكملا لحق السلامة الجسمية المشار إليه؛ لأن مقتضى توفير الخدمات الصحية السعي إلى سلامة الإنسان جسميا وفكريا وماديا من كل ما قد يطرأ له من أمراض وآفات، وأوبئة وأزمات. لقد رعت الشريعة الربانية حق الرعاية الصحية للإنسان، وذلك من خلال صور عديدة منها: الأمر بأخذ الحذر في كل شيء، يقول تعالى في ذلك:(وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ)”النساء/102″، وهذه الآية بها دلالة على مراعاة الشريعة للمريض وهو في الساعة الحرجة عند ملاقاة العدو بأن يضع سلاحه في حال مرضه أو خشيته في وقت المطر، وهناك مدلول آخر وهو أخذ الحذر في كل شيء، وإن كان سياق أخذ الحذر هنا في القتال، إلا أن عموم لفظ “حذركم” لا يمنع أن يشمل أخذ الحذر في غير مواضع القتال. كما يشير القرآن إليه في موضع آخر بقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعاً)”النساء/71″. كذلك من صور رعاية الشريعة الإسلامية للصحة أمرها بالبحث عن العلاج لكل ابتلاء يصيب الإنسان في حياته، إذ جاء هذا الأمر على لسان النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الذي يرويه أسامة بن شريك، قال: أتيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت، فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، أنتداوى؟ فقال: (تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم). فهنا دليل على وجوب السعي من طرف الدولة ومن طرف الناس المرضى وغيرهم ممن يكونون مسؤولين عن رعاياهم المبتلين في البحث لهم عن العلاج بشتى الطرق والوسائل، في الداخل والخارج من الوطن. كما يجب على الدولة أن تولي اهتماما كبيرا بالحالات المستعصية التي لا يوجد أو يصعب أو يتأخر علاجها داخل إمكانات وخبرات المؤسسات الصحية في السلطنة، وذلك بأن تسعى إلى السفر بها للعلاج في الدول المتقدمة طبيا ولا يتهاون المسؤولون المعنيون في القطاع الصحي للاستجابة لمثل لهذه الحالات قدر الإمكان المالي والإداري. إن الدستور العماني كفل حق الرعاية الصحية للإنسان العماني وغيره ممن هو موجود في أرض السلطنة، حيث أقر ذلك بنص المادة (12) من النظام الأساسي للدولة حيث جاء في أحد بنودها ما نصه:”- تعنى الدولة بالصحة العامـة وبوسائل الوقاية والعلاج من الأمراض والأوبئة، وتسعى لتوفير الرعاية الصحية لكل مـواطن، وتشجـع على إنشاء المستـشفيـات والمستوصفـات ودور العـلاج الخاصـة بـإشراف من الدولة ووفقـا للقواعد التي يحددها القـانون. كما تعمل على المحافظة على البيئة وحمايتها ومنع التـلوث عنها”. إن ما تشير إليه بنود المادة السابقة يمكن أن يشار إلى مضامينه بالقول: إن الدولة هي المسؤولة في المقام الأول عن حق الرعاية الصحية وتوابعه ومتعلقاته وخاصة إذا اتصل الأمر بنوع من أنواع الحرجة كالطوارئ عند انتشار مرض معين لا قدر الله. وعلى الدولة القيام بإنشاء المرافق والخدمات الصحية من مستشفيات ومراكز ومعاهد تعنى بنطاق الرعاية الصحية للمواطنين وفق نسق عالمي وإقليمي يتناسب مع الواقع المعاش، ووفق أنظمة وقوانين خاصة تسنها الحكومة في هذا الشأن. وتقوم الدولة وضمن أجهزتها وطواقمها المختصة بالنظافة والصحة البيئة بواجب المحافظة على الوطن من كل أنواع انتشار للتلوث والأمراض التي قد تكون عرضة للتأثير على الرعاية الصحية للأفراد في المجتمع، والدولة والمجتمع بجميع أفراده ومؤسساته خاصة أو عامة يقومون متضامنين ومنفردين معا بواجب تحمّل آثار الآفات والأزمات والمحن التي تصيب المجتمع أو جزء منه، وللحكومة أن تسن لأجل ذلك ما ترى من إجراءات وأنظمة تحقيقا للصالح العام للمجتمع. لقد حرص القانون العماني على منع كل ما قد يتعرض له الإنسان من انتهاكات صارخة حول الرعاية الصحية، كما يحدث ذلك في بعض الأقاليم والدولة التي تنتهك فيها حقوق الإنسان حول هذا الجانب، يتمثل ذلك في إجراء عمليات جراحية أو غيرها للإنسان دون إذنه بقصد التجارب العلمية، أو المتاجرة ببعض أعضاء جسمه من كلى أو كبد أو غيرها، فكل صور الاعتداء لحق الرعاية أيِّ كانت أشكاله مجرمة في القانون العماني، إلا إذا كان برضىً من الإنسان ذاته، يتضح ذلك بنص المادة (26) من النظام الأساسي حيث قالت: “لا يجـوز إجـراء أية تجربة طبية أو علمية على أي انسان بدون رضائه الحر”. كما إن حق الرعاية الصحية حظي باهتمام ومتابعة واسعة على الصعيد العالمي والمستوى الإقليمي، وذلك من خلال الاتفاقيات والمعاهدات والقوانين التي تعنى بهذا القطاع، ويأتي في مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وذلك في نص الفقرة (1) من المادة (25) حيث قالت: “لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته”. ونص إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام على ذلك أيضا، وذلك في المادة (17) ضمن بنودها والتي منها: – لكل إنسان على مجتمعه ودولته حق الرعاية الصحية والاجتماعية بتهيئة جميع المرافق العامة التي تحتاج إليها في حدود الإمكانات المتاحة”. كما إن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لحقوق الإنسان وضمن بنود فقرات مادته (12) نص على تفصيل طرق التدابير التي تضمن هذا الحق. ويكتمل الاهتمام الإقليمي لحق الرعاية الصحية بما نصت عليه عدد من صكوك واتفاقيات بعض المواثيق والتي منها: الميثاق الاجتماعي الأوروبي (المعدل) 1996، والذي بدأ العمل به في 7 يناير1999م، حيث نصت المادة (11) منه على الحق في حماية الصحة. ونص الميثاق الإفريقي هو الآخر على هذا الحق ووجوب وضع التدابير لتحقيقيه وحمايته من قبل الدول الأعضاء كما أشارت مادته (16) إلى ذلك. ونص الإعلان الأمريكي على ذلك كذلك في مادته (11) عندما تحدث عن الحق في الحفاظ على الصحة والحق في الرفاهية. وهناك دساتير دول مجلس التعاون الخليجي هي الأخرى أقرت هذا الحق. إن من مقتضيات حفظ حق الرعاية الصحية في المجتمع ما يتم اتخاذه من قبل الدولة في مكافحة الأمراض ودعوة البعض ممن يحملون أمراضا معينة معدية للكشف عنهم وإجراء الفحوصات اللازمة في حقهم؛ خشية تعرضهم لصحة الآخرين، وعليهم بأن يستجيبوا لذلك تحقيقا لسلامة المجتمع وأفراده. إن تعريض صحة الإنسان للخطر من حيث التغرير به في اقتناء المواد والأدوية التي تضر بصحته من مخدرات وكيماويات وغيرها أمر ترفضه القوانين العمانية وتجرمه وتضع حياله العقوبات الصارمة والقوانين النافذة، حيث إن قانون الجزاء العماني وضمن مختلف مواده أشار إلى بعض العقوبات التي تصب في مضمونها على الحفاظ لحق الرعاية الصحية ومن ذلك ما جاء في المادة (٢٧٧) المتعلقة بعقاب الإضرار بمياه الشرب وتلويثها بالقول: “يعاقب بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من عشرين ريالا إلى خمسمائة كل من أقدم قصدا على تلويث مياه الشرب بأي شيء يضر بصحة الانسان أو الحيوان أو يسبب انتشار الأوبئة”. وجاء في عقاب تعاطي الخمر والمخدرات أو ترويجها للغير عدة عقوبات وذلك في الفصل السادس منه في المواد (288 – 230) حيث تضمنت عقوبات جزائية مالية تصل إلى الغرامة خمسمائة ريال وعقوبات سالبة للحرية بالسجن تصل إلى عشر سنوات، وذلك للأثر الكبير والضرر البالغ الذي يتعرض له الإنسان في صحته من عقل وجسم وغيره جراء تعاطي هذه المواد الضارة بحياة الكائن البشري. وإلى لقاء آخر يجمعنا – بمشيئته تعالى – أستودعكم الله في الحل والترحال.

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي – المحكمة العليا
msd99509559@hotmail

إلى الأعلى