الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : محراب أعماقك

رحاب : محراب أعماقك

أحمد المعشني

يتحدث الدكتور ” بيرني سيجل” مؤلف كتاب الحب والسلام والشفاء عن العلاقة بين طول العمر وطريقة تفكير الناس، ويحكي مواقف جميلة كان يحرص أن يحضرها طلاب كليات الطب الذين كانوا يأتون إلى عيادته للتدريب. فعندما كان يستقبل أشخاصا معمرين في عيادته ممن تتراوح أعمارهم بين التسعين والخامسة والتسعين عاما، يعرفهم على طلابه ثم يحرص أن يسألهم: هل كانت حياتك صعبة؟! فيجيب المريض المعمر: كلا! لم تكن حياتي صعبة! فيردف قائلا: هل احترق بيتك؟ فيجيب المريض المعمر: بلى؟! ثم يسأله: هل فقدت عزيزا عليك؟! فيجيب المعمر: نعم! ثم يسأل ثانية: هل خسرت في تجارتك؟ فيجيب المعمر: نعم! ويردف بسؤال آخر: هل مات أحد أبنائك؟! فيجيب أيضا بنعم! ويستمر بيرني سيجل يسأل أسئلة من هذا القبيل والمعمرين على اختلاف مستوياتهم يجيبونه بنفس الإجابات! ويعزو سيجل أن المناعة والصحة التي يتمتع بها هؤلاء المعمرين وأشباههم أنهم يبحثون عن مدد الله الذي لا ينفد من البدائل التي خلقها وسخرها للإنسان تبعا لتفكيره وتقديره للأمور وحسن اقباله على الحياة.
إن الحياة محايدة ليست مرة أو حلوة باستمرار، إنها تعتمد على طريقة تفكيرنا، فالذين استطاعوا أن يحيوها ويعمروا فيها وتمتد أعمارهم إلى المائة وما دونها بقليل نجحوا في ذلك لأنهم دربوا أنفسهم أن يتواصلوا مع القدرة الإلهية في أعماقهم من خلال الإيمان والصلاة والتأمل والاسترخاء وممارسة الحياة الهادئة. وفي موقف طريف زارت عجوز مريضة الدكتور سيجل في عيادته وكانت تشكو وتتذمر من مرضها الخطير وتئن لما تعانيه من متاعب، فنصحها إذا أرادت أن تتحسن أن تعود إلى الحي السكني الذي كانت تقيم فيه وأن تبحث عن أشخاص أشد مرضا منها وتقوم بمساعدتهم وعليها بعد ذلك أن تلاحظ ما يطرأ عليها. وبعد أسبوعين عادت تلك السيدة المريضة، سألها عما حدث لها خلال أسبوعين، فردت عليه بهدوء: لقد تجولت في الحي كله فلم أجد أحدا أشد مني مرضا وأكثر تعبا! ويبرر ردة فعلها بأن تلك المريضة تتشبث بالمرض لأنها تعتمد عليه للتواصل مع العالم الخارجي، فالمرض بالنسبة لبعض الناس يعتبر حيلة نفسية لاستدرار العطف أو الانتقام من الذات. أما الذين يتمتعون بالرغبة الشديدة في الحياة فإن تلك الرغبة تعزز نظام المناعة لديهم وتعزز قوى الشفاء عندما يتعرضون للمرض.
يخبرني المدرب العماني عبدالله الغيلاني في مقابلة أجريتها معه بحضور مجموعة من المتدربين قبل شهرين من كتابة هذا المقال أنه تعرض منذ سنوات لحادث سير عندما كان يسوق سيارته متجها إلى دولة الإمارات حيث كان يعمل في الجيش، ونتيجة ذلك الحادث قرر الأطباء أن عبدالله أمامه خيارين فقط فإما أن يموت أو يصبح متخلفا عقليا؛ لكن عبدالله أعرض عن كلامهم السلبي، وتواصل مع خالقه، فهو من يمنح الحياة وهو من يأخذها، وكانت المفاجأة المدهشة أن الله أنعم على عبدالله بالشفاء التام. وكان ذلك الحادث هدية من الله سبحانه وتعالى وتغيرت حياة عبدالله الغيلاني من جندي إلى كاتب ومدرب وباحث خبير في مجال المياه، لأنه ركز على المنحة الإلهية التي حملها إليه حادث السير ولم يندب حظه ويستجدي العطف من الآخرين.
إن ما تتعرض له في حياتك من أمراض أو ابتلاءات تمثل لغة غيب عجيبة تحمل معان بليغة يمكنك أن تخرج منها بفوائد ودروس عندما ترتاد محراب أعماقك وتقابل الحكمة الأبدية من خلال التواصل الروحي مع أعماقك.

إلى الأعلى