الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أهمية القيادة الأميركية

أهمية القيادة الأميركية

” وعندما انتهت الحرب الكورية في عام 1953، كان يبدو أكثر غرابة أن نتصور أن كوريا الجنوبية يمكن أن يصبح يوما شريكا تجاريا مهما وحليفا للولايات المتحدة، ناهيك عن ان تكون دولة ديمقراطية نابضة بالحياة. ومع ذلك أبقى ايزنهاور والكونجرس على قوات أميركية هناك، أيضا، وهو الأمر الذي لايزال قائما بعد ستة عقود، ومرة أخرى مع اعتراض محلي قليل.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماذا سيكون شكل العالم اليوم لو أن هاري ترومان أو دوايت ايزنهاور تبنى توجهات السياسة الخارجية لباراك أوباما، أو حتى دونالد ترامب الأكثر خطورة ؟
وقد ترأس أوباما تجربة في الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي كانت الولايات المتحدة تعتبرها لفترة طويلة حيوية. أما ترامب فسوف يسرع وتيرة الانسحاب، ويجعلها عالمية، لأننا “بلد فقير الآن”، على حد قوله.
أجبرت الظروف أوباما إلى التراجع أو قلب جوانب من تجربته، ولكنها عند نقطة واحدة شملت سحب جميع القوات الأميركية من العراق، مع وجود خطط لفعل الشيء نفسه في أفغانستان؛ والتخلي عن ليبيا بعد التدخل لخلع الديكتاتور؛ ودعم فاتر للحركة الديمقراطية التي ظهرت في الربيع العربي؛ ورفض مساعدة هؤلاء الذين يقاتلون بشار الأسد، الذي قال أوباما انه يفضل إطاحته.
صمم أوباما هذه السياسة لأنه كان مقتنعا”أن قضية الشرق الأوسط لا يمكن أن تحل – لا في عهده، ولا في الجيل المقبل.”
بعبارة أخرى، من غير المرجح أن تصبح دول المنطقة ديمقراطية أو ناجحة اقتصاديا، وأن موارد الولايات المتحدة يمكن من الأفضل أن تنفق على ما وصفه أوباما “بناء الأمة في الداخل”، وعلى علاقات أكثر أهمية في آسيا. فالناخبون الأميركيون الذين أنهكتهم الحرب يعارضون بقاء قواتنا في المنطقة.
الآن تخيل لو أن ترومان طبق اختبارات مماثلة في نهاية الحرب العالمية الثانية. بعد هذا الصراع المدمر، كان الأميركيون أكثر انهاكا بكثير بسبب الحرب مما كانوا عليه عندما أصبح أوباما رئيسا. وكان الكثير منهم يعتقد أن الوقت قد حان للعودة الى الديار، وترك أوروبا واليابان للتعامل مع مشاكلهم الخاصة، بما في ذلك التهديد السوفييتي ، في حين أن التاريخ وفر أساسا قليلا من الأمل في أن اليابان أو ألمانيا يمكن أن تصبح من الدول الديمقراطية بشكل موثوق. وكانت الولايات المتحدة أكثر فقرا بكثير مما هي عليه اليوم.
على أن ترومان أبقى القوات الأميركية في كل من ألمانيا واليابان – الأمر الذي لايزال قائما بعد سبعة عقود، في مواجهة شكوى عرضية فقط من الناخبين الأميركيين، وخصص الكونجرس والرئيس ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب لإعادة بناء كلا البلدين ، والتزموا باحتلال دام سنين طويلة لفرض مؤسسات ديمقراطية.
وعندما انتهت الحرب الكورية في عام 1953، كان يبدو أكثر غرابة أن نتصور أن كوريا الجنوبية يمكن أن يصبح يوما شريكا تجاريا مهما وحليفا للولايات المتحدة، ناهيك عن ان تكون دولة ديمقراطية نابضة بالحياة. ومع ذلك أبقى ايزنهاور والكونجرس على قوات اميركية هناك، أيضا، وهو الأمر الذي لايزال قائما بعد ستة عقود، ومرة أخرى مع اعتراض محلي قليل. لقد ساعد استمرار وجود قوات أميركية في الحفاظ على حقبة غير مسبوقة من السلام في أوروبا وشرق آسيا.
على النقيض من ذلك، كانت عواقب التقشف الذي اتبعه أوباما كارثية ؛ إذ قدم الاستقرار الهش في العراق وسيلة لحرب طائفية متجددة وظهور حالة إرهابية شرسة ؛ وتفككت سوريا في القتال الذي أودى بحياة مئات الآلاف، وتشريد الملايين، الأمر الذي أثار ما وصفته الولايات المتحدة رسميا إبادة جماعية، بفضل الارهاب وتدفق اللاجئين، مما يهدد الاستقرار في القارة الأوروبية بأكملها. ليبيا، على الجانب الآخر عبر البحر الأبيض المتوسط من إيطاليا، تعيش في حالة من الفوضى، أيضا، مع بؤرة استيطانية جديدة لتنظيم داعش تترسخ هناك.
بالطبع، كل حالة تختلف عن الأخرى. فألمانيا ليست كوريا وليست العراق. ليس هناك ما يضمن أن الوجود الأميركي المستقر والالتزام طويل الأمد كان من شأنه أن يفضي الى نتائج أفضل ؛ لكن من الصعب أن نتصور كيف يمكن للأمور أن تكون أسوأ – ربما في ظل الدليل الأكثر تعبيرا المتمثل في قيام أوباما بإعادة نشر 5000 جندي في العراق على مضض، وشن آلاف الضربات الجوية في العراق وسوريا.
ان إغراء الانسحاب لم يكن قط بعيدا كثيرا عن سطح السياسة الأمريكية. فالأمريكيون يشتكون منذ عشرات السنين أن الحلفاء لم يدفعوا حصتهم العادلة. لم يكن شركاء الولايات المتحدة في كثير من الأحيان يبدون أكثر استحقاقا لمساعدتنا من دول الشرق الأوسط اليوم، والولايات المتحدة دخلت في معارك كثيرا مع كل منهم – على التجارة مع اليابانيين، ونشر الصواريخ مع الألمان، وحقوق الإنسان مع كوريا الجنوبية. ودائما ما تساءل الأمريكيون، لأسباب مفهومة، لماذا ننفق المال في الخارج رغم أننا يمكن أن ننفقه هنا في الداخل.
ولكن دائما ما كان هناك سياسيون يتصدون للعمل الجاد لإثبات قيادة الولايات المتحدة، بدءا من رؤساء مثل ترومان وكينيدي وريجان وكلينتون. هذا هو العرف المعرض للخطر اليوم.

فريد هيات محرر صفحة الافتتاحيات بصحيفة واشنطن بوست خدمة
واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز – خاص بالوطن

إلى الأعلى