الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أضواء على ”داعش” وأسباب انجذاب بعض الشباب له (3)

أضواء على ”داعش” وأسباب انجذاب بعض الشباب له (3)

السيد عبد العليم

” يستشري في كثير من البلدان العربية حالة من الفساد والظلم والمحسوبية. بشكل يبتعد تماما عن فكرة العدل والمساواة التي تنادي بها الشريعة الإسلامية. ومن ثم كان التناقض بين الواقع المعاش وما تدعو إليه تعاليم الدين الإسلامي الحنيف. الأمر الذي أصاب كثيرا من الشباب بالشعور بالاغتراب ودفعهم الى البحث عن بديل عن الوضع القائم المليء بالفساد والظلم كما يرونه”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أسباب انجذاب بعض الشباب لداعش وغيره من التنظيمات المتطرفة
أولا: الحروب التي تشنها القوى الغربية داخل الأراضي الإسلامية
يتأثر وينفعل الكثيرون وفي مقدمتهم الشباب بمشاهد الحروب التي شنتها وتشنها القوى الغربية على بعض بلاد العرب والمسلمين. فالتعذيب والقتل للجزائريين على يد الاستعمار الفرنسي فيما عرف ببلد المليون شهيد لن ينساه كثير من الشباب المتعلم. والقصف الجوي الذي لم يفرق بين بشر وحجر الذي شنته القوات الغربية بقيادة الولايات المتحدة على مناطق شتى في أفغانستان وأدى إلى قتل أطفال ونساء وشيوخ وتيتم كثير من الأطفال وأرملة الكثير من النساء وفجع الشيبة على أبنائهم، فضلا عن هدم البيوت والمدارس والمستشفيات وغيرها على من فيها ـ بدون اهتمام إعلامي يذكر ـ كان له بالغ الأثر على نفوس كثير من الشباب الذي فكر في الانتقام والثأر لتلك الجرائم التي وقعت بحق أهلهم دون أدنى ذنب لهم. ويمتد الحال الى غزو العراق وقصفه فيما عرف بعاصفة “الصدمة والرعب” التي أفزعت البشر والحجر وأتت على الأخضر واليابس دون ذنب للعراقيين. فكانت أحد أبرز عناصر معرفة كثير من الشباب لحقيقة هذا العدو ومدى الحقد الغربي على أوطانهم، وكذلك الحال في سوريا وغيرها. فكل تلك المشاهد من القصف الجوي الدموي الذي لا يميز والذي ترتب عليه مآس انسانية وجرائم لا تمحوها السنين، كل ذلك يدفع بالشباب الى النظر بكل كره وغل للقوى الغربية، لدرجة أن كثيرا منهم ربما يفرح عندما يرى ذبح أحد أبناء تلك القوى الغربية حتى وإن كان غير محارب كأن يكون صحفيا او غيره على يد ما يعرف بالتنظيمات الإسلامية المتشددة سواء كان تنظيم القاعدة أو داعش أو غيرها، وذلك لوجود جذوة من نار الغضب بداخله على قتل الغرب لأبرياء من أبناء وطنه وأمته.
ثانيا: دعم الغرب لأنظمة الحكم المستبدة
ينظر بعض الشباب أيضا إلى الغرب على أنه الداعم والمساند الرئيسي لبعض أنظمة الحكم القمعية في كثير من الأنحاء. والتي ينصب كثير من الظلم والقمع فيها للتيارات الإسلامية، مما يدفع عددا من الشباب إلى النظر إلى الأمر على أنه نوع من المؤامرة على الاسلام وأهله ككل من قبل القوى الغربية مع تلك الأنظمة القمعية. ومن ثم نجد قيام بعض من هؤلاء الشباب بتنفيذ عمليات انتحارية داخل تلك البلدان سواء بلدان المنطقة أو البلدان الغربية.
ثالثا: الفساد والظلم
يستشري في كثير من البلدان العربية حالة من الفساد والظلم والمحسوبية. بشكل يبتعد تماما عن فكرة العدل والمساوة التي تنادي بها الشريعة الإسلامية. ومن ثم كان التناقض بين الواقع المعاش وما تدعو إليه تعاليم الدين الإسلامي الحنيف. الأمر الذي أصاب كثيرا من الشباب بالشعور بالاغتراب ودفعهم الى البحث عن بديل عن الوضع القائم المليء بالفساد والظلم كما يرونه. ومما زاد الأمر سوءا هو أن كثيرا من علماء الدين في تلك البلاد لم يقفوا في وجه ذلك الظلم بل كانوا مطية له. وكأن لسان حالهم يردد لحكامهم:”أفعل ما شئت وسنجد له مبررا”. الأمر الذي يذكرنا بما أورده سماحة الشيخ احمد الخليلي المفتى العام للسلطنة في كتابه ( الاستبداد: مظاهره ومواجهته) صفحة 77″ لما توفي عمر بن عبد العزيز، وولي يزيد بن عبد الملك، قال: سيروا بسيرة عمر، فأتي بأربعين شيخا فشهدوا له ما على الخلفاء حساب ولا عذاب”.
رابعا: غياب المشاركة السياسية الفعلية
عدم افساح كثير من الانظمة الحاكمة في البلدان العربية الفرصة للشباب بدمجهم في العملية السياسية فيها. وذلك لان هناك حالات من الحكم الفردي الذي لا يسمح كثيرا بعمل المؤسسات السياسية في البلد كالمجالس المحلية وغيرها التي يمكن أن تمثل منفذا ومتنفسا للشباب بالانخراط في العمل السياسي من بدايته والتطور فيه، وتشكيل احزاب سياسية حقيقية ودعم الانظمة لها بدلا من التضييق عليها، وتهميش الشباب في الوقت الذي نرى فيه أغلب الوزراء والمسئولين وقد صاروا من الشباب في أغلب البلدان الأوروبية المتقدمة. وفي بلدان كثيرة هناك حالات من التضييق الشديد على الشباب، سيما المتدين، واعتقال واضطهاد كثير منه، مما يدفعه الى اعتناق أفكار التنظيم والانضمام اليه.
خامسا: قصور الخطاب الديني الرسمي
في الحقيقة إن جزءا كبيرا من أسباب ظهور الجماعات والتنظيمات الاسلامية، يرجع الى قصور المؤسسات الدينية الرسمية في كثير من البلدان العربية والاسلامية. وذلك لو أن هذه المؤسسات كانت تقوم بعملها الدعوي بشكل حقيقي ومهني راق، لما ظهرت من الأساس هذه الجماعات التي سعت وتسعى في الأساس لسد الفراغ الناجم عن قصور تلك المؤسسات بشكل يجعلها تحاول ان تكون بديلة عنها. فضلا عن ان الخطاب الديني لهذه المؤسسات يبعد في كثير من الحالات عن الواقع المعاش، في حين تقدم مثل هذه الجماعات تفسيرا للواقع من المنظور العقائدي بشكل عقلاني، اي انها تنطلق من الواقع وتحاول تنزيل الاحكام والايات والاحاديث عليه حسب اجتهاد وفهم قيادتها ـ حتى وان كان تفسيرا خاطئا وغير صحيح ـ بشكل يبدو منطقي ومغري لبعض الشباب المتحمس. بينما العكس بالنسبة لأغلب الخطاب الديني الرسمي، حيث نرى كثيرا من الخطباء والوعاظ الذين يتحدثون في مواضيع معادة ومكررة وبشكل ممل وبعيدة عن الواقع الذي يعيشه الناس في كثير من الأحوال. ولننظر الى حجم الخطاب الديني الذي صار يقتصر على أقل من نصف الساعة في خطبة الجمعة من كل أسبوع. وكأن هذا يلبي كل احتياجات المسلم من معلومات عن دينه المرتبط في الأساس بكل سلوكياته منذ استيقاظه من نومه في الصباح وحتى خلوده للنوم آخر اليوم. فالاسلام ليس طقوسا وعبادات تؤدى فقط بل هو تعليم وعبادات ومعاملات. وكثير من الموضوعات لا يتم الحديث فيها الأمر الذي يدفع الكثيرين ولا سيما الشباب الى البحث عن اجابات عنها وعما يثور داخله من تساؤلات عبر شبكة المعلومات الدولية الانترنت، فيجدون إجابات ـ ربما تكون محرفة ومشوهة ـ لمثل تلك الجماعات فينجذبون لها.
سادسا: الحملات ضد الرموز الإسلامية
تحت دعاوى تجفيف منابع الإرهاب، يوجد هناك ما يشبه الحملة ضد بعض الرموز الاسلامية تشن من قبل فريق يوصف بالعلماني او الليبرالي طالما كان معاديا للاتجاه الاسلامي عموما. من ذلك ما يقوم به البعض بالتطاول على رموز مثل الحجاب والنقاب وغير ذلك من المظاهر والسعي الرسمي الى منع تلك الرموز في بعض البلدان. دون النظر الى تلك المظاهر على أنها من باب الحرية الشخصية التي يتشدق بها هؤلاء دفاعا عن التبرج والسفور والعري. ومن قبيل قيام وزير ثقافة إحدى البلدان بارسال كتب سيد قطب للمفرمة وقيام مفتي سابق بشتمه والهجوم عليه، مع أنه كان أولى به أن يأتي بعرض الأفكار والرؤى التي يختلف فيها معه. وكذلك قيام مدير ادارة تعليمية بحرق الكتب ذات الاتجاه الاسلامي. فضلا عن الاسفاف ومشاهد الفسق والفجور في كثير من الاعمال الفنية التي تبث عبر الفضائيات التي تقتحم اغلب البيوت. كما ان يكون الشغل الشاغل لرئيس احدى الجامعات الكبرى هو اغلاق المساجد الصغيرة في الكليات حتى لا تكون بؤرة للتطرف. فكل ذلك يكون مردوده عكسي. لان النظرة تكون ـ خاصة للطلبة ـ ان هذه حرب على الدين ومنع لمساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعي لخرابها فيكون مردود ذلك فكريا ونفسيا أسوأ بكثير من مجرد الظن أن يوجد فيها أو يستغلها متطرفون. فالأمر بسيط وهو بدلا من غلقها والتضييق على الطلبة والعاملين في تلك الكليات في الصلاة، يمكن وضع أجهزة مراقبة في تلك المساجد. بل إن هناك قنوات فضائية تعرض علينا حلقات طويلة لمن يطالب بوضع كل كتب التراث الاسلامي في سلة المهملات لأنه أساس التطرف. فكل ذلك يثير غضب عدد من الشباب ويدفعه الى ان يتساءل، هل هذا الواقع هو واقع إسلامي وأخلاقي، فتكون الإجابة هي النفور منه. وفي غضبه وثورته هذه لا يستطيع التمييز بين الحق والباطل فيقع في أحضان التطرف والإرهاب.

إلى الأعلى