الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: سوريا .. وتبقى المعركة الكبرى والانتصار الأعظم

شراع: سوريا .. وتبقى المعركة الكبرى والانتصار الأعظم

خميس التوبي

عودة مدينة تدمر إلى حضن الوطن السوري بعد نجاح الجيش العربي السوري في تطهيرها من رجس الإرهاب التكفيري، ليست فقط مسمارًا يدقه الجيش وحلفاؤه في نعش المؤامرة الإرهابية التي حيكت بليل ضد سوريا، وإنما هي أيضًا بمثابة مفتاح طريق استعادة محافظات وأرياف سورية لايزال زفيرها وشهيقها إرهابًا تكفيريًّا غير مسبوق، كمحافظة الرقة ومحافظتي دير الزور وإدلب وريفيهما وريف حلب، وما دامت أصابع مغاوير الجيش العربي السوري وحلفائه المخلصين على الزناد فحتمًا العودة في حكم المؤكد والمسألة ليست سوى وقت وصبر يليهما فرج ونصر مؤزر.
“الذي لا يدافع عن أرضه وعرضه وكرامته، عليه أن يوقن أن لا أحد سيدافع عنها” كلمات معبرة خرجت من قلب جندي سوري عاهد الله على فداء أرضه بنفسه وإروائها بدمه، لكنها في مقاييس الولاء والانتماء للوطن السوري لها مفاعيلها على الأرض في رسم قوس النصر على امتداد الجغرافيا السورية، وتعكس مدى الوعي الحضاري لدى المواطن السوري المخلص المنتمي لوطنه ـ أيًّا كان منصبه وموقعه ـ بأهمية قيمة الحياة والحضارة والتراث الإنساني، وأن الحياة هي ملك لواهبها وليس لأحد غيره، فيجب أن تصان وتحترم، فقد برهنت سوريا (شعبًا وجيشًا وقيادةً) على أنها دولة حضارية عريقة وتدافع عن الحضارة والإنسانية والتراث، في الوقت الذي بقي فيه مُدَّعُو الحضارات والتحضر وحامُو الإنسانية وحقوقها والتراث صامتين متفرجين، رغم أن الإرهاب الذي دعموه في مراحل وصمتوا عنه في أُخر يضرب عمق عواصمهم.
لقد كان لافتًا تسليط الإعلام السوري والإعلام النزيه الضوء على الجهود الجبارة التي يبذلها بواسل الجيش العربي السوري وحلفاؤه على أرض تدمر من أجل إعادة رونقها وألقها كعروس للصحراء، وذلك بتفكيك العبوات والمفخخات وتمشيط الأحياء والبنايات. إلا أن ما فات هذا الإعلام هو الوجه الآخر من معركة تدمر ـ كما يبدو ـ وهو أن الانتصار غير مكتمل، فما بقي يعد المعركة الأكبر والجهد الأعظم المتمثل في تنظيف الفكر السوري من التلوث التكفيري والقتل والعنف وشتى صنوف الإرهاب لاسيما الناشئة والشباب، فتخليص العقول من مفخخات فكر التكفير والإرهاب والقتل والعنف والتدمير يحتاج إلى جهود جبارة يجب أن تتكامل فيها جميع مؤسسات الدولة السورية، ومن ينظر إلى تلك المدارس في مدينة تدمر التي تعرضت للتشويه والتغيير عليه أن يتوقف عند ذلك متسائلًا: كم عدد طلاب المدرسة الواحدة؟ وبالتالي كم مشروعًا انتحاريًّا وإرهابيًّا وتكفيريًّا وظلاميًّا قد أعدته هذه المدارس؟ وكم من نسل هؤلاء سينشأ على هذا الفكر الضال إن بقوا على ضلالهم؟
وما يلفت الانتباه أكثر هو أن ما عُدَّ انتصارًا سياسيًّا لسوريا وحلفائها في مؤتمر فيينا، ثم في مجلس الأمن الدولي بصدور القرار رقم (2254) والمتمثل في الحفاظ على علمانية الدولة السورية تحديدًا، يبدو أنه يتحول إلى عبء كبير وتحدٍّ عظيم. فعلى أرض سوريا تبدو هناك معركتان؛ الأولى معركة ميدانية تقودها الدولة السورية وحلفاؤها ضد الإرهاب وعصاباته وتطهير المدن والقرى والأرياف من رجسها بما يحفظ سيادة سوريا ووحدة جغرافيتها. أما الثانية وهي الأخطر فهي معركة فكرية بامتياز، حيث عملت عصابات التكفير والإرهاب والتخريب والتدمير طوال خمس سنوات على تلويث عقول المواطن السوري (طفلًا شابًّا رجلًا امرأةً) بهذا الفكر الضال، وإذا كنا نتحدث عن مدارس مدينة تدمر والأرقام المحتمل تخرجها كمشروع انتحاري تكفيري إرهابي ظلامي، فإن هناك عشرات المدارس إن لم تكن مئات المدارس في دير الزور والرقة وحلب وإدلب لاتزال تحت سيطرة عصابات الفكر الإرهابي التكفيري، فضلًا عن الجوامع والمساجد التي يُلقَّنُ فيها أهلُ تلك المحافظات ألوان التكفير والإرهاب والضلال باسم “الجهاد” وباسم “الإسلام” وبغيرها من المسميات، ما يعني أن الانتصار للنظام السياسي (العلماني) في سوريا سيكون في صدام وقتال طويل مع هذا الفكر الضال، وبالتالي يستوجب على الدولة السورية وحلفائها التحرك وتطهير الأرض والفكر بأسرع وقت. وما يجب أن يلاحظ هنا هو أن قوى الاستبداد والفساد في المنطقة عملت على دعم هذا الفكر التكفيري الإرهابي الظلامي وتوحشه، وتوظيفه في إطار دورها الوظيفي في خدمة الإمبريالية الأميركية والغربية ومشروع الاحتلال الصهيوني وهيمنتهما على المنطقة. ومن يُمعن النظر في الدول العربية المستهدفة والتي عُرفت بقوميتها وعروبتها ونضالها ضد الامبريالية الأميركية والغربية والاحتلال الصهيوني كان الحرص واضحًا على إملاء الفراغ فيها بعصابات الفكر التكفيري الإرهابي الظلامي، ودعمها لتنفيذ ما أُسند إليها من أدوار من فتن طائفية ومذهبية، وقتل وإرهاب وتدمير وتخريب وتقطيع أوصال الدولة. فالعراق وليبيا وسوريا خير برهان على هذه الحقيقة التي لا تقبل الجدال والنقاش.

إلى الأعلى