الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : البربرية حين تتجدد دائما !

باختصار : البربرية حين تتجدد دائما !

زهير ماجد

بعض الأفلام الأميركية الطويلة تدور قصصها حول الصراع بين البربرية والتمدن أو التحضر .. البرابرة هنا لهم أشكال غريبة ومخيفة ونوعية سلاحهم غريب أيضا .. هذا العقل الفني للمخرج ليس سينمائيا فقط، إنه دخول الى عالم مفترض، صحيح أن الأحداث مستوحاة من تواريخ قديمة، لكن المقصود دائما تلك الصراعات المتجددة بين بربرية تتكرر وبين أنسنة ثابتة.
من سوء حظنا او ربما من حسنه، إننا عشنا وشفنا برابرة جددا، عالما حقيقيا قائما بيننا، لكن ” ثقافته ” اللاثقافية تبعده عنا، تجعله دائما خارج السرب الانساني وخارج مشاعره .. هؤلاء البرابرة لايمكنهم العيش وسط الناس إلا اذا أكدوا فهمهم اللافهم .. العالم اجتماعي بالضرورة، أما هم فيحملون حس التوحش بداخلهم، وبقدر ما يخافون من البشر فهم مخيفون.
يمارسون أنواعا من القتل لا تخطر على بال، يخترعون أشكالها كي يلبوا احساسا داخليا بأنهم غرباء عن المجتمع وعن تفاصيله. لايمكنهم الاحتكاك بالبشري الآدمي لأنه حسب عرفهم غريب عنهم .. عالمنا المتحضر يتفهم شعور هؤلاء المتغربين الذين يتم مسح عقولهم بممحاة أفكار خاصة الى أن يصبحوا مستسلمين لما نالوه من أفكار جديدة.
التوحش المفرط الذي تقدمه تلك الافلام عرفته الانسانية في تطورها، القتل لم يتغير، تغيرت أدواته .. أحد الأفلام قدم لنا أدوات بدائية لكنها قاتلة وإن كانت مستوحاة من الطبيعة كالأخشاب التي في أعلاها أحجار صلبة تسقط على رأس الخصم فتطحنه او تضرب في جسده فلا تبقي له عظاما ولا لحما .. إضافة إلى تصورات لأسلحة مدمرة اخرى.
هذا العالم المتصور الذي يحكيه المخرج على أساس أنه مر في الماضي، يريد من خلاله أن يقدم تصورا عن صورة البربرية في أعلى قدراتها كي يصل إلى الفكرة الرئيسية القائلة بأن هذا النوع من الصراعات متكرر في التاريخ ، لكنه سيأخذ في كل مرة أشكالا مختلفة ..
هذه المرة رأيناهم على حقيقة الواقع المعاش .. لباسهم مختلفا، أشكالهم تكاد تتشابه في وحشيتها، لكنهم يستعملون السيارة ولديهم السلاح الفتاك الذي يشبه أسلحة الجيوش النظامية البني آدمية. في بدايات طلتهم تمكنوا من السيطرة في العديد من الأماكن، والآن يتراجعون، بل صار من الممكن القول إن نجمهم إلى افول .. ولهذا يخترعون حضورا إعلاميا مبهرا كمثل ضربتهم في فرنسا او مؤخرا في بلجيكا، وكلما خسروا الميدان وشعروا بالتراجع ولربما بالنهاية، ستكون لهم ضربات لها بعد إعلامي كي يقولوا بأنهم موجودون في الساحة وذراعهم طويلة تصل الى اي مكان.
ليس مشهد التوحش المرئي جديدا على عالم الانسان في أي مكان، إنه رجع صدى لتاريخ لاينضب .. دائما هنالك صراع بين الانسانية وبين البربرية، ودائما هنالك من يريدون السيطرة من خارج النص الانساني ليقدموا تجربة لكنها لا تمر على عجل، تتعب الانسان، تخلق لديه احساسا بالفناء وقبلها بالاستسلام للمشيئة الجديدة المتجددة، لكن ثمة من يقرر تكرار أحداث التاريخ بقتال التوحش حتى النهاية من أجل الغاء وجوده تماما. بمثل هذا الفهم عاشت منطقتنا حين تعرضت للمغول وغيرهم من المتوحشين، وهي تتعرض اليوم لمشهد فاقع من البربرية الجديدة التي من حسناتها أنها تحمل فناءها بنفسها.

إلى الأعلى