الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حكاية «العم» سيد جلال والوزير!

حكاية «العم» سيد جلال والوزير!

السيد عبد العليم

” عندما فكر سيد جلال في خوض الانتخابات عن دائرة باب الشعرية بالقاهرة لأول مرة، حمل صندوقا في يده ووضع بداخله 5 جنيهات وجاب شوارع دائرته معلنا في حملته (من يريد انتخابي عليه أن يضع 5 قروش فى الصندوق). اندهش الناخبون وقتها وعندما علموا أن الخمسة جنيهات هي لبناء مستشفى باب الشعرية (المشهورة بمستشفى سيد جلال حتى الآن) والذي أصبح مستشفى جامعيا،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قبل سنوات طويلة، ثار بعض من بلدان المنطقة على البغاء، الذي كان مقننا فيها، ويتم عبر تخصيص أماكن محددة ومعروفة يمارس فيها ويمنح ترخيصا من قبل سلطات الدولة كأي نشاط عادي. حيث اشمئز الكثير من أبناء تلك البلدان ولاسيما في المناطق التي كان يمارس فيها. وناضل رجال من أجل الغاء هذا الفعل البغيض.
لكن للأسف صار يطل علينا مرة أخرى بوجهه المقيت ويستشري تحت مسميات وأشكال مختلفة وتتم ممارسته كنشاط اقتصادي استثماري. فقد انتشرت في الآونة الأخيرة ـ في مصر على سبيل المثال ـ كثير من القضايا المتعلقة بجرائم الدعارة مثل القاء القبض على فنانة أو شخصية مشهورة تدير بيوت دعارة سلعتها هي المتعة الحرام. كما يظهر ذلك ايضا بشكل آخر في بعض ما يعرف بالنوادي الصحية التي تكون واجهة لهذا العمل المنافي للاخلاق. كما أن هناك انتشارا للفن الهابط من أفلام وفيديو كليبات العري والاثارة الجنسية المبتذلة التي تملأ كثيرا من الفضائيات حتى غدونا نرى عددا من القضايا التي يتم رفعها في المحاكم ضد كثير مما يوصف بأنه أعمال فنية هابطة تخدش الحياء والذوق العام. يحدث ذلك على الرغم أن هناك من أفنى سنوات طويلة من عمره في النضال من أجل الغاء تقنين الدعارة مثل نائب مجلس النواب المصري سيد جلال الذي نذكر هنا قصة الغائه الدعارة في مصر عام 1947.
عندما فكر سيد جلال في خوض الانتخابات عن دائرة باب الشعرية بالقاهرة لأول مرة، حمل صندوقا في يده ووضع بداخله 5 جنيهات وجاب شوارع دائرته معلنا في حملته (من يريد انتخابي عليه أن يضع 5 قروش فى الصندوق). اندهش الناخبون وقتها وعندما علموا أن الخمسة جنيهات هي لبناء مستشفى باب الشعرية (المشهورة بمستشفى سيد جلال حتى الان) والذي أصبح مستشفى جامعيا، التف حوله الناخبون ونجح باكتساح وظل نائبا لدائرته 50 عاما وفشل أي حزب في شرائه.
ويروي الشيخ محمد متولي الشعراوي ـ رحمه الله ـ عن صديقه سيد جلال كيف دبر مقلبا لوزير الشئون الاجتماعية في شارع البغاء، والذي انتهى بصدور القرار الشهير.. قرار إلغاء بيوت الدعارة.. حيث يقول الشيخ في حوار صحفي نادر: “عمي سيد جلال” كان صاحب مواقف وطنية مشرفة. وقد اقترحت عليه أن يكلف أحدا بجمعها من مضابط مجلس النواب وأن يصدرها في كتاب للاستفادة منها، فهي حافلة بالدروس التي لا تعرفها الأجيال الجديدة..
سيد جلال هو الذي ألغي البغاء الرسمي في مصر.. الذي كان مصرحا به من الحكومة! هو الذي مسح هذه الوصمة التي كانت تسيء إلى مصر.. مصر الأزهر الشريف.. مصر التي حققت علم الإسلام وصدرته إلي العالم كله.. مصر التي يخفق باسمها قلب العالم الإسلامي.. مصر التي شرفها الله بذكرها في القرآن الكريم..
مسح سيد جلال هذه الوصمة عن مصر .. استمر يقود الحملة لإلغاء البغاء عن مصر.. طوال ست سنوات، دون كلل، وكان تصميمه يزداد، وعزيمته تقوى يوما بعد يوم، حتى استطاع أن يسقط هذا العار ويمحو هذه الوصمة في سنة 1947.
ويروي الشيخ الشعراوي حكاية المقلب الذي دبره سيد جلال لوزير الشئون الاجتماعية في ذلك الوقت وهو “جلال فهيم باشا” والذي أدى إلى إصدار القرار بإلغاء، بيوت الدعارة.. يقول الشيخ الشعراوي: كان عم سيد جلال نائبا في مجلس النواب سنة 1945 عن دائرة باب الشعرية وهي الدائرة التي ارتبطت باسم سيد جلال على مدى سنوات طويلة. وكانت هذه الدائرة تضم أشهر شارع للبغاء العلني في مصر في ذلك الوقت وهو “شارع كلوت بك”.. وكانت هذه الحكاية تسبب له ضيقا شديدا..فالدائرة دائرته، وهو كان يعيش فيها، وكان يتمزق ألما وحزنا، كما يقول، وهو يرى منظر العاهرات وهن يقفن على النواصي ورؤوس الطرقات، ويدعين الناس دعوات مفتوحة مفضوحة، ويتبادلن الشتائم والكلام المكشوف فيما بينهن، ويتسابقن لإغراء كل من يمر بالشارع، وجره إلي البيوت..
وقد انتهي به التفكير إلي تدبير “مقلب” لوزير الشئون الاجتماعية في ذلك الوقت لإحراجه ودفعه دفعا إلي العمل لإلغاء هذه الوصمة باعتباره الوزير المسئول الذي باستطاعته، لو أراد، أن يصدر قرارا بذلك.. وضع سيد جلال خطة محكمة للمقلب الذي دبره للوزير.. حيث ذهب إلى الوزير وقال له: إنه يعتزم إقامة مشروع خيري كبير، وأن هذا المشروع يضم مدرسة سوف يشرع في بنائها فورا، وأن موقع المدرسة قد جرى تجهيزه وإعداده للبناء.. وأنه يسعده أن يأتي معالي الوزير لرؤية الموقع الذي هو ضمن المشروع الخيري الكبير، وأن أهالي الدائرة سوف يسعدهم تشريف معالي الوزير، ويشجعهم على المساهمة في إقامة مثل هذه المشروعات الخيرية..
ووافق الوزير.. وفي اليوم المحدد.. جاء معالي الوزير وهو يركب الحنطور الذي أعده له سيد جلال لكي يشاهده أهالي الدائرة ويخرجون لتحيته..وكان الاتفاق مع سائق الحنطور أن يدخل بمعالي الوزير إلى شارع البغاء الرسمي “شارع كلوت بك” وأن يسير به على مهل!
وفي شارع البغاء.. وبمجرد دخول الحنطور.. تصورت العاهرات أنه “زبون” كبير! فتدافعن عليه وتسابقن إليه، وأخذت كل واحدة تشده لتفوز به، دون أن تعرف شخصيته! وتحول السباق على “معالي الوزير” إلى خناقة كبيرة بين العاهرات! ولم يعرف “معالي الوزير” كيف يخلص نفسه من هذه الورطة! وأدرك أن سيد جلال هو الذي دبر له هذا المقلب.. خاصة أن أحدا لم يتقدم لإنقاذه وتخليصه من أيدي العاهرات!
وجاهد “معالي الوزير” وهو يصرخ ويسب، حتي استطاع أن يخلص نفسه بصعوبة بعد أن سقط طربوشه، وتمزقت ملابسه، وامتدت الأيدي إلى جيوبه..
وكانت فضيحة.. وعاد الوزير إلى بيته وهو في حالة سيئة.. واستمر يشتم ويسب ويلعن سيد جلال، وأبو سيد جلال، واليوم الذي رأى فيه سيد جلال!
لكنه قبل أن تمضي أيام كان قد أصدر القرار بإلغاء البغاء! وفوجئ بسيد جلال يدخل عليه وهو يضحك ويشكره على شجاعته بإصدار القرار الذي مسح عار البغاء العلني والرسمي عن مصر! وقال له: لقد فعلت شيئا عظيما، وسوف يذكره الناس لك! وهدأ الوزير، وقال لسيد جلال: وسيقول الناس أيضا: إنك أنت الذي دبرت “المقلب” الذي جعل الوزير يصدر هذا القرار!
ويتواصل حديث الشيخ الشعراوي عن سيد جلال.. وعن محاولة أحد النواب لإعادة البغاء مرة ثانية.. وكيف تصدى له سيد جلال في جلسة عاصفة في البرلمان! يقول الشيخ: وحدث أن جاء واحد من النواب، من الإسكندرية، وتقدم باقتراح للمجلس لإعادة البغاء الرسمي! وقال النائب صاحب الاقتراح: إن إعادة البغاء ستجعله محصورا في دائرة محددة، وأن البغايا سيتم الكشف عليهن صحيا على فترات متقاربة، وهو ما يحمي من الأمراض السرية وانتشارها، وأن الشباب سيجد في بيوت البغاء الرسمي ما يبعده عن التعرض للنساء في الشوارع! وصادف هذا الاقتراح هوى بعض النواب..
ووقف سيد جلال وقال: إن الذين يعتقدون أن إلغاء البغاء يؤدي إلى انتشار الأمراض السرية أكثر، هم على خطأ.. وعندي الإحصائيات التي أعلنتها المؤتمرات الطبية العالمية والتي تثبت أن الأمراض السرية تنتشر أكثر في الدول التي تعرف نظام البغاء، وتقل في التي حرمته! وقال: الذين يقولون إن الشباب بكل غرائزه الجنسية لا يعرف أين يذهب وماذا يفعل؟ هؤلاء يتصورون أن الشباب عجل يجري تسمينه وتكبيره علشان ينط! وأن علينا أن نهييء له بيتا للدعارة! ونساعده على الفساد.. وينسى هؤلاء أن مشكلة الشباب أكبر وأعمق.. الشباب يعاني من الفراغ ومهمتنا أن نهييء له مجالات العمل، ليعمل ويتزوج ويقيم أسرة.. فالعمل سيعود عليه بالنفع، وعلى الدولة بالفائدة.. وقال سيد جلال: إن مصر نسيت مسألة البغاء، ولم تعد هذه المسألة في أفكار أحد، وإذا كان النائب صاحب الاقتراح بإعادة البغاء مصرا على اقتراحه، فعليه أن يتبرع لنا بخمس سيدات من أسرته ليكن نواة لإحياء المشروع من جديد! وضجت القاعة.. و

إلى الأعلى