الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الحل في ليبيا

الحل في ليبيا

أحمد مصطفى

” يمكن النظر إلى طرابلس الآن على أنها “نموذج مصغر” لتلك الحالة الليبية، والحقيقة أن أغلب المدن الرئيسية في ليبيا هي كذلك ايضا من الزاوية جنوبا إلى بنغازي شرقا والزنتان وزواره غربا. وإذا كان هناك من يراهن على ان ميليشيات في طرابلس مؤيدة للجهود الدولية يمكنها أن تطرد الميليشيات المتشددة المعارضة لكل ما يفضي إلى حل فهؤلاء ربما لا يفهمون وضع ليبيا،”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ما زال أمل الكثيرين أن تكون حكومة فايز السراج، التي تمخضت عنها جهود الأمم المتحدة، بداية توافق ليبي ينهي عملية الانهيار المستمر للبلاد حتى لو كانت الحكومة ومجلسها الرئاسي غير مرضية لكل الليبيين وتتضمن ممثلين لجماعات متشددة فشلت في انتخابات عامة من قبل. وبعدما تمكنت الدبلوماسية الدولية من تحييد معارضة أطراف اقليمية للإصرار الغربي على تضمين الإخوان في الحكم بنسبة معقولة، يضغط المجتمع الدولي لنقل حكومة السراج من تونس إلى العاصمة الليبية طرابلس. وقد حاول السراج وحكومته التوجه إلى طرابلس أكثر من مرة، إلا أن الميليشيات التي تسيطر على العاصمة أغلقت المجال الجوي الغربي للبلاد كما أنها تسيطر على المطارين الذين يمكن لطائرة الحكومة الهبوط في أي منهما قادمة من تونس وهما مطار معيتيقة ومطار مصراتة. ولا يمكن لطائرة حكومة السراج الهبوط في مطار الزنتان غرب العاصمة لأن القوى المسيطرة على الزنتان تعارض حكومة السراج ونتائج عملية الأمم المتحدة.
منذ البداية، لا تريد الأطراف الدولية أن تكون الحكومة في طبرق ـ مقر البرلمان الشرعي المنتخب ـ وضغطت الأمم المتحدة كي يعطي البرلمان المعترف به دوليا الشرعية لحكومة السراج لكن ذلك لم يحدث وتم الالتفاف على الأمر بتوقيعات نحو 100 نائب فيه. وبالتالي، فطبرق والشرق عموما مستبعد كمقر للحكومة التي شكلتها عملية الأمم المتحدة. مع الأخذ في الاعتبار أن البرلمان والحكومة الشرعية انتقلت إلى طبرق مؤقتا لعدم تمكنها من العمل من العاصمة طرابلس التي تسيطر عليها ميليشيات متشددة وارهابية. وبالطبع يريد من يقفون وراء عملية الأمم المتحدة الدبلوماسية تأكيد رمزية عودة الحكومة إلى العاصمة والعمل منها كي يبدو استكمالا لرسالة بدء استعادة الدولة وبناء مؤسساتها (التي لم تكن موجودة أصلا بشكل حقيقي).
صحيح أن فصيلا من جماعات طرابلس دخل في عملية الأمم المتحدة وحقق مكاسب ربما لا يستحقها، وتحديدا جماعة الإخوان وجماعات مماثلة، لكن يبدو أن ذلك الفصيل لا يملك نفوذا ولا سطوة كما كان يفهم من قبل. وحتى الجماعات المسلحة، ومنها جماعات إرهابية عاثت في شرق البلاد تدميرا من درنة وسرت إلى بنغازي، التي ترتبط بذلك الفصيل من حيث الأساس الأيديولوجي (التطرف الديني) لها حساباتها الخاصة. وتلك سمة كل شيء في ليبيا منذ عقود وانكشفت بعد انهيار نظام القذافي تحت قصف الناتو، إذ لم يكن هناك مؤسسات دولة ولا حتى “قوى” سياسية بالمعنى الصحيح، لذا لم تتمكن المظاهرات والانتفاضات وحتى حروب العصابات في بداية الأحداث من اسقاط النظام إلا بالقصف الأجنبي والتدخل العسكري الخارجي.ويعرف كل من له علاقة بالشأن الليبي أن أغلب الليبيين لا يرضون بفرض شيء عليهم، خاصة لو كان البعض يتصور أنه في مصلحتهم. ويدرك حتى من يشاركون في العملية السياسية للأمم المتحدة ذلك.
يمكن النظر إلى طرابلس الآن على أنها “نموذج مصغر” لتلك الحالة الليبية، والحقيقة أن أغلب المدن الرئيسية في ليبيا هي كذلك ايضا من الزاوية جنوبا إلى بنغازي شرقا والزنتان وزواره غربا. وإذا كان هناك من يراهن على ان ميليشيات في طرابلس مؤيدة للجهود الدولية يمكنها أن تطرد الميليشيات المتشددة المعارضة لكل ما يفضي إلى حل فهؤلاء ربما لا يفهمون وضع ليبيا، أو أن الرغبة في فرض “حل” بأي وسيلة يمكن أن تدفع المجتمع الدولي إلى التغاضي عن الحقائق. وربما أن الحقائق لا تعني من يريد “إنفاذ” أمر ما وليس التوصل إلى الحل وترسيخه في ليبيا. ولعل ذلك ما يعزز التحليل القائل بأن المجتمع الدولي، وهنا تحديدا الغرب، إنما يضغط لفرض الحكومة الجديدة في طرابلس حتى تتمكن من طلب التدخل العسكري الدولي. هذا التدخل الذي أطاح بالنظام السابق وترك البلاد في فوضى ودمار إذا تدخل لن يكون بغرض الحل أيضا وإنما بغرض “فرض ارداته”. وتتمثل تلك الأخيرة فيما تحدثنا عنه هنا في هذه الزاوية من قبل من استراتيجية أنغلوأمريكية تريد تنصيب ما يسمونه “الاسلام السياسي المعتدل” ويخوفون الجميع في مقابله بما يوصف بأنه “الإسلام السياسي المتطرف”. وللتذكير أيضا، فإن ذلك التوجه لا يخرج عن كونه عمليا “ارضوا بالإرهاب المعتدل بدلا من الإرهاب المتشدد”.
إذا صح أن تشكيل حكومة السراج والضغط لإدخالها طرابلس يستهدف تدخلا عسكريا خارجيا فنحن أمام تكرار لما حدث قبل نحو خمس سنوات من تدخل الناتو. ويمكن ببساطة توقع النتائج: لن يقضي التدخل على القاعدة وداعش في ليبيا وإن نصر جماعات متشددة أخرى وقوى شوكتها. وهكذا لننتظر مزيدا من الفوضى والدمار وانسكاب الإرهاب على دول الجوار. وربما ينتهي الأمر بطريقة الحل في ليبيا أن تجر معها ما يتطلب الحل في تونس ومصر والجزائر. وساعتها لن يقتصر التدخل الخارجي على من يذكرون الآن: بريطانيا وفرنسا وايطاليا وألمانيا ومعهم أمريكا، بل ربما نشهد تدخلا روسيا ايضا كما حدث في سوريا. وللأسفى سيكون كل ذلك تحت شعار “مكافحة الإرهاب” بينما في النهاية يفرخ المزيد من الإرهاب.

إلى الأعلى