الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (إنَّ إبراهيمَ لحليمٌ أواهٌ منيب)

(إنَّ إبراهيمَ لحليمٌ أواهٌ منيب)

أيها القراء الأعزاء:
نريد أن نقف وقفة مهمة للتأكيد علي طلاقة قدرة الله عزوجل، فالله قادر أن يغير حقيقة المخلوق، ويغير صورة المخلوق ويغير صفة المخلوق، ويظهر ذلك جليا من خلال حياة الأنبياء في القرآن الكريم علي النحو التالي:
ـ تغير صفة المخلوق: النار طبيعتها الإحراق، ولكن الله جعلها بردا وسلاما علي إبراهيم ـ عليه السلام ـ فلم تضره وخرج منها سالما:(يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين).
والماء طبيعته الاستطراق لأنه مادة مائعة لا تتراكم بعضها فوق بعض ولكنه ينساب علي الأرض أفقا حتى يصل إلي أدنى بقعة أو يتخلل إلي طبقات الأرض، ولكن كيف يصبح هناك جبل من ماء متماسك بلا حواجز ولا أسوار كما حدث عند انفلاق البحر لموسى ـ عليه السلام ـ وعبور بني إسرائيل البحر في اثني عشر طريقا يبسا ويرى بعضهم بعضا من خلال الماء؟ أليست هذه في ذاتها معجزة باهرة تأخذ بالألباب وتثبت اليقين في القلوب؟ (فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربي سيهدين. فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم. وأزلفنا ثم الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا الآخرين. إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم)، وفي موضع آخر قال:(ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى، فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم، وأضل فرعون قومه وما هدى).
ـ تغير صورة المخلوق: كما حدث للملائكة عند قدومها علي إبراهيم ـ عليه السلام ـ في هذه القصة، وكما جاء جبريل ـ عليه السلام ـ في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه من الصحابة أحد، فجلس علي ركبتيه وأخذ يسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة، فلما ولى أخبرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) أن هذا الرجل هو جبريل جاء يعلمهم أمر دينهم . وهنا الذي تغير هو صورة المخلوق فقط لا صفته ولا حقيقته.
ـ تغير حقيقة المخلوق: كما حدث لعصا موسى ـ عليه السلام ـ عندما ألقاها فإذا هي حية تسعى، فلما رآها السحرة علموا يقينا أنها حية حقيقية وليست حبالا وعصيا يُخيّل إليهم من سحرها أنها تسعى كما حدث لعصيهم وحبالهم التي خدعوا بها أبصار القوم، وهنا أيقنوا أنها معجزة وأن صاحبها مؤيد من عند الله، فخرّوا لله سجدا وقالوا آمنا برب هارون وموسى.
بشرى إبراهيم ـ عليه السلام ـ بالولد أذهبت عنه الروع ولا سيما عندما علم بحقيقة الملائكة وما أرسلوا له، وهذه لفتة للمؤمنين في فهم التعامل مع الأسباب وعدم التعلق بها إيماناً ويقيناً، فليس هناك مستحيل أو محال علي قدرة الله الذي يقول كن فيكون، ولكن هذه المعجزات يؤيد الله بها رسله وأنبياءه كما يؤيد غيرهم من عباده الصالحين والمؤمنين بالنصرات الغيبية، لأنهم في ميدان الدعوة يتعرضون لمواجهات عصيبة فيظهر الله غيرته علي أوليائه وعباده الصالحين، وقد حدث للصحابة من ذلك مواقف عديدة لأنهم كانوا في الميدان ويقومون بمهمة الأنبياء في الدعوة والبلاغ والإصلاح. ذكر المتقي الهندي في كنز العمال:(عن شرحبيل بن مسلم الخولاني أن الأسود بن قيس بن ذي الخمار تنبأ باليمن فبعث إلى أبي مسلم الخولاني فأتاه فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد محمداً رسول الله؟ قال: نعم، فأمر بنار عظيمة ثم ألقى أبا مسلم فيها فلم تضره فقيل للأسود بن قيس إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك من اتبعك، فأمره بالرحيل فقدم المدينة وقد قبض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واستخلف أبو بكر (رضي الله عنه)، فأناخ راحلته بباب المسجد ودخل يصلي إلى سارية فبصر به عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فقام إليه فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل اليمن، فقال: ما فعل الذي حرقه الكذاب؟ (زاد في المنتخب بالنار) قال: ذاك عبد الله بن ثوب قال فنشدتك بالله أنت هو؟ قال اللهم نعم فاعتنقه عمر وبكى، ثم ذهب به وأجلسه فيما بينه وبين أبي بكر الصديق فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) من صنع به كما صنع بإبراهيم خليل الرحمن ـ عليه السلام ـ فلم تضره النار.
(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ. يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)، لما علم إبراهيم ـ عليه السلام ـ بهلاك قرى لوط خاف علي ابن أخيه نبي الله لوط ـ عليه السلام ـ أن يصيبه ما يصيب القوم ، ولكن الملائكة طمأنته أنه لن يصيبه ضر ولا أذى إلا امرأته لأنها كانت علي طريقة القوم، وقد وصف القرآن الكريم إبراهيم ـ عليه السلام ـ بصفات عظيمة هي حلية كل مؤمن يقتدي بمن سبقوه من أئمة الهدى وصفوة خلق الله: حليم: لا يسرع إليه الغضب ولا تستفزه شهوة ولا يعجل بالانتقام. أواه: قال ابن عباس (رضي الله عنه) وغيره هو الموقن. المنيب: من الإنابة وهو كثرة الرجوع إلى الله.
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إنّ التشبه بالكرام فلاحُ
عن ابن عمر (رضي الله عنه) قال: قال أهل المدينة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): ادخل المدينة راشدا مهديا، فدخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المدينة فخرج الناس فجعلوا ينظرون إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، كلما مر على قوم قالوا: يا رسول الله! ههنا! فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): دعوها فإنها مأمورة ـ يعني ناقته ـ حتى بركت على باب أبي أيوب الأنصاري (رضي الله عنه).
روى الطبراني عن أبي أيوب (رضي الله عنه) قال:(لما نزل عليّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قلت بأبي وأمي! إني أكره أن أكون فوقك وتكون أسفل مني، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إنّ أرفق بنا أن نكون في الأسفل لما يغشانا من الناس، فلقد رأيت جرة لنا انكسرت فأهريق ماؤها فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها فننشف بها الماء فرقا من أن يصل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منا شيء يؤذيه، فكنا نصنع طعاما، فإذا ردّ ما بقي منه تيممنا موضع أصابعه، فأكلنا منها نريد بذلك البركة، فردّ علينا عشاءه ليلة وكنا جعلنا فيه ثوما أو بصلا فلم نر فيه أثر أصابعه، فذكرت له الذي كنا نصنع والذي رأينا من رده الطعام ولم يأكل! فقال: إني وجدت منه ريح هذه الشجرة وأنا رجل أناجي فلم أحب أن يوجد مني ريحه، فأما أنتم فكلوه).
هل بعد ذلك أدب للضيافة من المضيف وحرصه على راحة وفرح وسرور المضيف وتقديم كل ما يمكنه فعله ليرضيه ويسعده، وهذا مثال تقتدي به الأمة من سلفها الصالح، وانظر أيضاً إلى قمة الأدب وسمو الخلق من الضيف (صلى الله عليه وسلم) وشدة رحمته ورفقه وشفقته على من نزل عليه ضيفاً، إحياء هذه السنن والآداب والأخلاق يزرع المحبة في القلوب وتوصل به الأرحام المقطوعة، وتتواصل به الأجيال وتتآلف عليه النفوس، والمؤمنون يجب أن يكونوا هكذا أمة واحدة وجسد واحد.

علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى