الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / احذروا هذا الخلق السيء

احذروا هذا الخلق السيء

كلما هاجمت النفس البشرية نوازع الأثرة وحب الثناء و تقدير الجاه وانتشار الصيت والتطلع إلى العلو والرفعة ولو على أكتاف الآخرين انطفأت حرارة الإخلاص فيها وتربع على عرشها الرياء وإذا كان البدن قد تعتريه أجواء شتى لا يشفى منه الجزء المصاب إلا بعلاجه أو بتره فإن للأعمال الصالحة أيضاً عللاً قد تفتك بها وتحول اتجاهها من الخير إلى الشر والفساد ومن أخطر هذه العلل الرياء الذي قد يخرج من يعتل به من دائرة الإيمان إلى دائرة الشرك والعياذ بالله.
من أجل ذلك حذرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الوقوع في الرياء والتظاهر والافتخار الممقوت، فقال (صلى الله عليه وسلم):(اليسير من الرياء شرك ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا وإن حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة) ـ المستدرك حديث صحيح ولم يخرج في الصحيحين قد يقوم الإنسان بعمل ما فهو وجه الله تعالى ولكنه في نفس الوقت يتحرك في نفسه حب الظهور فيتمنى أن يراه الناس أثناء قيامه بهذا العمل ليحيطوه بهالة من الثناء والإعجاب إن مثل هذا الإنسان قد خلط عملاً صالحاً بآخر سيئاً لأن الله تعالى يريد من عبده أن يكون عمله خالصا لوجهه الكريم لأنه واحد لا شريك له فهو الذي يحيي وحده ويميت وحده ولا رازق غيره ولا نافع سواه هو الخالق ولا أحد إلا هو سبحانه وتعالى .. فلماذا لا يكون عمل الإنسان لله وحده؟ فهذا الذي يريد لعمله أن يكون متأرجحاً بين الله وبين عباده أو بين الإخلاص والرياء هو ضعيف الإرادة ناقص الإيمان واهن العقيدة ومن أجل بيان مصير هذا العمل الذي أريد به وجه الله ووجه الناس سأل رجل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله إني أقف الموقف أريد وجه الله وأريد أن يُرى موطني فلم يرد عليه النبي حتى نزلت الآية الكريمة في سورة (الكهف ـ 110):(فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً).
إن الإجرام الذي يقع في العلن يفرض له من القوانين ويسن له من اللوائح ويخترع له من الإصلاحات ما هي كفيلة بتعقب المجرمين والعمل على تقويمهم وإصلاحهم أما المراءون فهم يقومون بعمل إجرامي أيضا ولكنه لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى فلا تستطيع أي سلطة أن تسوي قوانين لإنزال العقوبات على مجرمي الرياء من أجل ذلك كثف الإسلام حملاته على محترفي الرياء لأن خطرهم لا يتوقف عند حد فالرياء يوصل صاحبه إلى النفاق والعياذ بالله فتُسلب الحقوق وتُأكل أموال الناس بالباطل وتُضيًّع الأعمال وتُقلب الحقائق وليت هذا الخطر يتوقف عن الأفراد بل يتعداهم إلى كل المجتمع فتسري فيه سمومه التي تنخر في عظامه شيئا فشيئا حتى يقضي على الفضائل السامية والأعمال الصالحة ويحيل المعروف منكرا والمنكر معروفاً.
ومما يثير العجب ويدعو إلى الدهشة أن يظل الإنسان يرائي الناس طوال حياته في عمله وقوله وهو يعلم تمام العلم أن الناس لا يملكون له ضرا ولا نفعا ومع ذلك يترك رضا الله القوي الغني ويلهث وراء إرضاء الناس طمعاً في ثنائهم عليه ولذلك جاء عن أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري قال:(سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك) ـ رواه الترمذي في سننه إن هذا الحديث يوضح بما لا يدع مجالا للشك بأن العمل إذا أريد به وجه الله كان ثوابه من الله تعالى وإن كان العمل يراد به وجه الناس فالواجب أن يكون الثواب من الناس ولكن هيهات أن يعطي الناس جزاء أو يمنحوا ثوابا لأنهم لا يملكون نفع أنفسهم فكيف ينفعون غيرهم وعلى ذلك فيجب على القائد في ميدان الحرب والجندي في ميدان المعركة أن يكون جهادهم وكرهم وفرهم دفاعهم عن وطنهم في سبيل الله ولوجهه الكريم دون طمع في رتبة أو انتظار لقب أو الحصول على شارة بل يجب أن يطمع في إحدى الحسنيين أن ينظر النصر أو يحصل على الشهادة حتى وإن لم يكن هناك حرب فيكفيه الرباط في سبيل الله شرفاً وحراسته لوطنه عزاً وحمايته لدولته فخراً، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قلت: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو فقال (صلى الله عليه وسلم):(يا عبد الله بن عمرو إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابراً محتسباً وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا يا عبد الله بن عمرو على أي حال قاتلت أو قوتلت بعثك الله على تلك الحال) ـ سنن أبي داود.
فعلى العامل في مصنعه أو الموظف في وظيفته أن يعمل ويتقن عمله لا يكن عمله رياء ويقول في نفسه بقدر الراتب أعمل لا ينبغي له ذلك لأنه رضي بالعمل على هذا القدر من الراتب ولا ينبغي له تعطيل مصالح الناس بل يعمل وهو يبتغي وجه الله وثوابه حتى يرضى الله عنه في الدنيا والآخرة كما أنه في وظيفته ومصنعه يعتبر في عبادة الله تعالى طوال الدوام ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إذا كان آخر الزمان صارت أمتي ثلاث فرق فرقة يعبدون الله خالصا وفرقة يعبدون الله رياء وفرقة يعبدون الله يستأكلون به الناس فإذا جمعهم الله يوم القيامة قال للذي يستأكل الناس بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ قال: وعزتك وجلالك أستأكل به الناس قال لم ينفعك ما جمعت شيئا تلجأ إليه انطلقوا به إلى النار ثم قال للذي كان يعبده رياء بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ قال: بعزتك وجلالك رياء الناس قال لم يصعد إلي منه شيء انطلقوا به إلى النار ثم يقول للذي كان يعبده خالصا بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ قال بعزتك وجلالك أنت أعلم بذلك مني أردت به ذكرك ووجهك قال صدق عبدي انطلقوا به إلى الجنة) المعجم الأوسط للطبراني.
.. هذا والله تعالى أعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى