الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مقدمة في علوم القرآن (2 ـ 2)

مقدمة في علوم القرآن (2 ـ 2)

تكلمنا فيما سبق عن المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمتي (علم) و(القرآن) ومن ثم توصلنا إلى معنى (علوم القرآن) الاصطلاحي باعتباره الإضافي, وسنواصل هنا إن شاء الله عن معناه العلمي الاصطلاحي, وبعض الماسائل المتعلقة بإطلاق القرآن على ماذا؟ وبمعنى (كلام) وموضوع (علوم القرآن) وفوائده ونذكر بعض أسماء القرآن.
معناه العلمي وموضوعه:
هو مباحث كلية تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وأسباب نزوله وجمعه وكتابته وتفسيره واعجازه وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومبينه وابهامه ومكيه ومدنيه وقراءاته والرد على شبهات المفترين عليه, ونحو ذلك.
يلاحَظ أن موضوع (علوم القرآن) بمعناه الأضافي هو أوسع منه بمعناه العلمي فالأول يشمل علوم العقيدة والشريعة واللغة بينما الثاني يشمل مباحث كلية كما سبق ذكرها.
نأتي إلى القرآن ففي وضع اسمه على مسماه ثلاثة آراء:
1ـ عَلَم شخصي حيث إنه يطلق مُعيَّناً على النظم المخصوص المعجز.
2ـ مشترك لفظي حيث يطلق على بعضه كما يطلَق على كله كل على حدة فهو أي بلا قدر مشترك كما تقول عين بمعنى الباصرة وبمعنى الماء وبمعنى الجاسوس وبمعنى الذهب .. الخ فكما تلاحظ ليس بينها اشتراك معنوي فمعانيها مختلفة وإنما اشتراك لفظي فقط.
3ـ مسماه كلي أي يطلق على القدر المشترك بين الكل وأجزائه فإذا صدق على آية فأكثر فإنه يتكون من أجزاء كثيرة فيشمل الآية فأكثر وهو كالاشتراك المعنوي.
ويذهب الدكتور محمد محمد شهبة إلى أن القرآن علم شخصي مشترك لفظي بين الكل وأجزائه لأنه يطلق على سورة وعلى آية ونحو ذلك كما يطلق على كله لحديث علي: كَانَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) :(يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمُ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، لَيْسَ الْجَنَابَةَ) فأطلق لفظ (القرآن) على بعض الآيات لأنه من يذهب ثم يخرج من الخلاء لا يسعفه الوقت لقراءة القرآن كله و إنما بعضه.
فوائد (علوم القرآن) وموضوعه:
1ـ يسهِّل دراسة القرآن وتفسيره.
2ـ يُسلِّحُ متعلمه ليواجه الشبهات المثارة في القرآن الكريم فيهب مدافعاً عنه.
3ـ اكتساب معلومات لا تُضاهي والعلم كله القرآن وما سواه من العلوم فهو تأويل له وبيان وأي علم أفضل من علوم القرآن.
4ـ معرفة جهود السلف في دراسة القرآن وفي حفظهم له الذي هو ناتج من حفظ الله له.
وفضل (علوم القرآن) ناتج من فضل وشرف موضوعه الذي هو كلام الله فهو عالي المقام أشرف الكلام جامع الثمار جم الفوائد.
القرآن كلام الله:
أي: أن لفظه ومعناه من عند الله جل جلاله قال الله سبحانه:(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة ـ 6).
والكلام عموماً قسمان هما:
1ـ الكلام اللفظي وله إطلاقان:
أ ـ بمعنى التكلم (المصدر): وهو تحريك اللسان ومخارج الحروف للنطق بالحروف.
ب ـ المتكلم به ـ المعنى الحاصل بواسطة المصدر ـ وهي الحروف والكلمات المنطوقة.
2ـ الكلام النفسي: وله إطلاقان:
أ ـ التكلم: وهو تحضير الشخص للكلمات التي يراد أن يُنطَق به في ذهنه قبل نطقها.
ب ـ المتكلم به: هي الكلمات النفسية الذهنية التي قد تنطَق لسانياً, والدليل عليه قوله سبحانه:(فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ)(يوسف ـ 77) فسماه سبحانه قولاً مع إنه كان حديثاً نفسياً.
ويعتبر أهل الكلام في تعريفهم لكلام الله بالمعنى النفسي لأنهم يتحدثون عن صفات الله تعالى الذاتية أي النفسية, بينما يعتبر الأصوليوزن والفقهاء وأهل اللغة فيه التعريف الكلام اللفظي لأنهم يستخرجون الأحكام والقواعد بالاستقراء والعربية والاعجاز من ألفاظه.
من أسماء القرآن:
وأشهر اسمان لكلام الله: القرآن والكتاب, وسمي القرآن قرآناً لأنه متلو بالألسن و الكتاب بمعنى المكتوب و(كتب) بمعنى جمع و ضمّ لأن ألفاظ القرآن تُجمَع وتُضمُّ في الكتابة وقد جمع الله فيه ثمرة كتبه جمعاء قال الله تعالى:(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(النحل ـ 89).
وفيه هذان الاسمان دلالة على أنه مسموع بالأذن من قارئه ومقروء بالعين من كاتبه, وفيه إشارة إلى وجوب حفظه في الصدور والسطور جميعاً ولا بد أن يتطابقا قال الله تعالى):إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(الحجر ـ 9), وهذا القرآن نُقِل تواتراً شفاهةً و كتابةً حتى يومنا هذا وهو محفوظ لأنه خالد إلى يوم القيامة بخلاف الكتب السابقة.
وللقرآن أسماء كثيرة وكثرة الاسماء دليل على شرف المسمى كما تتعدد اسماء الأسد, ومن أسمائه الفرقان وهو بمعنيان:
1ـ بمعنى اسم فاعل (الفارق): لأن يفرق بين الحق والباطل.
2ـ بمعنى اسم مفعول (المفروق): لأنه نُزِّل منجماً أي مفروقاً في ثلاث عشر سنة على النبي (صلى الله عليه وسلم).
ومن اسمائه (النور) قال الله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ ‏رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا)(النساء ـ 174)‏ لأنه يكشف الحقائق ويرفع ظلمات الكفر والجهل ويُظهِر مبهمات الخلال والحرام.
ومن اسمائه أيضاً (الذكر) لما فيه المواعظ والذكرى والتبشير والتنذير, قال الله سبحانه وتعالى:(وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)(القلم ـ 51), أو لما فيه من شرف وفخر للمؤمنين به قال الله تعالى:(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)(الزخرف ـ 44).
وقد كان القرآن مكتوباً كله في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) دون أن يُجمَع حتى إذا كان عهد أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ جُمِع في صحيفةٍ واحدة أو صحائف مجموعة مجرداً منه ما ليس بقرآن وكان ذلك بإجماع الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وأَطْلَق أبو بكر عليه اسم (المصحف) سمي كذلك باسم المحل الذي كُتِب فيه مجموعاً, وكان بقراءات شتى حتى كان عهد عثمان ـ رضي الله عنه ـ فجمعه في مصحف واحد يغلب عليه لغة قريش, وهو المتداول بيننا الآن وسُمِّي بالمصحف العثماني وكان كذلك بإجماع الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ هذا ويصح المصحف دون القرآن فيقال: مصاحف, ونحن نرى أن هناك من المصاحف المطبوعة ما لا يُحصَى.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى