السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العراق بين الشرود والتشرد السياسي

العراق بين الشرود والتشرد السياسي

عادل سعد

” .. إذا كان العديد من الدراسات السيسولوجية (الاجتماعية) تفيد أن المتشردين عمومًا تحكمهم نزعة العداء بينهم مثلما تحكمهم نزعة النبذ للمجتمع، فإن النسخة السياسية العراقية في هذا الشأن تحمل ذات التوصيف، وإن كان الوضع بالحالة النسبية مع الاختلاف في استخدام الأدوات ونوعية هذه الأدوات.”

هل نحن أمام نسخة عراقية بامتياز عن التشرد السياسي، لا شك أن التشرد بالنسخة الاجتماعية المعروفة تنطبق على الذين لا مأوى معين لهم وينتقلون من مكان إلى آخر، ويكابدون أنواعًا من الحاجات المتفاقمة غير مهتمين بالسوء الذي يتقمصهم، لأنه صار جزءًا أساسيًّا من حياتهم اليومية، وبذلك يستطيعون أن يتنكروا إلى كل ما هو مألوف ومستساغ في الحياة اليومية، مع هامش من التلذذ بالوشايات.
لا شك أن بعض المتشردين فرضت عليهم ظروفهم القاسية مثل هذا الوضع المزري، وآخرين ارتضوه سلوكًا لهم في إطار نزعة التصعلك عمدًا أو بسبب الجزع والإعياء الذي يجيدونه في الظروف الحياتية الاعتيادية بما فيها من مسؤوليات ومتاعب.
أما بالنسبة للتشرد بالنسخة السياسية العراقية الشائعه فهي من النوع الثاني؛ أي بمعنى أن عددًا من السياسيين العراقيين ارتضوا بأناقاتهم أمام الإعلام أن يعلنوا رفضهم لهذا الموقف أو ذاك، يطرحون أنفسهم عصاميين دعاة إصلاح بكل ما يعني هذا التوصيف من معنى، مدعين أنهم سياسيون متنفذون ومنفتحون، وأن الواجب الوطني يفرض عليهم ذلك، بل يذهبون أبعد بالقول إن العراق إذا لم يأخذ بما يطرحونه فإن سفينته آيلة إلى الغرق في كل الأحوال والمواقف.
السياسيون العراقيون المتشردون تستطيع أن تجدهم في أغلب المؤسسات السياسية الحاكمة في هيئات ومؤسسات تزعم أنها نذرت وجودها لمصلحة البلاد، في حين أنها تعاني من العصاب السياسي المتغير تبعًا للمواقف، وما تفرض هذه الحاجة أو تلك من كسب مادي وادعاء الأولوية بضغط الانتماءات الفرعية، وللتدليل على ذلك يكفي أن بعضهم مصابون بما يعرف بالتلون وفق مصالحهم، وهكذا تجدهم يتنقلون من هذه الكتلة السياسية أو تلك ويعلنون استقلالية مواقفهم، أو ينتمون إلى بعض الكتل التي كانت من ألد الخصوم لهم.
وإذا كان العديد من الدراسات السيسولوجية (الاجتماعية) تفيد أن المتشردين عمومًا تحكمهم نزعة العداء بينهم مثلما تحكمهم نزعة النبذ للمجتمع، فإن النسخة السياسية العراقية في هذا الشأن تحمل ذات التوصيف، وإن كان الوضع بالحالة النسبية مع الاختلاف في استخدام الأدوات ونوعية هذه الأدوات.
كيف لا يكون ما نعانيه سياسيًّا في العراق هو نوع من التشرد، في حين أن الرأي العام العراقي لا يستطيع حتى الآن أن يمسك ولو بجزئية واحدة تعبر عن وحدة الهدف الوطني الذي يحرك هذا المد من السياسيين المخضرمين أو الطارئين على الحدث ضمن الرضا والقبول، أو تحت حالات المناكفة والمناكدة (وإسداء) التهم لهذا الطرف أو ذلك، وكيف لا يكون شرودًا أو تشردًا سياسيًّا عن الواقع، بينما العراق الآن على حافة المجهول في زحمة من القلق اليومي والتذبذب في الميادين الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، مع استمرار بروز الحس الطائفي ضمورًا أو ظهورًا، ولذلك تراهم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها على قضية مست طائفتهم، في حين يلوذون بالصمت والتشفي على قضايا تمس طوائف أخرى، وكيف لا يكون شرودًا عن الواقع حين تدعي كتلة معينة أن جميع الوزراء والنواب الذين يمثلونها ملائكة وأصحاب أيدٍ نظيفة وشرف ونقاء لا تضاهيه أخلاق ملائكة أخرى!
على أي حال، الشرود أو التشرد السياسي صار ماركة عراقية وإن كان له بعض ما يشابهه في بلدان عربية أخرى، وإذا كانت هناك إجراءات معينة للحد من ظاهرة التشرد الاجتماعي في إيجاد مأوى للمتشردين وخدمات يقبلون بها، فإن التشرد السياسي لا توجد إجراءات رادعة تحد من انتشاره إلا بأن يمتلك الرأي العام العراقي القدرة اليومية الكاملة في تشخيص أمراض هولاء السياسيين، وتلك مهمة على درجة من الصعوبة، لكنها في حكم النجاح إذا كانت هناك مثابرة حقيقية من العراقيين في التصدي للمعضلات القائمة، وهذا هو المدخل الحقيقي للإصلاح.

إلى الأعلى