الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العمل الفلسطيني وجيل ما بعد أوسلو

العمل الفلسطيني وجيل ما بعد أوسلو

علي بدوان

”إن الجيل الفلسطيني الجديد المنتفض، الجيل الذي يستكمل المشوار الوطني والمسيرة، جيل الشباب الواعد، جيل مابعد عملية التسوية المنهارة، جيل ما بعد أوسلو، يرسم يوميًّا وعلى الأرض معالم المشروع الفلسطيني القادم، ويدفعنا نحو التفاؤل، ونحو التقاط واكتساب جرعات الأمل في ظل الظلام الدامس الذي يَلِفُ المنطقة العربية.”

الهبات الشعبية الفلسطينية في الضفة الغربية ومنطقة القدس، والتي بدأت في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2015، تُشكّل نقطة تحوّل مهمة لتجاوز حالة الانسداد (المؤقت) التي بلغها المشروع الوطني الفلسطيني، وقد جاءت لتثبت أن جيل ما بعد “التسوية” لم يُصبح ـــ كما أراد بعض المتوهمين ـــ جيلًا مُتقبلًا لأوضاع ما بعد “التسوية” المنهارة أصلًا. فهو جيل فلسطيني يُبدع وسائل نضاله، وفي تنويع أساليب وأنماط انتفاضته الشعبية، ولا يقبل أن يَمُر في هذا العالم مثل سحابة جافة، دون أن يترك بصمته في رفض الاحتلال على أرض فلسطين. كما هو الجيل المؤهل أو المنوط به في استكمال المسيرة الكفاحية الفلسطينية، معطيًا للقضية الوطنية الفلسطينية الاستمرارية التاريخية التي تضمن في نهاية المطاف الحل العادل والناجز للقضية الوطنية الفلسطينية على كامل أرض فلسطين التاريخية.
إن الجيل الفلسطيني الجديد المنتفض، الجيل الذي يستكمل المشوار الوطني والمسيرة، جيل الشباب الواعد، جيل ما بعد عملية التسوية المنهارة، جيل ما بعد أوسلو، يرسم يوميًّا وعلى الأرض معالم المشروع الفلسطيني القادم، ويدفعنا نحو التفاؤل، ونحو التقاط واكتساب جرعات الأمل في ظل الظلام الدامس الذي يَلِفُ المنطقة العربية.
إنه جيل معركة النفس الطويل، المبنية على النظر إلى بعيد وربما إلى مدى تاريخي. إنه الجيل الذي يُشكّل المكوّن الأساس للحراك الهائل الجاري في فلسطين من دون فصائل متقوقعة على ذاتها، أو أيديولوجيا جافة مغلقة، ودون عصبيات تنظيمية أو تزمت مقيت. إن كل ذلك، بشير على الدور المهم الذي يمكن للشباب الفلسطيني أن يؤديه في إعادة صوغ المشروع الوطني الفلسطيني ورسم طريقه على الأرض.
إن الحراكات الشبابية اليومية والمستمرة على أرض فلسطين، أشّرت في جانبٍ هام منها على التراجع الكبير في عمل الفصائل الفلسطينية، سواء بسبب تحولها لأطر بيروقراطية حاكمة، أو لجهة فشلها في تجديد طروحاتها الفكرية والبرامجية، وتفعيل بناها التنظيمية، وتكلس هيئاتها، وتسلط مجموعات ضيقة منها على سدة القرار والمكاسب الآنية، وهذا ما حصل بشكل خاص في حال العديد من فصائل اليسار الفلسطيني.
ومن هنا، إن استشفاف المرحلة التالية من العمل الفلسطيني، ترجح ضرورة اعتماد استراتيجية النفس الطويل المبني على النظر إلى مدى تاريخي. إلى ممارسة كل أشكال المقاومة، ومنها الأنماط والأساليب المناسبة لكفاح يومي مرير وطويل الأمد، في المقاومة المدنية التي ينتظم من خلالها كل الشعب الفلسطيني، وبالعمل على جلب واكتساب المزيد من تعاطف شعوب العالم وتضمنها على امتداد المعمورة، وهو ما بات يلحظ في نشاط وعمل الحملة العالمية لمقاطعة “إسرائيل” وفرض العقوبات عليها (bds)، والتي يقودها متطوعون من فلسطين وعموم العالم وخاصة من دول الغرب الأوروبي.
إن تطوير العملية الوطنية الفلسطينية، يصطدم بعقبات كبيرة، على رأسها مسألة الانقسام الفلسطيني الداخلي واستتباعاته، فضلًا عن استمرار الرهان على عملية “التسوية السياسية” المسدودة الأفق، والتي لم تتمكن الجهات الدولية وبالذات الولايات المتحدة بالتعاون مع الحلفاء الإقليميين من إعادة إطلاق مرحلة جديدة منها، رغم محاولاتها تأسيس حالة يستديم فيها الدعم الاقتصادي ويجدد من خلالها حالة الهدوء في الضفة الغربية لسنوات قادمة، وتصدير وترويج نظرية “السلام الاقتصادي”.
إن طريق الانتقال بالحالة الفلسطينية إلى تموضعات استراتيجية جديدة في المرحلة التالية من مسار الكفاح الوطني الفلسطيني، يفترض العمل من أجل الخروج والخلاص من مستنقع الانقسام والتشظي برؤى خلاّقة ومبدعة، ترتكز على قواعد راسخة في العقل، وتؤسس لانطلاقة جديدة تُعيد صياغة الحاضر والمستقبل بما يتلاءم وطموحات الشعب الفلسطيني الوطنية المشروعة في الحرية والعودة، وطموحات أجياله في بناء مؤسسات وطنية متماسكه يسودها النظام والقانون وتحقق العدل والمساواة، وتجسد التنوع السياسي والفكري في النسيج الوطني الفلسطيني بطريقة ديمقراطية حقيقية.
وفي هذا السياق، فإن كل القوى الفلسطينية مدعوة لاستكمال كل ما تمخضت عنه جولات الحوار الوطني الفلسطيني التي امتدت لفترات زمنية، وتحت سقف برنامج ائتلافي يتوافق عليه الجميع. فالشعب الفلسطيني يستطيع أن يخرج من هذا الحصار المستديم بالصمود والمثابرة، وباشتقاق السياسات والتكتيكات الصائبة تحت إدارة قيادة جماعية موحدة، تُثَمّر مكامن القوة الفلسطينية وأوراقها المتناثرة. وتعيد الإعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية ولمكانتها في رسم مسير ومصائر الشعب الفلسطيني.
إن إنجاز تلك المهمة، دونه صعوبات كبيرة، وكبيرة جدًّا، فالفيتو “الإسرائيلي” مُعلن وجاهز في رفض اعادة توحيد الساحة الفلسطينية وإبقاء الحالة الفلسطينية على ما هي عليه من حيث إدامة حالة الانقسام والتفكك. لكن الإرادة الفلسطينية التوافقية، يُمكن لها حال توفرت النوايا الصادقة أن تقفز عن الفيتو سابق الذكر، وأن تشتق الأفكار الخلاقة لإعادة لملمة البيت الفلسطيني على أساس توافقي وحدوي. بحيث يتم صناعة وانتاج البديل التوحيدي عبر المسار الديمقراطي، الذي يضمن مشاركة الجميع في صياغة القرار، وتوجيه، وادارة دفة السفينة الفلسطينية، وعبر إعادة بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية الواحدة الموحدة، وليس الإتيان بــ”مؤسسات كوتا التعيين” دون المرور عبر صندوق الاقتراع. فالحيثيات كلها قد اختلفت في عصر آخر نعيشه الآن، والشعب الفلسطيني لن يقبل إلا بأوراق صندوق الانتخابات النـزيهة ممرًّا لقيادة ائتلافية جديدة على مستوى الرئاسة والمجلس التشريعي وباقي الهيئات والمؤسسات الوطنية الفلسطينية في الداخل والشتات، وعلى مستوى البرنامج الوطني التشاركي.
إن عملية إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة صياغة الحركة الوطنية الفلسطينية والنظام الفلسطيني برمته، تتوج عبر دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني، الحقيقي والمنتخب، تشارك فيه كافة القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والأكاديمية وممثلين عن الشباب والمرأة والأسرى المحررين وممثلين عن فلسطيني الداخل والشتات، ويفترض به أن يفضي لا لنسف القديم بل لتجديد الحالة الوطنية، ورفدها بالدماء الحية، بدلًا من أصحاب العروق التي تيبست وشاخت، وبالتالي في توليد نخبة سياسية فلسطينية جديدة من أبناء الداخل والشتات، ومن كل الأطياف، وفي إطار برنامج الإنقاذ والخروج من حالة العجز، وفي تلازم السياسات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية وتناغمها مع خطاب حركة تحرر وطني لشعبٍ واقع تحت الاحتلال.

إلى الأعلى