الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حقيقة النقود

حقيقة النقود

جواد البشيتي

”.. مع تقسيم، واتِّساع تقسيم، العمل، وتنوُّع المنتجات، اشتدت الحاجة إلى سلعة ما، لتؤدِّي وظيفة “النقد”، أو إحدى وظائفه (واسطة لتبادل السِّلَع). وقد تواضَع وتوافَق الباعة والشراة على سلعة ما (أو على بعض السِّلَع) قبل ظهور “النَّقْد الذَّهبي” لتؤدِّي وظائف “النقد”، أو وظيفتا “مقياس القيمة” و”واسطة التبادل”.”

في بعضٍ من أهم بذوره، يعود علم الاقتصاد السياسي إلى أرسطو وابن خلدون.
هل النقود (المال، أو الأموال) تَلِد؟ هل تَلِد مولودًا من جنسها؟ هل المال يَلِد مالًا؟
أرسطو، وقَبْل قرون من الزمان، وبذهنه الوقَّاد، أدركَ “الحقيقة”، فقال إنَّ المال لا يَلِد مالًا؛ فالمال في حدِّ ذاته عاقِر.
مع نشوء واتِّساع التبادل (تبادُل السِّلع) اشتدت الحاجة إلى “النقود”؛ فظهرت “النقود السِّلعية” أوَّلًا؛ ثمَّ “النقود المعدنية (الذَّهبية والفضِّية في المقام الأوَّل)”؛ ثمَّ “النقود الورقية”.
ومع تقسيم، واتِّساع تقسيم، العمل، وتنوُّع المنتجات، اشتدت الحاجة إلى سلعة ما، لتؤدِّي وظيفة “النقد”، أو إحدى وظائفه (واسطة لتبادل السِّلَع). وقد تواضَع وتوافَق الباعة والشراة على سلعة ما (أو على بعض السِّلَع) قبل ظهور “النَّقْد الذَّهبي” لتؤدِّي وظائف “النقد”، أو وظيفتا “مقياس القيمة” و”واسطة التبادل”.
وللسبب نفسه، اشتدت الحاجة إلى “المعادِل العام”؛ وكان “الذَّهب”، أو “سلعة الذَّهب”؛ فمعدن الذَّهب تَواضَع على اتِّخاذه “نقدًا” كل الناس؛ كل الباعة والشُّراة؛ فهو الذي بقليلٍ منه نحصل على سِلَعٍ قيمها التبادلية كبيرة؛ وهو الذي لا يتلف، وقابل للتجزئة، ويحتاج الناس دائمًا إلى اقتنائه واستعماله؛ وهو الذي، بصفة كونه “سلعة”، يظل محتفظًا بقيمته التبادلية نفسها زمنًا طويلًا.
“النَّقْد الذَّهبي” هو الدرجة العليا من “النقود السلعية”؛ ولقد غدا “مقياس قِيَم السلع جميعًا”، و”واسطة تبادلها”، و”وسيلة للادِّخار”؛ فلا ملاذ آمنًا لثروات الناس المادية، وفي أوقات الضيق والشدة على وجه الخصوص، إلاَّ المعدن الأصفر.
وكان يكفي تجميع مُدَّخرات الناس (من النقود الذَّهبية) في مكان واحد (أيْ البنك) حتى يزداد ويتَّسِع “الاستثمار”؛ فـ”المُسْتَثْمِر” الذي اقْتَرَض نقودًا ذهبية من البنك يَسْتَثْمِر هذا القرض في الصناعة، مُنْتِجًا سلعةً ما؛ و”النتيجة النهائية” هي “ربح ثلاثي”، ربح للمستَثْمِر، أيْ المُقْتَرِض، وربح للوسيط، أيْ البنك، وربح للمدَّخِر؛ فلا استثمار بلا ادِّخار؛ ولا ادِّخار قبل ظهور النقود الذَّهبية.
ومع مرور الوقت، واتِّساع تبادُل السِّلع أكثر، تحوَّل “النقد الذَّهبي” من شكله السِّلعي (أيْ من شكل سلعة الذَّهب) إلى الشَّكل الورقي، فظهرت “النقود الورقية”، التي تَرْمُز فحسب إلى “النقد السِّلعي الذَّهبي”؛ فـ”الورقة النقدية” لا قيمة (مادية اقتصادية) لها في حدِّ ذاتها؛ ثمَّ ظهر إلى الوجود “البنك المركزي”، الذي يملك سلطة إصدار هذه “الأوراق (النقود الورقية)”. وهكذا أضافت “الدولة” إلى سلطانها السياسي سلطانًا ماليًّا؛ فهي الآن تَطْبَع وتُصْدِر “النقود الورقية”؛ وإنَّ أهمية هذه “النقود الورقية” تكمن، فحسب، في كَوْن مواطني بلدي جميعًا يَثِقون بمُصْدِرها، وهو الدولة وبنكها المركزي.
كل ورقة نقدية يملكها شخص إنَّما تعني أنَّه “دائن”، وأنَّ أيَّ بائع (لسلعة أو خدمة) في بلده مدين له؛ وتعني أنَّ له حقًّا (مكفولًا قانونيًّا) في أنْ يشتري بها ما يريد من السلع والخدمات.
وأنتَ يكفي أنْ تملك دولارًا واحدًا حتى تصبح دائنًا، ويصبح كل بائع في العالم (والولايات المتحدة على وجه الخصوص) مدينًا لكَ.
“الورقة النقدية” إنَّما هي “رَمْز”، و”ممثِّل”؛ فإنَّها تَرْمُز إلى وَزْن ما من سلعة الذَّهب، أو تُمثِّله (وتنوب عنه). وقيمة هذا الوزن (أيْ قيمته التبادلية، بصفة كونه سلعة) ثابتة نسبيًّا؛ لكنَّ قيمته التبادلية النسبية (أيْ نسبةً إلى سلعة ما، أو سلع ما) تتغيَّر.
قُلْنا إنَّ أهمية “الورقة النقدية” تكمن في كونها تَضْمَن لصاحبها (أو حاملها) الحق في أنْ يحصل بواسطتها على سلعة، أو سلع؛ فلْتَسْأَلْ دائما: كَمْ من الذَّهَب الخالص أشتري بهذه “الورقة النقدية”؟ وكَمْ من سلعة ما (أو سلع ما) أشتري بها؟ إنَّ الإجابة تفيدكَ في معرفة “القيمة (أو القوَّة) الشرائية” لهذه “الورقة”.
إنَّني سأظلُّ “دائنًا” ما ظَلَلْتُ محتفظًا بـ”الأوراق النقدية”؛ ولن تزول صفة “الدائن” عنِّي إلاَّ عندما أشتري سلعًا بهذه “الأوراق”.

إلى الأعلى