الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: دمع لتدمر

باختصار: دمع لتدمر

زهير ماجد

ربما يغفر لمدينة روح التاريخ تدمر تحريرها من يد الإرهاب، ومع ذلك تدمع العين لقساوة التدمير الذي أحاقها، كان الدواعش لا يختلفون عن طالبان حين دمر تمثال بوذا المهيب، أو ما فعله هولاكو وتيمورلنك ببغداد التي كان يسكنها في ذلك الوقت ثمانمئة ألف نسمة.
ومع فرحها، كانت عين تدمر الدامعة تتذكر مجدها وأن لا أحد أهانها عبر تاريخها سوى إرهاب “داعش” .. خصوصا وأنها كانت تفتح ثورة عربية قادتها الزباء ضد أعتى الامبراطريات. باسم إسلامهم الذي ليس إسلاما، فعل الدواعش بالحجر والبشر ما لم يفعله حتى امبراطور الرومان حين سقطت تدمر بيده فوضع حتى في يدي زنوبيا سلاسل من ذهب ولم يوجه لها كلمة واحدة، بل لم يقتل من شعبها ما فعله الإرهابيون حين ذبحوا أهم خبير سياحي في المدينة المظلومة.
عار وأي عار سيلحق بهؤلاء، وحين سئل خبير عن المدة التي يحتاجها إعادة تدمر إلى سابق عهدها، أجاب بخمس سنوات. فهل يمكن إسكان الروح القديمة للمدينة كما سكنتها خلال قرون حضورها في تلك البادية الجميلة المتأهبة دوما في وجه الريح والمعبرة عن مسيرة أمة سيظل استحالة إخضاعها طالما أن لها عنفوانها الذي لم يتبدل أو يتغير.
قتلة التاريخ فعلوها في حلب التي تعتبر متحفا في الهواء الطلق، وهم يفعلونها اليوم في بصرى الشام، وسيفعلون مثيلها، خيارهم قتل التاريخ، والإسلامي تحديدا .. سلطوا لعنتهم على كل ما هو ناطق بحميمية الأمة، أو له صلة بانتصاراتها. كان همهم في العراق مثلا أن لا ترى عينهم أي ملمح لتاريخ الأمكنة التي كان فيها لإنسان ذاك الزمان حضور وحضارة. هم ولدوا لجملة غايات، تقديس التوحش والبربرية، قتل الحضارة في كل صورها المتاحة، نقل الإنسانية إلى عصور الظلام … حتى هذه كلها لا تروي ظمأ الإرهاب ولا تشغله عن غايات أبشع.
حزننا كان عظيما ونحن نرى دمار تدمر كما رأينا آثار نينوى وكل آثار العراق، ومثله في ليبيا، وكادوا في مصر أن يفعلوها لولا أن هب المصريون لحماية تاريخهم وشواهده، ولو أنهم وصلوا إلى لبنان لما تركوا فيه مشهدا مؤثرا لأي كان انتماؤه، للإسلام أو لغيره.
من المؤسف أن العالم المتحضر لم يبك فواجع من هذا النوع تخصه في الصميم .. ليست تدمر مجرد مكان له صيته، بل هو رحلة في قلب البشرية وفي تقلبات زمانها، بل هي معنى للعناد الإنساني في ارتباطه بالحرية والتعبير عنها رغم ما جرته على أصحابها. ومن المؤسف أيضا، أن لغة الحرية تلك، هي التي يتمسك بها هذا الغرب الذي احتضن الإرهاب في سوريا وهو يعرف أنه إرهاب مصمم على تدمير البشرية وليس سوريا وحدها، ومن ضمنها عالمه، ولعل ما حصل في أوروبا من عنف داعشي خير دليل وإشارات هامة لما يبغيه هذا الإرهاب ولما يخطط له وما هو المقصود من حضوره في مكان كي يصبح في كل مكان؟
دمع لتدمر، وإن كان الفخر بما حققه الجيش العربي السوري فيها من انتصار هو المعني قبل كل شيء. لكن دمعنا سيظل يهطل ونحن نرى كيف تتساقط تواريخ كانت مصانة في بلادنا، وكان لها من نكهة أمتنا التاريخية ما رفع رؤوسنا عاليا.

إلى الأعلى