الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / جَعْجَعَة الجمال

جَعْجَعَة الجمال

“لابد من ترك الصحراء نحو الماء”. كان والدي يجيد صنع المفاجآت، وكعادته لا يُمهد لقراراته. وساد الصمت برهة، وكأنها لم تسمعه أو تستوعب ما قاله، ثم هبّتْ جدتي واقفة وانطلقت كالرمح نحو باب الحوش، وما أن بلغته حتى استدارت، ووقفت تستنفر كل ما لديها من طاقة على الحركة والحديث، وعادت وقدماها تثيران عفار التراب وراءها، وصاحت في وجهه: “اللعنة عليكم يَهْل بحر.. مثل بحركم مَلْكُمْ أمان!” وظلت واقفة فوق رأسه تنتظر منه كلمة أو حتى همهمة لتصب عليه مزيدا من غضبها.

“مشـي بد من أخذ الأولاد إلى المدينة يا العودة.. هناك الأهل والجماعة”، قال لها أبي محاولا تخفيف وطأة قراره، وإقناعها أن مصلحتنا نحن أحفادها تستدعي الإقامة في صور بين أفراد الأسرة وبالقرب من البحر.. محاولة كان يعرف أنها لن تجدي نفعا. وحين اقترح عليها أن تأتي معنا، ضحكت هازئة وأضحكتنا معها حين قالت: “لم أخلق للعيش في مكان لا تهب عليه ريح الكوس، وداخل غيران طين لا تدخلها الشمس”.

جدتي التي تعبق جسدها برائحة العشب، وقد رسمت دروب القرية دربا دربا، ونسجت لكل غافة ثوبا وحكاية، وورثت دم جدها المراق على كثبان رمل أصرت على زوجها في ليلة الدخلة أن يقيم لها خيمة بجوار قبره.. لم يكن لتترك إرثها وقطيع غنمها وفيافي الصحراء الشاسعة من أجل الإقامة بقرب البحر تستنشق في أول الصباح هواء لوثته “روائح السمك وملح البحر وعرق الصيادين”.
***
كان زواج أبي من أمي بغير موافقة جدتي. ويعزى تحفظها إلى تواضع حالته المادية إلى جانب رغبتها في تزويجها من أحد أقاربها، فقد كان والدي حينئذ مجرد بحار صغير في سفينة عمه، جدي لأمي. روت لي أمي ذات يوم أن والدها دفع مهرها من جيبه، وأعطاه لابن أخيه دون علم أحد!

جدتي بعد كل هذه السنين لا زالت تُذكِّر أبي أنها كانت غير موافقة ـ حينذاك ـ على زواجه من ابنتها، ولا تخفي سبب رفضها. كانت تلتفت إلينا وتقول دون أن تداري ابتسامتها حتى في حضوره: “عندما جاء أبوكم من صور لخطبة أمكم، وكان يدخن “البوري”‹1›، اقترح عليه أصحاب القافلة التي رافقها التخلص من البوري و”التنباك”‹2›، وبيعهما في أول سوق تصلها القافلة وشراء “جحلة”‹3› ماء عوضاً عنهما.. هدية لعروسه! فنضحك جميعا حتى أبي باستثناء أمي التي سمعتها ذات مرة تعاتب أمها وتطلب منها التوقف عن الإشارة لتلك الحادثة أمامنا!

وأكتم أنا ضحكتي حين تتجسد في ذهني صورة أبي “العريس”.. يدخل دار عمه طالبا يد ابنته وهو يحمل على كتفه “جحلة” ماء، فتتحول ضحكتي تلك إلى نوع من الإعجاب حين أقارن بين صورته بجسده النحيل آنذاك وحضور شخصيته الآن وهو يقف معتدا بنفسه يمسك بندقيته بيد ويضع الأخرى على رأس خنجره.. يستقبل المرحبين بحضوره من شيوخ ورجال قريتنا والقرى المجاورة.
***
فرحت كثيرا عندما سمعت أبي يدعونا للتهيؤ للسفر إلى المدينة. فمنذ أن سمعته يروي بعضا من جوانب حياة أهله وأسفارهم الكثيرة إلى أماكن قصية على ضفتي بحر العرب والمحيط الهندي، أو يتحدث عن أهمية مدينة صور بوصفها الميناء الرئيس للمنطقة والجسـر الذي عبر عليه سكان المنطقة الشـرقية في هجراتهم إلى شرق أفريقيا وأسفارهم إلى الهند وإلى مدن الخليج العربي، وأنا أنسجُ للمدينة صورا خيالية في رأسي!

تلك الليلة ضج رأسي بالأسئلة. سألت أبي بعضا منها، واستعنت بأختي الصغرى.. ربيعتي، لسؤاله نيابة عني. وعلى غير عادته، تحدث والدي وأجاب على كل ما خطر ببالي وأكثر كما لم يفعل من قبل، وكان مرحا على نحو لم نألفه عليه!

“كان أبي قاسيا”، هكذا انطبعت صورته في ذاكرة الطفولة، وعزز ذلك غيابه المستمر، فحين كنت طفلا وبعد أن اجتزت مرحلة نطق “أماه”، وجاء دور كلمة “بويه” لم تجد أمي من تشير إليه مكان الوالد غير خالي، وهي لا تكف القول: “الخال والد”.

بيد أني، وما أن بدأت أدرك ما معنى انتساب الابن لأبيه، أخذت اقترب من أبي كلما جاء إلى القرية، أكثر فأكثر، أحرص على مرافقته إلى مجلس الرجال.. أقلده في لهجته الصورية.. أتعطر بعطره، وفي المرمس أتلحف رداءه وأنام بجواره!
***
في آخر ليلة قبل انتقالنا إلى المدينة، أبت جدتي إلا أن تودعني بطريقتها الخاصة! طلبت مني أن أنام معها في خيمتها.. المكان الوحيد الذي لا ينام فيه غيرها. روت لي أن قريتنا كانت في البدء، حين اختارها الظفري مكانا لإقامة عشيرته كانت واحة خضـراء.. زاخرة بشجر الغاف والسدر والسمر والراك ونباتات أخرى كثيرة، وكان الجليب بحيرة واسعة يعيش فيها “الصد”‹4› والضفادع وكائنات مائية أخرى لا يُعرف لها أسماء.

محمد عيد العريمي

إلى الأعلى