الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الألم والثورة في مجموعة “سيرة الخوف” للقاص “الخطّاب المزروعي”

الألم والثورة في مجموعة “سيرة الخوف” للقاص “الخطّاب المزروعي”

رؤية ـ أمين دراوشة:
مدخل
انتشرت القصة القصيرة جدا في الوطن العربي، وأصبح لها حضورها القوي في نتاجات الكتاب المحترفين، ولم يعد بالإمكان تجاهل هذا النوع الأدبي، الذي بدأ في سبعينيات القرن الماضي، ولم يتوقف جريان نهره، بل ازداد اندفاعا.
إن ما حدث في الكتابة القصصية، هو ثورة بمعنى الكلمة، كان لها تأثيرها العميق خلال السنوات الماضية. فقد حدثت تحولات وتغيرات جذرية في الكتابة القصصية على مستوى البناء واللغة والحجم.
وما زالت الكتابة القصصية في مرحلة التقدم والتطور والتجريب، يقول إبراهيم نصرالله: إن القصة تمارس التجريب إلى أبعد مدى، فراحت”تختلط بالقصيدة، مغيبة الحدث باللغة، أو مغيبة الحدث واللغة معا “. (إبراهيم صموئيل، وآخرون. “أفق التحوّلات في القصّة القصيرة”. تحرير وتقديم إبراهيم نصر الله. عمان: مؤسسة عبد الحيد شومان. ط1، 2001. ص8)
وعلى الرغم من ظهور بعض السلبيات نظرا لاستسهال كتابتها من قبل المبتدئين، مما أدى إلى ضياع المعايير التي تحكمها، إلا ان ولوج كتاب كبار إلى هذا النوع من الكتابة، وظهور بعض النقاد الذين أيدوا الظاهرة، وزودوها بالدراسات النقدية مكّنها من التجذر، والقعود واستقلالها كجنس أدبي معترف فيه.
إن القصة القصيرة جدا نص أدبي له وجوه متعددة، وحتى انتماءاته كثيرة، فالخطاب السردي، هو سبيل الكاتب في تقديم حكايته للقارئ من حيث ترتيب الأحداث وتفاعلها وتركيبها وتناميها. وهو الدرب الذي يوافق موقفه من اللغة والشخوص والأحداث والأسلوب الذي تم فيه إبداع الحكاية. يقول الدكتور باسيليوس بواردي: “إن الخطاب السردي للقصة القصيرة جدا هو خطاب سردي يفتقر إلى مرجعيات محددة من قبل، بل يمكننا القول إنه خطاب سردي رافض ومتمرد على القوالب التعبيرية العادية الناشئة عن التعالقات بين الجمعية والفردي”. (باسيلوس بواردي، وآخرون. “القصّة القصيرة جدّا”. دراسات ونماذج. رام الله: مركز أوغاريت الثقافي. ط1، 2011. ص 10-11)
وينقل الناقد وليد أبو بكر عن الدكتور حسين المناصرة، تعريفه للقصة القصيرة جدا بأنها بنية سردية بالضرورة أولا…غير قابلة للتأطير الجمالي السردي (العناصر الفنية للسرد)…يتشكل وجودها من خلال نصوصها”. (وليد أبو بكر. “فنّ القصّة القصيرة جدّا”. في: باسيلوس بورادي. مرجع سابق. ص26)
ويقول أبو بكر إن القصة القصيرة تشترك مع القصة القصيرة جدا في صفة القصر، “إضافة إلى ما يسمى “الحكائيّة” أو القصصية، التي تضم جميع فنون الحكي بالضرورة”. (وليد أبو بكر. مرجع سابق. ص 28) وهذا يدلل أن القصة القصيرة جدا خرجت من رحم القصة القصيرة وتختلف عنها إن المكان والبناء مساحتهما صغيرة فيها.
واعتبر كل من جيمس ثوماس وروبرت شبرد: “أن القصص القصيرة جدّا لا تعتمد في أمر نجاحها على طولها وإنما على عمقها، وعلى ما تتسم به من وضوح الرؤية وما تشتمل عليه من مغزى إنساني”. (محمود شقير. “أنا والقصّة القصيرة جدا”. في: باسيليوس بورادي. مرجع سابق. ص 73) ويتحدث شقير إن المعول عليه في هذا النوع الأدبي هو قصر الشريط اللغوي مع العمق، مما يتطلب اقتصادا في اللغة، وسرد الحكاية بلغة الإيحاء من أجل التعبير عن التجربة الإنسانية في أقل الكلمات. ومن مزايا القصة القصيرة جدا “تحفيز خيال المتلقي للمشاركة في بناء القصة واستكمال ما تركه القاص عن قصد من فراغات، واقتناص المفارقات وتقديم النهايات المفاجئة الصادمة”. (محمود شقير. مرجع سابق. ص73)
إن القصة القصيرة جدا تخط لنفسها طريقا يختلف عن القصة القصيرة، ولا شك إن التقدم الكبير في الاتصالات، والتغيرات الزمانية والمكانية التي أثرت على البنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمعات لعبت دورا مؤثرا وحاسما في ولادة القصة القصيرة جدا. الذي يناسب مضمونها وشكلها التسارع في إيقاع الحياة الذي يركض ولا يلتف إلى المتكلسيين والجامدين الذين فشلوا في التغيير والتطور الإيجابي.
الحزن والثورة في مجموعة “سيرة الخوف”
يخيم الحزن والألم على أجواء القصص، ويعبر الكاتب عبر شخصياته المتنوعة عن حالة الضياع والظلام الذي يخيم على حياة الناس في البلاد…
فالمجموعة تمتلئ بالألفاظ والمعاني الدالة على الخوف والرعب، بل إن الكاتب اختار عناوين الكثير من القصص لتعبر عن الخوف من الموت والسواد والمجهول. ونذكر من هذه العناوين (خوف، قراصنة، فَقدْ، اكتئاب، جنازة، عَدمْ…)، كما تضمنت القص الكثير من الألفاظ الدالة على حالة الشخوص النفسية المرهقة والتعبة ك (أسلاك مكهربة، ظلام، أشجار متكسّرة، بقايا بيوت مبعثرة، الفساد، الحزن، الأنين، الصراخ، البكاء، وتكررت كلمة الموت في العديد من القصص…).
يبدأ الكاتب المزروعي مجموعته بقصة “غابة” وهي أطول القصص، ويتناول فيها حياة رجل بلغ الخمسين وأمه يسكنون قرية تحيط بها غابة مسوّرة بأسلاك شائكة، ويخاف مجرد النظر إليها، حتى اكتشف إن الأصوات التي يسمعها قادمة من الغابة ليست أكثر من مكبرات صوت ضخمة، تطلق أصوات مزعجة ومخيفة من قبل حراس الغابة الذين لم تسنح له ولأمه رؤيتهم، بل كانا يتخيلان ظلامهم في الليل فقط. يخبر أمه باكتشافه، فتنفعل وتثور، وتطلق صراخات الاحتجاج والثورة: “أيا موت…أيا موت…راح عمرنا…ضيعتوه…الله يلعنكم ضيعتوه!”. ( الخطّاب المزروعي. “سيرة الخوف”. بيروت: منشورات دار الانتشار العربي، ط1. 2014. ص13)
ويتناول الكاتب في قصصه الموضوع السياسي، والواقع الصعب والأحلام الضائعة والتي لا تصل إلى أي مكان، ففي قصة “خوف” يقول:
“طوال سنيّ خدمته العسكرية الطويلة كظابط مرموق، زرع شجرة الخوف في جنوده وأصغر فرد في عائلته! عندما شعر بالموت يقترب منه (بعد ان قصفه السرطان) أخذ يبكي كطفل”. (ص21)
وكأن الكاتب أراد ان يخبرنا، إن الإنسان وفي سعيه الدؤوب إلى السلطة والسيطرة لن يحصد إلا الريح، وإن على الإنسان ان يفكر بالآخرين لأن نهايته الموت الذي لا يستثني أحدا من البشر، لذا نرى ما يعتقد إنها مكاسب للضابط الكبير تتبخر بهجوم السرطان الذي يقضي على كل أحلامه وسلطانه، ويقف عاجزا تماما، كما وقف الآخرين أمام جبروته. ولأن القصة القصيرة جدا، لا تحتمل كثرة الأحداث والشخوص، وتعتمد على المفارقة، والتكثيف، والنهاية الصادمة، فإن المزروعي في قصة “تغريدة” استطاع أن يقدم لنا قصة ناجحة “في ضرباتها، لاسعة، ويستدل متلقيها بقليل من إعمال الفكر والتأمل”. (نجم كاظم. “زكريا تامر وقصصه القصيرة جدا”. مجلة أوراق. منشورات رابطة الكتاب الأردنيين. 2005، ص 236)
تقول القصة: “- لكي نتقدم علينا أن نحارب الفساد.
انتبه بعد ان أرسل تغريدته، أنه لم يذهب إلى العمل منذ أسبوعين”. (ص77)
القصة تتضمن المفارقة حيث نجح الكاتب في أخذ القارئ إلى المكان الذي أراده، ثم عاد به في مفارقة غريبة، فالشخصية هنا تريد أن تحارب الفساد والمحسوبية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وليس هذا وحسب، بل إنه هو يمارس الفساد بجداره بسبب تغيبه غير المبرر عن العمل. وكما يقول المثل: “فاقد الشيء لا يعطه”.
ولأن القصة القصيرة جدا، يجب أن تكون جملتها الأولى مشوقة وتجذب القارئ، ولا تجعله يشعر بالسأم، فإن الكاتب في قصة “تظاهرة” يبدا قصته بالفعل دون مقدمات، فيقول: “قرر أن يتظاهر. في غمرة تظاهره، من بين الجمع غمزته عين مخبر، من يومها وهو يتظاهر!”. (ص45)
فالشخصية دخلت إلى الحدث مباشرة، فالقصة القصيرة لا تهتم بالأحداث المتعددة، فنصها سريع الإيقاع، وتمر كالبرق الخاطف، محدثة إضائتها في فكر القارئ.
ويعتمد بشكل كبير نجاح القصة أو إخفاقها على نهايتها المفاجئة غير المتوقعة، والتي تخترق الترتيب المنطقي، وهذا ما برع فيه الكاتب بهذه القصة التي حققت أغلب مميزات القصة القصيرة الظافرة.
في قصة “عدمْ” يخبرنا الكاتب عن الشخصية المتشظية، والتي تعاني، تقول القصة:
“نهض باكرا، لم يجد أحدا في البيت، ذهب باتجاه الباب المفضي إلى الخارج، شاهد أشجارا متكسرة وبقايا بيوت مبعثرة…لم يكن أحد في الحي سواه، ولا في الأحياء القريبة، لم ير في المدينة من أحياء، سوى البحر!” (ص41)
هنا برع المزروعي في انتزاع التفاؤل من براثن التشاؤم واليأس، فالشخصية منشطرة، وذاتها ضائعة، وكل شيء حولها يوحي في النهاية المأساوية، فهناك بقايا بيوت، وأشجار متكسرة، بل لا ير أحياء تدب على الأرض، وهي نظرة سوداوية تماما، ليفاجئنا الكاتب بولادة الأمل في نفس بطله، عند رؤيته البحر، بما يعنيه من طهارة وخيرات، ومن أنه يعبر عن ولادة جديدة، فالماء في النهاية يدلل على بداية…
المجموعة مكتوبة بلغة سهلة وسلسة وبعيدة عن الهشاشة والضعف، كما أنها بعيدة عن الغموض والموحش من اللفظ، لذا تصل إلى مختلف أنواع القراء، وكما قال عبد القاهر الجرجاني “فلا تظنن أني أريد السمح السهل الضعيف الركيك ولا باللطيف الرشيق الخنث المؤنث، بل أريد النمط الأوسط، ما ارتفع عن الساقط السوقي، وانحط عن البدوي الوحشي”. (الجرجاني. “الوساطة بين المتنبي وخصومه”، تحقيق وشرح محمد أبو الفضل، وعلي البجاوي، ط2، القاهرة: منشورات دارا إحياء الكتب العربية، دون تاريخ. ص24)
فالقصص الناجحة هي التي تثير القارئ، وتبعث في نفسه السرور ولذة القراءة، وكان المزروعي في مجموعته يتصف بالحيوية والتدفق، ووفق في القص دون تكرار وحشو، وبرع في التكثيف والنهايات المباغتة التي تدهش القارئ.

إلى الأعلى