السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الكُتّاب.. وطقوسهم الخاصة في الكِتابَة

الكُتّاب.. وطقوسهم الخاصة في الكِتابَة

تختلف طبائع الكتّاب وأمزجتهم وطقوسهم في الكتابة من كاتبٍ لآخر في شتى مناحي الحياة، وذلك بحكم التصاقهم الشديد بكل شيء حولهم وما يعكسونه من الرؤى والخواطر والتطلعات عن هذه الحياة في كتاباتهم؛ فإنهم يختلفون بحكم هذا الالتصاق في طبائعهم وأمزجتهم وفقاً لاختلاف النظرة للواقع من شخص إلى آخر، فهناك من هو حاد المزاج، وهناك من هو أقل حدّة، وهناك من هو بين بين وهكذا، أما من جهة حُسن الطبع وهدوء السريرة وأدب التعامل فهذا موضوع عام والاختلاف فيه لا يقتصر على هذه الفئة من الناس بل يختلف فيه كلّ البشر منذ بدء الخليفة وسيختلفون في مستوياتهم إلى ما شاء الله من تقدم الزمن والقرون.
وتتنوع أمزجة الكُتاب في موضوعات عدة منها: أمزجتهم في الاحتفاظ بالكتب .. حتى أن بعضهم يشتري الكتاب ويضعه في مكان ما بمكتبتهِ ولا يتذكره ويضطر لشراء نسخة أخرى .. وربما ينسى أين وضعها أيضاً، وأمزجتهم في أنواع الأقلام التي يستخدمونها حتى أن بعضهم يحبّذ أن يضع قلماً لا حبر فيه في جيبه ليحرم الآخرين من استخدامه عندما يقول له أحدهم : لو سمحت ممكن القلم ؟..، أما القلم الذي يكتب به فيضعه في جيبه السُّفلي، وبعضهم يستخدم نوعاً من الأقلام ذات الحربة الرفيعة الخفيفة حتى لا يستهلك حبراً كثيراً فيطول عمر القلم عنده، وأمزجتهم في طريقة ترتيب مكتباتهم فبعضهم يقول أنه لا يستطيع الكتابة ومكتبته مُرتبه ويرى أنه يبدع أكثر عندما تكون المكتبة مبعثرة أمامه، كما يقول الشاعر الراحل أحمد الصافي النجفي:
مبعثرة جميع الكتب عندي وقد انتشرت كعائلتي بداري
تعيش بغرفتي متنقلات فليس تستقر على قرار
وكتب الكسالى مجمدات تعيش غريبة عيش الأسار

وهكذا تتعدد أمزجتهم في عوالم الكتابة والقراءة والتأمّل.
وحتى لا نشتت أنفسنا ونحن نسلط الضوء على أمزجة الكُتّاب سنركّز في هذا المقال على نقطة واحدة وهي فعل الكتابة، كيف هي أمزجتهم في طقوس الكتابة ذاتها وما يتعلق بها، ولو سألتني – أخي القارئ- عن طقوسي الخاصة بالكتابة سأجيبك بأن الكتابة عندي كتنفس الهواء، وشرب الماء، ومن لا يستطيع التنفس أو شرب الماء أو يُمنع عنه فإنه سيموت حتماً، وهذا يعني أنني أمارس الكتابة لحاجة ماسة إلى الحياة.
أما طقوسي الذاتية في القيام بفعل الكتابة، فهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، ففي السابق كنت أكتب قصائدي ومقالاتي ودراساتي على ورق مُسطر يُباع في القرطاسيات ونسميه (الورق الحجازي)، وأتذكر في المرحلة الإبتدائية والمتوسطة أننا كنا نستخدمه لإجابات الامتحانات النصف سنوية والسنوية، ولا زلت أحتفظ بكثير مما كتبته في هذا الورق من مقالات قديمة ومحاولات أولى في كتابة الشعر والخواطر والتأملات الذاتية، مثل كتابي المخطوط: ( رشفات من ينبوع الحكمة – تأملات في أقوال الرسول الأكرم – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-) – 1408هـ -، والاحتفاظ بالمسودات والخربشات ظاهرة جميلة لدى العديد من الكتّاب، وبعضهم يتخلص منها بسرعة بمجرد نشر هذه الكتابات سواء في الصحف أو المجلات أو بين دفتي كتاب، ومن الغريب أن أحد الكتاب حسب المدوّنة “ميدو الشريمي”: ” كان يرمي خربشاته التي لم ينشرها لأنه مصاب بعدم الثقة بما يكتب فوجدها أحدهم وانطلق لنشرها باسمه فأصبح مشهوراً”، وهذا بالطبع أحد مخاطر رمي مسودات وخربشات الكُتّاب.
في مرحلة الثانوية أصبحت لديّ آلة كاتبة عربية ولا زلت أحتفظ بها إلى الآن، ولديّ الكثير من الأوراق التي كتبت عليها العديد من المقالات والقصائد والخواطر من نِتاج هذه الآلة الكاتبة الصغيرة، واللطيف أنني أشعر بحاجة ماسة للاحتفاظ بكل ما كتبته في المراحل الدراسية الأولى لأنها تذكرني بذلك الزمن الجميل، وترسّخ في الذهن العديد من الذكريات التي لا تُنسى طالما احتفظت بتلك الأوراق وبهذه الآلة العجيبة، وكما يقول الكاتب المدوّن جلال علي: ” المسودات والخربشات قيمة جداً لارتباطها بالحالة النفسية المصاحبة للكتابة، وتباع في المزادات لاحقاً إذا كُتِب لها النجاح”، وقال عن الاحتفاظ بالآلة الكاتبة فإنه إما ” عشقاً لصوتها وإدمانه، أو ظنا منهم بأنها أصدق تعبيراً من الوسائل الحديثة كارتباط نفسي بها”، أما المدونة التي ترمز لاسمها بـ (صمتي وقار)، فتقول عن الآلة الكاتبة: ” كانت سبباً لتعليمي الكتابة لاحقاً على الكمبيوتر”..إشارة إلى مسايرة التطوّر شيئاً فشيئاً وهذه الحالة الطبيعية لتعامل الإنسان مع التقنية عبر الزمن.
أما عن طقوس الكتابة ذاتها في وقتي الراهن، فهي الكتابة المباشرة على شاشة الكمبيوتر، حيث عوّدتني الآلة الكاتبة القديمة على الكتابة السريعة، ولازلت منذ سنوات عدة وأنا أكتب مقالاتي وتأملات ودراساتي وأشعاري وخواطري على الشاشة مباشرة وقلما أكتبها على الورق، إلا إذا طبعت ما كتبته ثم أقوم بمراجعته على الورق المطبوع ومن ثم أقوم بتصحيحه وإعادة طباعته، وأظن أن هذه الطريقة هي السائدة عند الكثير من الكتاب العرب وغير العرب، ولكنني في بعض الأحيان عندما أكون بعيداً عن هذه التقنية الحديثة، أضطر للكتابة في دفتر مفكرة صغير أحتفظ به في سيارتي أو في حقيبتي، وإذا لم أجد هذه الدفتر أيضاً أضطر للكتابة على أطراف الجرائد إن وجدت إحداها في سيارتي أو أي ورقة أجدها مُلقاة هنا أو هناك، ولا زلت احتفظ بالعديد من هذه القصاصات أيضاً في مكتبتي الخاصة، وهذه الحالة تبقى بصورتها المزاجية عند الكاتب فهو إن شاء فعل وإن شاء مزّق كل مسوداته وأبقى على المنشور.
والكتابة على قصاصات الورق كان يميل إليها الشاعر الراحل أحمد الصافي (1897 – 1977). الذي كان يكتب العديد من قصائده ومقطوعاته الشعرية من رباعيات وثلاثيات وثنائيات وأبيات يتيمة على ورق التبغ أو على أطراف الصحف والمجلات أو حتى على ورق “الساندوتش” أو أي ورقة مُلقاة في الطريق يجدها وقد تطرق إلى ذلك العديد ممن كتب عن سيرته وشعره كالأديب والشاعر حسن كاظم الخليفة في أحد مقالاته، وسالم المعوش في كتابه (أحمد الصافي النجفي حياته من شعره)، والدكتور إبراهيم العاتي في كتابه(غربة الروح ووهج الإبداع)، وكما تطرقت إليه في دراستي للماجستير:(النزعة الإنسانية في عشر أحمد الصافي النجفي – صور الفقر والحرمان أنموذجاً).
ومن أمثلة أمزجة الكُتّاب وطقوسهم في الكتابة الكاتب الدكتور علي بن إبراهيم الدرورة، من مؤرخي وأدباء وشعراء المملكة العربية السعودية، من المنطقة الشرقية، وبالتحديد من بلدة سنابس بالقرب من جزيرة تاروت، وهو كاتب مُكثر لديه الكثير من الكتب والكُتيبات، ومشارك فعّال في المؤتمرات التاريخية والتراثية في الخليج والوطن العربي، وقد أصدر عنه الإعلامي القطري الكبير صالح غريب، كتاباً بعنوان ( طقوس الكتابة عند علي الدرورة )، وعندما أطلق الكاتب كلمة طقوس هنا لا يقصد معناها العقائدي ، وإنما يشير إلى معناها العام العام من ممارسات يومية كتناول القهوة أو رياضة المشي أو التنزه على شاطئ البحر أو أي عمل يومي اعتاده الإنسان ويمارسه يومياً – فكان أشبه بالطقوس اليومية-، وقد صدر الكتاب صدر في الدوحة بطبعته الأولى 2015م في 53 صفحة.
الكتاب بحد ذاته فكرة جميلة وجديدة إذ هو أول كتاب خليجي يكشف أسرار وخبايا وطرق الكتابة عند أحد الأدباء في الخليج، وهذا النوع من الكتب شائع في الدول الغربية، ولكنه في الدول العربية أمر لا يخوض الكتاب فيه، فالكتاب يتحفظون على أسرارهم، ولا يبوحون بنهجهم في الكتابة لا لأقربائهم ولا لأصدقائهم ولا لأي شخص آخر.
والإعلامي صالح غريب الذي وضع هذا الكتاب من خلال مشاهدته لصديقة الدكتور علي بن إبراهيم الدرورة حيث رافقه أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، فجمع كل حيثيات وطرق الكتابة من خلال الاحتكاك به، في زياراتهما المتبادلة، ومن خلال أسفارهما للمشاركات الإبداعية والعلمية، ومرافقته للأديب الدرورة، أثناء مشاركات الأخير في قطر أو في دول الخليج وبعض الدول العربية.
الكتاب يكشف عن النهج وجماليات المكان الذي اعتاد الدرورة الذهاب إليها، والكتابة فيه، مثل شاطئ البحر، المقاهي، الحدائق، إلى جانب أنه يكتب حتى في الحافلة والطائرة والسيارة والمطعم وأي مكان فيه انتظار، فهو يكتب كل شاردة وواردة وأشعار وقصص وملاحظات وأفكار في دفتر صغير يحمله عادة معه، ومن ثم يقوم ببلورة أفكاره عندما يعود إلى منزله، وبمعنى آخر أنه لا يضيع أوقاته أبدا فهو يستغل ذلك في كل الأحوال.
والدكتور علي بن إبراهيم الدرورة حرص على الكتابة كغذاء ثقافي يومي جعله كاتباً منجزاً ومميزاً، إذ أن اصداراته تنوعت في جوانب ثقافية عديدة كالشعر النثري، والخاطرة، والشعر العمودي، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً، والدراسات في التراث الشعبي المقول والمنقول، والتاريخ الخليجي.
والحديث عن أمزجة الكتاب وطقوسهم الخاصة في فعل الكتابة حديث شيقٌ وطريف في نفس الوقت، لأنه يعرفنا على مدى التسامح والتساهل في فعل الكتابة بأي طريقة كانت، حيث المهم عند هؤلاء الكتّاب هو القيام بهذا الفعل الحضاري الذي يبني الذات الفردية من جهة والذات المجموع من جهة أخرى، وسر سعادة هؤلاء الكتاب هو يقينهم المطلق بأن ما يقومون به من فعل هو بعينه ما سيساهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في التقدّم بالحياة الثقافية والفكرية والإبداعية سواء في حاضرهم أو مستقبلهم أو مستقبل الأجيال القادمة، وهذا بالفعل ما نلاحظه حيث أن العديد من الكتّاب كان لهم الأثر الكبير في التقدّم بالنهضة الثقافية الشاملة ليس في بلدانهم فقط بل تعدى ذلك ليشمل رقعة جغرافية أكبر وهي الوطن العربي ككل.

عقيل بن ناجي المسكين
aqeelmiskeen@yahoo.com

إلى الأعلى