الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / فن الرثاء في الشعر العماني (2)

فن الرثاء في الشعر العماني (2)

لقد تم التطرق في المقال السابق إلى بعض النماذج الشعرية عن رثاء السلاطين والملوك والأمراء، وبهذا يتبقى لنا أن نعرض أمثلة على رثاء العلماء والأدباء، كونه يأتي ثانيا في ترتيب قصائد الرثاء في الشعر العماني.
والجدير بالذكر أن للعلماء والأدباء مكانة طيبة في النفوس، إذ كانوا يتصلون بحياة الناس، وبالأخص حياة الشعراء اتصالا مباشرا سواء فيما يتعلق بالحياة الدينية، أو بالجانبين الثقافي والعلمي؛ فكان أن احتلت مراثيهم جانبا كبيرا من الحياة الأدبية. وقلما مات عالم من العلماء إلا وللأدب حديث عن أفضاله وقيمته. وتتمحور المعاني في هذه المراثي حول ما كان يتمتع به هؤلاء من مآثر وأمجاد وما خلفوه من تراث وعلم. وقد تنوعت القصائد فتناولت رثاء زعماء العالم العربي كما أسلفنا سابقا.
وبالرغم من أن العلماء قد استأثروا بكثير من تلك المراثي، فلم يكن حال الأدباء بأقل حظا من ذلك، فقد كانوا يظهرون الوفاء بفقد أديب أو شاعر، فحين مات الفقيه المتصوف ( ناصر بن جاعد) بكاه كثيرا من الشعراء منهم المؤرخ والشاعر حميد بن حمد بن رزيق المتوفي سنة 1290هـ ( مقدمة تحقيق سلك الفريد، 1/10 وما بعدها) الذي أفسح مجالاً رحباً للشيخ ناصر ووالده الشيخ جاعد في كتابيه الفتح المبين، والشعاع الشائع باللمعان، ويبدو أن علاقته بهما كانت وثيقة إذ يسوق ذكرهما في كتابيه مقروناً بالتجلة والرفعة، كما يحفظ في الفتح المبين بعضاً من مراسلات الشيخ ناصر، وكان الشيخ ناصر يثني عليه، ويحفظ في الفتح المبين مطالع ست قصائد رثى بها الشيخ ناصر بعد وفاته منها قوله:
خلا مجلس الفقه الأنيس من الأنس فمن ذا إلى التدريس في ذروة الدرس
ومنها:
ذهب الضياء فيـــومنا إظـــــلام ما هكذا يا يـــــومنا الأيـــام
وغيرها (الفتح المبين، ص151، وما بعدها).
ومن العلماء والأدباء المعاصرين لـ (ابن رزيق) (محمد بن ناصر الخروصي) وكان هذا العالم أجد أقطاب النهضة العمانية ، فلما مات رثاه ( ابن رزيق ) بعدة قصائد منها:
ريما تحدر دمعك المسحوم الله أكبر ، فالمصاب عظيم
والمتتبع لغرض الرثاء عبر تاريخ الأدب العربي سيجد أنه كان مقصورا على أمراء البيت الحاكم وسلاطين البلاد غالبا، ولكن بوجود الوعي القومي، والنزعتين الوطنية والقومية، انتقلت المراثي إلى طور جديد، وخصوصا بعد امتداد النفوذ الاستعماري في الشرق العربي، حيث ظهر شعراء اتخذوا الشعر دعوة لليقظة وجمع الكلمة، فاتجهوا إلى رثاء المثل العليا في مجال الوطنية والفكر، كما دلت على ذلك مراثي ( أبي مسلم ) و( هلال بن بدر ) و( أبي وسيم ) و( الخليلي) و(الطائي) للزعماء والأدباء.
من ذلك رثاء الشاعر عبدالله الطائي للشيخ أحمد بن سعيد الكندي، فيقول فيها (ديوان وداعا ايها الليل قصيدة سلاما تراب العامرات ص 82):
بكيتك حتى كدت بالدمع أشرق وروحي من بين الجوانح تزهق
ففقدك أذوى في الحياة شبابها وكنت لها زهوا به يترقرق
رفعنا بك الأعناق في كل بلدة فقد عشت رمزا بالمفاخر ينطق
وكنت لنا العنوان في كل مسلك معـــــــــالمه رأي وخلق وموثق
ويظهر الشاعر السيد بدر بن هلال البوسعيدي ( 1896 – 1965 م) في رثائه لشاعري الجيل أحمد شوقي وحافظ ابراهيم تأثرا كبيرا لفقدهما لكنه يرثي مصر ودولة الشعر لوفاتهما، ولا شك بأن الشاعر يعتبر فقدهما خسارة للشعر وللأمة العربية فيقول (ديوان الشاعر، ص 153):
خر نجمان من علو سماك أنت يا مصر ما الذي دهــاك؟
حافظ مات ثم يتلوه شوقي أي خطب أجل مما أتــــاك!
شاعر النيل من تركت لمصر بعدك النيل ما جرى غير بـــاك
حزن الشرق يوم أن مات شوقي روح شوقي أطلي من علياك
يا أمير القريض هذي القوافي أصبـــــــحت حرة بغير امتــــــــلاك
ولعل أهم ما ظهر في هذا الجانب أن المراثي أصبحت تتناول حياة المرثي من جوانبها المختلفة، فكما تناولت الجانب الشخصي تناولت الجوانب الإنسانية والاجتماعية والعلمية . فنجد مثلا أي مسلم البهلاني يقول في وفاة (محمد بن يوسف إطفيش) من علماء الجزائر الذي كانت له مكانة كبيرة في العالم الإسلامي:
فقدت نفسي فخلت الدمع سال بها والعهد بالنفس قبل اليوم لم تسل
يا ناعي القطب من ذا قام موقفه فصار قطب مدار العلم والعمل.
كذلك بكى أبو مسلم المحقق العماني (نور الدين السالمي) بمرثاة تقيض حكمة وتنطق بمآثر السالمي وأمجاده حيث يقول :
يا صرعة الموت انتقرت خيارنا وتركت أمتنا بغير خــــــــــــيار
ويلاه أوحشت الديار من الألى كانوا خلائف سنة المـــــــــختار
ومع تقدم الوقت نجد استحداثا لقصيدة الرثاء الموجهة إلى أصحاب المثل العليا وأهل الفضل، فضمنت المراثي دعوة التأسي بهم، على نحو ما كان السيد هلال بن بدر في رثائه لسيد الشهداء الحسين بن علي في همزيته :
روع الكون أرضه والسماء يوم ضجت بخطبها كربلاء
كذلك رثى ابن شيخان الزعيم مصطفى كامل:
لئن فجعت مصر به فلطالما كساها سرورا سعيه ومناصبه.
فتى أحرز الأوطان حكما وحكمة وساست ديار المسلمين مناقبه
وفي موت الشاعر هلال بن بدر يرثيه الطائي بقصيدة مطلعها:
يا ليل مد من الظلام سد ولا وانشر عليه من دجاك ذيولا
وحين مات الفقيه ( خلفان السيابي) رثاه شعراء عصره، وأظهروا ما كان له من أثر في الفقه الإسلامي والأدب، ومن هؤلاء الشاعر (أبو سرور) حيث يقول:
أذوب أسى ومالي لا أذوب ودمعي في الخدود له شحوب

وفاء الشامسية

إلى الأعلى