الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / مدينة “المستقبل” “هرطقات” سينمائية وحقائق علمية وتصورات عمرانية

مدينة “المستقبل” “هرطقات” سينمائية وحقائق علمية وتصورات عمرانية

تسارعت وتيرة الإكتشافات والإختراعات العلمية الحديثة بشكل غير مسبوق، ومدهش، وغير قابل للتصديق أحيانا. فما كان خيالا علميا بالأمس أصبح اليوم حقيقة معاشة، وقفزت البشرية قفزات نوعية مذهلة أثرت على نوعية وأسلوب حياتنا ومعيشتنا، وعلى العالم المحيط بنا، وعلى إدراكنا العلمي والتقني والتكنولوجي. ومن اللافت أن العلم هامَ بحثا في مفاهيم الزمان والمكان، والقيم المتعلقة بهما، وانعكس ذلك على الخيال العلمي وما يرتبط به من قصص وروايات وأفلام. فهل ستشهد البشرية تحولات في مفهومي الزمان والمكان، وكيف من الممكن أن ينعكس ذلك سلبا أو إيجابا على مدينة المستقبل؟

**********
المدينة …… والمدنية
إن تتبع تطور المدينة منذ نشأتها حتى اليوم يكشف تطورا “نوعيا” تلازم مع تطورات في علوم أخرى انعكست على شكلها وبنيتها وجوهرها. فقد تلازمت “المدينة-والمدنية” كثنائية أوصلت الأولى لشكلها وأسلوب معيشة سكانها التي نعرفها اليوم. هذا التطور الخطي في شكل المدينة، وأسلوب المعيشة، بدأ مع إنسان الكهوف، واستمر عبر الحضارات القديمة، التي عبرت من خلال المدينة عن تصوراتها عن الحياة والكون، فربطت المدينة أحيانا بالمعبد المركز، أو كانت هي “المدينة المعبد”، أو تمحورت المدينة وعمرانها حول المعتقد الديني كعمارة الفراعنة مثلا. ونشأت “المدينة الدفاعية”، الجامدة والمنيعة، لاحقا عبر الحضارات اليونانية فالرومانية وامتدت للمدينة القروسطية حتى حدود القرن العشرين حين قدّم لوكوربوزييه تصوره لمدينة المسقبل، ورسم تخطيطا لناطحات سحاب وشوارع كبيرة متسعة أصبحت لاحقا أحد معالم المدينة الحديثة في الغرب بعد أن كانت تصورا على ورق رفض آنذاك. هذا التطور “البطئ” في شكل وكيفية وبنيوية المدينة عبر العصور، لا يمنع استمرارية هذا “التحول المديني” مستقبلا، وبخاصة إذا اعتبرنا التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة وغير المسبوقة. فما هو شكل مدينة “المستقبل”، وكيف يمكن قراءته، وربما “التنبؤ” به تنبؤا علميا استشرافيا؟

***********
مدن المستقبل …. و”هرطقات” هوليوود… والخيال العلمي

قدمت صناعة السينما بهوليوود العديد من التصورات حول المدينة، والحياة البشرية مستقبلا. فمنذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عرضت مجموعة من أفلام الخيال العلمي، الساذجة بمنظورنا اليوم، التي أطلقت لخيالنا العنان فيما سيكون عليه المستقبل. في ذلك الوقت لم تجاوز “شطحات هوليوود” تقديم مسلسل مثل (الفضاء عام 1999)، لطاقم مركبة فضائية تابعة للأرض تجوب المجرة، تصطدم مع “مخلوقات” كونية تسعى للسيطرة على الجنس البشري. في تلك “الشطحات”، حيث كان العام 1999 عاما فضائيا يكاد يعبّر عن نهاية الزمن، كان من المدهش مطالعة مسدسات الليزر مثلا، أو الأبواب التي تفتح تلقائيا، أو التخاطب بين أفراد الطاقم بواسطة الكاميرا المتلفزة، (وهذه كلها أصبحت حقيقة وللإستهلاك اليومي) والأهم والمثير كانت فكرة “الإنتقال المكاني”، والقفزات الضوئية للأفراد والمركبة الفضائية. مثل هذه التصورات والمشاهد تكررت في مجموعة أفلام (Star Trek)، والتي حصد آخرها (Star Wars) أرباحا فاقت المليار دولار بعد عرضه حول العالم، مسجلا الأكثر ربحا في تاريخ السينما! (يبدو أن الكثير من الناس توّاقون لاستشراف المستقبل ولو من خلال هذه “الهرطقات” الهوليوودية أو الخيال العلمي!)

*************
صراع “قيم” وأفكار في مدن هوليوود المستقبلية
توالت بعد ذلك الأفلام التي تقدمها هوليوود لطرح تصورات المدن في المستقبل. في التسعينيات انتجت هوليوود فيلم (Total Recall) الذي يصور نزوح الجنس البشري إلى كوكب المريخ، لكنه لا يقدم مدينة المستقبل أكثر من مستعمرات تبحث عن الهواء على ذلك الكوكب الأحمر وتعيش على مولدات الطاقة. في العام 1999 تم انتاج ثلاثية فيلم (Matrix) والذي يقدم فكرة “تغوّل” الآلة وسيطرتها على الجنس البشري “حرفيا” بتطور ما يسمى (A.I: Artificial Intelligence) حيث يتم تطوير جيل جديد “ذكي” من الآلات ذات القدرة على التفكير المستقل (كالحاسوب الذكي المطور جدا) التي، حتما، تدحر الجنس البشري، الذي ينسحب لآخر معقل أو مدينة تحت الأرض. في فيلم (Elysium) يحدث العكس، حيث يبيد الجنس البشري نفسه بالتكاثر غير المضبوط، وتسود المجاعة والفقر، لدرجة ينزح معها “المترفون” والأثرياء إلى “كوكب ساتلايت” تابع للأرض، يمثل البيئة المثالية التي يعيش فيها النخبة تاركين الكوكب “الهالك” بمشكلاته وفقره وأمراضه. ويصبح “التهريب” مقتصرا على “لاجئين فقراء” يتسللون لمركبات فضائية تخرق أجواء “الكوكب المثالي”.

ونحو عالم بلا جريمة، وسعيا نحو “المدينة الفاضلة” تقدم هوليوود فيلم (Demolition Man) فكرة المدينة الفاضلة حيث تمحى الجريمة ومفاهيمها من جيل كامل، ويصحو المجتمع على مدينة “فاضلة”، أهلها متسامحون، ومبانيها بيضاء جميلة، وفيها تجريد وتصيم معماري بسيط أنيق. مدينة تندحر فيها الرذيلة والتخلف تحت الأرض حيث يعيش “المتمردون” على قوانين المجتمع الفاضل الجديد. الطريف أن الفيلم يتخطى قيم وعادات المجتمع المعاصر والمدينة الإستهلاكية، حيث يصبح الأكل صحيا، بما يشبه المطعم الفرنسي حيث الأكل “نوعيا” وليس “كمّيا”، وكذا العادات والممارسات الاجتماعية التي تخلو من البذاءة ليصبح رجال الشرطة العتاة “وادعين” مسالمين في عالم اختفت منه الجريمة. وينتقد الفيلم سلسلة مطاعم الوجبات السريعة مثل ماكدونالد التي تختفي تماما من مدينة المستقبل. (في لقطة طريفة يطارد الشرطي، الذي صحا من “كبسولة التجميد”، أحد المجرمين في المدينة المتخلفة تحت الأرض، ويمر على عربة شواء بها برغر فيطلب ساندوتشا، فتعطيه البائعة الغجرية التي تتكلم الإسبانية ساندوتشا، فتقول له زميلته الشرطية أترى بقرا هنا تحت الأرض؟ لا تسأل عن اللحم الذي تأكله؟ فيسأل الشرطي البائعة عن لحم البرغر وهو يمضغ فتعطيه البائعة الإجابة بالإسبانية، فيقول متعجبا: لحم جرذان؟ ليس سيئا …على الأقل هو أفضل من طعم ساندوتشات الماكدونالد التي كنا نأكلها قبل ثلاثين سنة!). وتستمر طروحات المدينة الفاضلة بلا جريمة في (Minority Report) حيث يتمكن شرطة المستقبل من خلال العلم من “التنبؤ” بالجريمة قبل وقوعها ومنعها. وعلى النقيض يقدم فيلم (Deja Vu) فكرة الرجوع بالزمن اعتمادا على شواهد وتسجيلات من الحاضر لمنع الجريمة بعد حدوثها “في الماضي”. كل هذه “الشطحات” الهوليوودية استندت “لشطحات” مماثلة من ضروب “الخيال العلمي” التي تحاول كسر المألوف في حواجز المكان والزمان، فما هي هذه “الضروب العلمية”؟

*************
العلم ومحاولة نسف مفهوم المكان والزمان: هرطقات أم حقائق
في محاولة علماء فيزياء الذرة والفيزياء الكونية تفسير نشأة الكون اعتمادا على “الإنفجار الكبير” الذي ولّد طاقة هائلة تحوّلت عبر أربعة عشر بليون سنة، هي عمر الكون الكون العلمي الإفتراضي، إلى مادة شكلت الكواكب والنجوم، برزت معضلة نظرية كبيرة أمامهم في تفسير التمدد الكوني المستمر. فقد رصدوا أن الكواكب تتباعد عن بعضها بفعل قوة الإنفجار الكبير وفي وسط مادي به طاقة غامضة أسموها “المادة السوداء” أو (Dark Matter) أو (Dark Energy). هذه النظرية وضعت علامات استفهام كبيرة على نظرية “الإنكماش العظيم” التي كانت رائجة لفترة. لكن الأنفجار الكبير لم يحل مشكلة نشأة الطاقة في الكون أصلا – أي قبل الإنفجار. ولهذا رجع العلماء يبحثون في أصل الكون المتناهي في الصغر أي الذرة وذلك لإعادة فهم تركيبته البنائية.

وقد أقرّ العلم نظريا بأن الكون كما أنه لا متناهٍ في الكبر، لا بد وأن يكون كذلك لا متناهيا في الصغر. لكن، الفيزياء الكلاسيكية التي قدمها نيوتن واينشتين، وقفت عند حدود الإلكترونات الموجبة والسالبة داخل الذرة (وربما البوزيترون). كان ذلك كذلك إلى أن راجت بين علماء الغرب حديثا (قبل بضع عشرات من السنين) نظرية اسمها (String Theory)، والتي قدّمت تفسيرا لتمدد الكون اللامتناهي والمادة السوداء المنتشرة فيما بين المجرات، لكنها في الوقت نفسه هزّت وبقوة مفهوم “المكان” والأقطار الإحداثية المتعارف عليها في الفيزياء الكلاسيكية. فمن جهة قدمت عنصرا داخل الذرة يشبه “الموجة” الذي يفرز طاقة مقدارها (واحد للأس 120) قاد العلماء للإعتقاد بوجود أحد عشر قطرا “للمكان” هي الإحداثيات الفراغية في الكون (سبعة منها تتكون منها الموجة داخل الذرة وأربعة معروفة لنا بما فيها بعد الزمن الذي أضافه إينشتين) لكننا لا نرى من هذه الأبعاد سوى ثلاثة فقط. ولاحقا أضاف بعض العلماء خمسة أبعاد جديدة لتصبح إحداثيات الكون ستة عشر. هذا أدى إلى هزّ مفهوم “المكان” والأهم أنه دفع للإعتقاد بوجود (Multi-Verse) وليس (Uni-Verse) بمعنى وجود “أكوان” وليس “كون واحد” – أي أن المكان يصبح “أمكنة” (أما الزمان فقد ساد سابقا وجود “أسهم متعاكسة للزمن” في “بعض البقع” في الكون الواحد (أحدها يشير للماضي والآخر للمستقبل في نفس الوقت) اعتمادا على النقطة التي يبدأ الكون عندها بالإنكماش العظيم! أنظر روابط مصادر المقال أدناه). واعتمادا على عدم قدرة العلماء على “تحديد” مكان “الموجة” داخل الذرة، والتي قدّمت الكون الواحد على أنه أشبه ما يكون “بسيمفونية” تحدد إيقاعاتها نشأة وتطور الكواكب والمادة عموما في الكون تبعا لطول وتذبذبات هذه “الموجة”، فقد نحا العلماء للإعتقاد بإمكانية التلاعب في “مكان” الذرة – وهو ما تلقفته أفلام الخيال العلمي منذ زمن في نقل الأجسام من مكان لآخر، على شكل “نقل طاقة” أو (Quantum Leap).

ولم يكن “المكان” هو محل نشاط التفكير العلمي، بل كان “للزمان” نصيب أيضا. فإينشتين تنبأ بأن “الكون أحدب”، بمعنى أن “شوارعه” غير المرئية منحنية وليست مستقيمة. ولم يمض وقت طويل حتى أثبت العلماء صحة نظرية أينشتين اعتمادا على انحناء الضوء لدى رصد كسوف الشمس. وقدم إينشتين نظريته في “انطواء الفراغ” واعتمادا عليها كان بالإمكان “نظريا” توصيل “جسر زمني” بين نقطتين في الفراغ، والتي تلقفتها الكثير من أفكار أفلام هوليوود لمحاولة مد “جسر” بين الماضي والحاضر أو المستقبل لمحاولة تغيير مجرى “النهر التاريخي”. وبهذا الإطار ساد الإعتقاد بأن “الثقوب السوداء”، (Event Horizon) هي “ممرات” بين السماوات كنقاط عبور – رغم حيرة العلماء في قوة جاذبيتها اللانهائية حيث تبتلع الكواكب والمجرات، وتبتلع الضوء أيضا – هذه الأفكار كان لها نصيب كبير في تصورات هوليوودية في مدينة المستقبل والتنقل “زمنيا”.

************
تحولات مفهوم “المكان الاجتماعي” بفعل التطور العلمي التكنولوجي
كان للتطورات التقنية في المقام الأول أثر كبير على بنية المدينة المعاصرة، وربما المستقبلية أيضا، شكلا ومضمونا. وأبرز هذه التطورات يمكن ملاحظتها حاليا في القدرة على التواصل “التكنولوجي-الاجتماعي”. وهذه أثّرت على علاقة المجالين العام والخاص وما بينهما. في مدينة اليوم يلاحظ تزايد “تغوّل” المجال العام على الخاص بدرجة مرعبة وغير مسبوقة. وثمة برامج على قناة بي بي سي، تتبع وترصد أثر وسائل “الإعلام” المعاصرة على العلاقات الاجتماعية في الحياة الأسرية، سلبا، ومنها “الفيسبوك”. كما أن “التويتر” مثلا أصبح وسيلة ذات حدين. فمن يرفع صورة مثلا على حسابه تصبح “معرضا” للعامة ضمن المجال العام. قبل فترة التقيت بمجموعة من زملاء الدراسة بعد غياب طويل، وفي نهاية اللقاء طلب أحدهم صورة تذكارية، فلمعت عدسات “التليفونات الذكية” في باحة المطعم وافترق الجمع. وبعد أسابيع علمت بالمصادفة من أحدهم أن “الصور التذكارية” بدل أن تدخل “الألبوم” الخاص في بيت هذا الزميل قد دخلت المجال العام بقوة إذ رفعها على حسابه على “الفيسبوك”، ودون “استئذان”. ولم يتسنّ لي التأكد، فما أنا من “الفيسبوكيين” ولن أكون يوما ما لعدة أسباب (أدناها عدم الإقتناع وضيق الوقت، وأوسطها أن “إثمهما أكبر من نفعهما” إن كانت النظرة “متفائلة”، وأعلاها علّة السبب والمسبب). إذ يقال أن أصل فكرة “الفيسبوك” أن مؤسسها افترق عن صديقته فأراد أن ينشر “غسيلهما الوسخ” فرفع صورهما على الإنترنت، وأنشأ هذه الشبكة الإفتراضية التي كسرت الحواجز، فراح الأفراد والجماعات يكسرون قيم “الخاص” لمصلحة العام، والكل بات “ينشر طواعية” غسيله “النظيف والوسخ” دون تمييز، في تماهي وتباهي يكاد يكون غير متبصر بالعواقب (ولتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه). فهذه الشبكة، الربحية “لا تترك أحدا سجّل بها أن يغادرها” (لأسباب إحصائية كيلا تنزل أسهم الشركة)، إذ يمكن “تجميد” الحساب وليس الإنسحاب (كأنما المرء عضو في نادي أو “عصابة” عالمية يصعب مفارقتها خشية البوح بأسرارها الخطيرة؟؟!).

فبمجرد دخول هذا العالم “العام” يقع “الخاص” تحت أعين “الراصدين” الرابضين. ومن هنا يركز برنامج البي بي سي على مشكلات إجتماعية ذات صبغة جنائية تتزايد، فضلا عن تنامي عصابات الإجرام التي ترصد وتسرق “الهوية” (في الغرب حين تجتمع للصوص الإلكترونيين ثلاث معلومات يسهل “تزوير هويتك”: اسمك ثلاثيا كما في جواز السفر، وتاريخ ميلادك، وعنوانك). وفي هذا العالم المتلاطم الأمواج المنفتح على بعضه قد يتعرض اسمك للتشابه والإستنساخ (يسألني صديق إن كان لي حساب على الفيسبوك، فأجبته بالنفي، فأخبرني بوجود تشابه أسماء ثلاثي المقاطع، لتسعة أشخاص على الفيسبوك! ولا بد أن مشكلة من اسمه “محمد” واسم والده “أحمد” أكبر بكثير في عالم اليوم المترابط ترابطا “اجتماعيا وهميا” لكوكب دبّ عليه سبعة مليارات نسمة منذ عام 2011، المتزايد إلى تسعة مليارات بحلول العام 2025). ما يثير الرعب في هذه الشبكة “الإجتماعية”، وكما بيّن برنامج بي بي سي في سؤال مباشر لمدير التسويق تهرب من إجابته، أنه بمجرد ضغط زر (Like) على منتج استهلاكي لشركة ما، فإن صفحة المستخدم الخاصة (بقضها وقضيضها وعجرها وبجرها) ترتبط مباشرة بتلك السلسلة الربحية (وهو انتقال من المجال “الخاص-العام” إلى المجال “العام- العام”، لتسبح في أفلاك الشبكة اللامتناهية، بما ينتهك حقوق الخصوصية التي يحميها القانون الغربي دون استئذان أو استشارة صاحبها ومعرفته بأبعاد ذلك وبيانه بيانا مسبقا). وخطورة دخول “المعلومات والصور الخاصة” إلى المجال العام، أن هناك ما لا يحصى من “الراصدين” المتربصين – كل له غايته وهدفه. (هناك أبحاث تفيد بأن دوائر استخبارات العدو ترصد شبكات التواصل هذه لتحليل وفهم المزاج العام للشباب، توجهاتهم، وميولهم، وتفكيرهم – وتوجيهها والتحكم بها “عن بعد”! وفي حالات جنائية أخرى، تتم سرقة الصور وإعادة رفعها على مواقع مشبوهة ورديئة. ولذلك يبين برنامج البي بي سي نماذج لأفراد “ندموا” على رفع صور خاصة!).

أما التليفون الذكي ذي الكاميرا، فقد طمس تقريبا ملامح الخصوصية الفردية في المجالين الخاص والعام، إذ أصبح “يتجسس” على صاحبه، ويمكنه التنصت عليك حتى وهو مغلق (لا بد من فك البطارية بعد غلقه كي تعود إلى عالمك الخاص بعيدا عن الراصدين والرقباء). ولذلك “إياك ثم إياك ثم إياك” (ثلاث إياكات) أن يستدرجك “التهور” للخوض فيما لا يعنيك من أمور الساعة “السياسية” وتليفونك “الذكي” مفتوح و”محشو” بالبطارية. وإياك ثم إياك ثم إياك (ثلاث إياكات جديدة غير “الإياكات” الأولى) أن “تغرّد” على “تويتر” خارج السرب، ودون أن “تزن كلامك بميزان الذهب، حتى في الغرب “الديمقراطي”. وكم تعج وسائل الإعلام بحالات ضبط ومحاكمات لأفراد “غردوا” على “حساباتهم” في ساعة “تياسة”، أجلكم الله، (تحريضا أو شجبا أو وقوعا في خصوصية أفراد آخرين) ظنا منهم بأنهم في مجالهم الخاص، ليكتشفوا بعدئذ أن العالم حولهم يكاد يتداعى عليهم! وهكذا فبتطور وسائل “التواصل الاجتماعي”، تراجع الخاص لحساب العام (قيم العائلة وتنشئة الأفراد مقابل الصداقة الإفتراضية أوالحقيقية)، تعطي وقتك لشبكة من عشرات المئات من الناس ولا تلتقي بهم أو تعرفهم جيدا (شبكات إجتماعية “وهمية” في المدينة). وإذن كيف ينعكس كل ذلك على فهمنا أو رصدنا أو “تنبؤنا” لشكل وطبيعة مدينة المستقبل؟

************
تحول وانقلاب (القيم والمكان والزمان)
سؤال القيم الإجتماعية والأخلاقية في مدينة المستقبل وهل تتجه المدينة مستقبلا نحو “مجتمع ومدينة فاضلة” كما تنزع بعض أفلام الخيال العلمي للتنبؤ، تبدو إجابته حاضرة في تساؤل آخر عن حالة وصيرورة القيم الاجتماعية في المدينة المعاصرة التي تنزع نحو الحداثة. فالإجابة تكاد تكون حاضرة في شواهد وأمثلة وفي ذهن القارئ. ومن شاء أن يتنقل بين العلم والفلسفة إلى الدين، فسيجد مجموعة من النبؤات فيما يصير إليه الجنس البشري آخر الزمان حيث “لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق”. لكن ذلك لا يمنع انبعاث تساؤل عن مصير المدينة بمفهومها التقليدي، من حيث بنيويتها التركيبية، أو العادات والسلوكيات الإجتماعية، فهل تنجح الفتوحات العلمية والمد التكنولوجي الهائل المتسارع في تغيير بنية المدينة كما نعرفها اليوم، حيث الفصل المطلوب بناء على قيم المجتمع بين المجالين العام والخاص، هل تنجح في تغيير بنيويتها إلى غير رجعة؟

بدون شك أن المدينة اليوم تشهد بوادر “انقلابات” دراماتيكية في فكرة المكان والزمان. فبالنظر للمدينة الكلاسيكية، كان المكان والزمان ثابتان ثبوتا لا يمكن كسره إلا في قوانين خاصة الخاصة وما يسميه المتصوفة “بأهل الكشف” (أهل النظرة وأهل الخطوة). يروي التاريخ أن الخليفة الفاروق، عمر بن الخطاب كان على المنبر إذ وقف ثم صاح:” يا سارية، إلزم الجبل، إلزم الجبل!” (انكشفت له الرؤية لسرية المسلمين وقائدها سارية). هذه الرواية بمفاهيم العصر الماضي كانت تعتبر من “كرامات” أولياء الله الصالحين. وكان يصعب على الكثيرين تصديقها قبل خمسين سنة فقط، ولكن مع قفزات العلم الحديث الواثبة، أصبح لأيّ كان أن يكون من “أهل النظرة” عبر “سكايب حيث “تطوى المسافات” و”يؤول الزمان للصفر” عبر القارات رغم اختلاف التوقيت).

وبمعايير التطورات العلمية الحالية فإن مدينة المستقبل، قد يكون عنوانها “قلب المفاهيم المألوفة” الكلاسيكية. سينقلب باطنها وظاهرها (المجال الخاص سيصبح ضمن العام، والعام خاصا – بمعنى ستتم بعض الممارسات الإجتماعية الخاصة في المجال العام)، ترى باطنها من ظاهرها (عكس المدينة التقليدية حيث الخصوصية)، وقد يتبدل الأفقي مع العمودي (تصبح شوارعها عمودية) كالمصاعد في ناطحات السحاب، أو تسبح السيارات عموديا ورأسيا، وكما صوّرته فعلا بعض أفلام الخيال العلمي. وبمعايير سرعة التنقل الحالية هل يمكن قهر “التنقل عبر الزمن” أكثر وأكثر لدرجات الخيال العلمي الذي يحيل الزمان للصفر وبالتالي يكسر حدود المكان؟ في الماضي القريب كان مستغربا استرجاع الأصوات من الفضاء وتسجيلها وإعادة سماعها، لكنها اليوم حقيقة واقعة. والمختبر العلمي اليوم يجري أبحاثا على تسجيل الرائحة، فهل ستكون مسارح الغد والسينما بأبعاد مجسمة “خماسية” بما فيها الرائحة؟ وهل سيفقد المكان “الخاص” كالبيت مثلا معانيه وقيمه ودوره الإجتماعي لحساب المكان العام بتغول الأخير عليه تغولا معنويا، وربما حسيا؟ هل سينزع العالم نحو “لغة” إشارة عالمية تؤطر الممارسات الاجتماعية والتعاملات المالية والتنقلات السياحية؟ هل سينزع العالم نحو “اتحاد مفيد” أم ستتكرس “التحوصلات الفردية” أكثر فأكثر في عالم منفتح على بعضه انفتاحا اجتماعيا “إفتراضيا”؟

وفي غمرة تنقلاتنا هذه بين الأفكار، لا ننسى أن من اللافت أنه في كل هذه التصورات “الهوليوودية”، لم تسجل “استعانات” بالمعماريين لتقديم تصوراتهم عن مدن المستقبل، إنما غلبت تصورات ورؤى الرسامين المبدعين، فهل المعماريون آخر من يعلم، أم هو “تواطؤ” هوليوودي_عالمي_جمعي لعجز المعماريين عن استباق عصرهم، فضلا عن اللحاق بحاضرهم أصلا؟ ربما يكون في طبيعة التعليم المعماري الحالي، وغلبة معايير الموهبة وسيطرة المادة على معايير قبول الطلاب في كليات العمارة بعض الإجابة.

مدن المستقبل قد تسمها سمة “التناقض”، حيث ستكون هناك أحياء “مفرطة” في التقليدية (أشبه بالمتاحف) مقابل أحياء تنزع نحو ما اسلفنا. والتساؤل المهم هنا: بالنظر لتجاذبات الفتوحات العلمية المتسارعة والمتساوقة مع دعاة الحداثة، هل ينجح دعاة التقليدية في الوقوف أمام هذا المد الجارف؟ هل يصحو علماء الاجتماع مبكرا على تداعيات الحداثة والتكنولوجيا التي رمت بظلالها على العلاقات الاجتماعية في المدينة، وحوّلت المجتمعات إلى مجاميع متناثرة “افتراضية” من “تحوصلات فردية” منعزلة، نفسيا، وربما عاطفيا، واجتماعيا؟ وهل من الممكن العمل على تشكيل مدن المستقبل وتطويع أشكالها و”عكس” المصير الذي تؤول إليه المدينة بتضافر علماء الاجتماع والعمران والحضرية؟ وهل سيمارس المعماريون دورهم الإستشرافي أم يكونون آخر من يعلم، يلهثون وراء التطورات العلمية، و”الشطحات” الهوليوودية المتسارعة، سعيا وراء قيم الحداثة، على حساب المدينة وقيم المجتمعات التقليدية، التي ربما تغير بنيويتها وجيناتها، تغييرا سرطانيا، وليس شكلها فحسب؟

مصادر المقال:
للبحث في مادة الأفلام المذكورة – أنظر موسوعة ويكيبيديا. وللبحث في المادة العلمية عن نظرية (String Theory) والمادة السوداء المذكورة أنظر الرابط (https://www.youtube.com/watch?v=DkPH4_Yd4_Q) أو أطبع على يوتيوب كلمتي (string theory).

د . وليد احمد السيد

إلى الأعلى