الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (206) : عن تناوب الحروف

نافذة لغوية (206) : عن تناوب الحروف

كما اتصف دين الإسلام الحنيف باليسر والسماحة في أمور ، وتشدد في أمور أخرى ، كذلك اتصفت لغته ، لغة العرب بالسهولة والتيسير في كثير من أساليب الكتابة واستعمال الحروف في مواضع ، وتشددت في مواضع أخرى حرصاً على سلامة اللغة ، وإبقاءً على بيانها بعيداً عن الركاكة والتسيّب. والذين مالوا إلى التشدد في إيقاع الحروف مواقع بعضها الآخر بلا مسوغ هم جمهرة البصريين الذين لم يجيزوا ذلك ، على حين ترخّص في هذا الأمر معظم الكوفيين وابن قتيبة ونظرائه.
و أي الرأيين ارتضينا يحسن بنا أن نراعي الأصل والأشهر في الاستعمال نشداناً للدقّة ، ودفعاً للتأويلات. وإيضاحاً لذه الفكرة نسوق بعض الأمثلة التي عرفتها أساليب العربية القديمة ، قال سويد بن أبي كاهل اليشكري :
هُم صَلَبُوا العَبْدِيّ فِي جِذعِ نَخْلَةٍ فَلا عَطَسَتْ شَيْبان إلا بأجْدَعا
فقوله : في جذع نخلة أي على جذع نخلة ، وقال بعض العلماء في قوله تعالى : ” وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُون ” أي من عباده ، فوضعت (عن) مكان (من)… وقد يضعون (على) في موضع (لكن) كقول الشاعر عمرو بن الأهتم السعدي :
أَلاَ طَرَقَتْ أَسْماءُ وَهْيَ طَرُوقُ وبانَتْ على أَنَّ الخَيالَ يَشُوقُ
بِــحــاجَةِ مَحْزُونٍ كأَنَّ فـــــؤادَهُ جَناحٌ وَهَى عَظْماهُ فَهْوَ خَفُوقُ
فقوله (على أنَّ) يريد بها (لكنَّ) .. ولا يعني الوقوف على أمثلة من هذا اللون اعتبار الأدوات كلها صالحة للتناوب في كل حال ومجال ، إنما المعوّل عليه هو الأخذ بالأشيع و المسموع ، فالمسموع في كلام العرب مثلاً : زاد على الشيء ، قال تعالى : ” أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ” ومع ذلك فكثيراً ما نسمع من يقول : زاد عنه ، وشبيه بهذا قولهم : سكت عليه ، أو هذا الأمر لا يجوز أن نسكت عليه ، وصواب الكلام أن نقول : سكت عنه .. وكثيراً ما نسمع من الناس هذه الأيام قولهم : فلان يعاني من عدّة أمراض ، أو فلان يعاني من الفقر كثيراً ، والمسموع من فصيح كلام العرب : فلان يعاني الشيء ، وعانى الشيء ، من غير حاجة إلى إقحام (من) في العبارة.
ويجمع بعض الكتّاب لفظة (إحساس) على (أحاسيس) ، وقد يجمعون غداً (إنجاز) على (أناجيز) و (إحسان) على (أحاسين) ، بينما المألوف أن يجمع مثل هذا على غرار جمع المؤنث السالم ، أي بالألف والتاء ، فتقول : إحساسات ، وإنجازات ، ويجمع ما كان على وزن أحاسيس الذي مفرده على مثال أُفعُول وإفعيل ، نحو أنبوب وأنابيب ، وإقليم وأقاليم…..

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
أستاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى