الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إغلاق الصحف..بين الموضوعي والذاتي ..وحرية القارئ

إغلاق الصحف..بين الموضوعي والذاتي ..وحرية القارئ

د. فايز رشيد

”يمكن الاتكاء على أسباب وعوامل موضوعية كثيرة كعوامل تؤدي إلى الإغلاق: العامل المتمثل في القراءة الإلكترونية للصحف، أزمة القراءة …الخ. لكن من الضرورة بمكان تذكير القائمين على الصحف المهددة بالإغلاق من خلال التساؤلات: ألا نعيش زمنا رديئا وانهيارا؟ ألا نشهد للأسف زمن الانهيار السياسي، الاقتصادي رغم الإمكانيات المتوفرة، التي تُجير لكل شيء، إلا لخدمة المواطن العربي؟”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
صحف عربية وعالمية تمكث في غرف الإنعاش، وستتحول إلى النسخ الإلكترونية منها. وما بين الحزن على إغلاق صحيفة ملتزمة بقضايا جماهيرها والأخرى العربية في منطقتنا، وبخاصة القضية المركزية، الفلسطينية.. وبين الواقع المرير، الذي نعيشه راهنا من انقلاب في المفاهيم الجميلة، التي رضعنا حليبها في العائلة والمدرسة والمجتمع.. يمتد زمن طويل من تحولات مفترض وفقا لمسيرة التاريخ، أن تكون نحو الأفضل رُقيا وتطورا واستجابة لما هو مفترض من عوامل بنيوية، رؤيوية، إدراكوية .. ترانا نغوص في التآكلية الذاتوية..تأكيدا لما كان قد كتبه ابن خلدون في مقدمته، عن مسيرة الدولة، بأنها ما قبل الانهيار، تعيش برهة كالذبال المشتعل، يومض قليلا، ثم لا يلبث أن ينطفئ.
إغلاق صحيفة يعني إغلاق جامعة! ندرك أننا على المستوى العربي نفتقد زمن أباطرة الصحافة: المرحومين هيكل، أحمد بهاء الدين ومحمد التابعي. هؤلاء العظماء إمكانيات صحفية، هؤلاء الكبار تعاملا وتواضعا، لكن ومثلما يقول المثل العربي”ما زالت الدنيا بخير”.أيضا، ما بين نابليون في قوله.. تأثير جريدة علي، أكبر من تأثير طعن وجهي بآلاف الرماح، وبين العديد من الصحف العربية والعالمية المهددة بالإغلاق، تكثر الأسباب!. للأسف يرى القائمون عليها، أنها أسباب موضوعية فقط! دون أخذ العوامل الذاتية منها بعين الاعتبار! في البداية أتفق مع ما كتبته “صحيفة الجارديان” عن رئيسة تحرير صحيفة New Day الجديدة، أليسون فيليبس، قولها إن “هناك كثيرين لا يشترون الصحف اليوم، ليس لأنها ما عادت تستهويهم، بل لأن الصحف المتوافرة حاليا في الأكشاك لا تلبي تطلعاتهم”. قول وحيد أذكره من بين العديد من النماذج الشبيهة.
يمكن الاتكاء على أسباب وعوامل موضوعية كثيرة كعوامل تؤدي إلى الإغلاق: العامل المتمثل في القراءة الإلكترونية للصحف،أزمة القراءة …الخ. لكن من الضرورة بمكان تذكير القائمين على الصحف المهددة بالإغلاق من خلال التساؤلات: ألا نعيش زمنا رديئا وانهيارا؟ ألا نشهد للأسف زمن الانهيار السياسي، الاقتصادي رغم الإمكانيات المتوفرة، التي تُجير لكل شيء، إلا لخدمة المواطن العربي؟ الانهيار الاجتماعي والثقافي؟ ألم تنتقل أزمة الثقافة لتطول المثقفين العرب؟ وحتمية انعكاس ذلك على الصحافة بحكم التأثر والتأثير؟ ثم أليست الصحافة فنا في الإدارة والتعامل مع الكتاب والقارئ بما يكفل حريته؟.
أكتب ما أكتب لا نتيجة لدراسة أكاديمية للإعلام، وإنما لخبرة اكتسبها صاحب هذه السطور على مدى أربعة عقود في الكتابة الرسمية، قضاها متنقلا بين العديد من الصحف العربية الجادة. أولا: هناك صحف تتعامل مع كتُابها كحجارة شطرنج ليس إلا؟ ثانيا، هناك صحف لا تكلف نفسها عناء الاتصال بالكاتب إذا أرادت الاستغناء عنه (وغالبا ما يكون لأسباب سياسية) فهي إما لا تنشر مقالاته فجأة دون أي تبرير تكتبه له! أو تطلب منه أن لا يطالب بمكافآته المادية! أو.. أو..الخ. ثالثا هناك محررون في صحف فنانون في تطفيش الكتّاب (بطريقة تعاملهم معهم) من الصحيفة، لصالح “الأنا “النرجسية والـ “الذات” المضخمة في عيون صاحبها! مع الرفض للآخر! السؤال، ألا يدرك رؤساء تحرير تلك الصحف..حقيقة محرريهم؟ هذا في ظل الحقيقة، أن الكاتب مضطر للتعامل مع أولئك ! لأنهم وُضعوا نُصب عينيه في الصحيفة! ولو كانوا في مواقع حياتية أخرى، لما اضطر الكاتب إلى التعامل معهم حتى بإلقاء التحية! مع أنها تجوز لمن تعرفه ولا تعرفه، “فهي صدقة” تُسجل لصاحبها وفقا لديننا الحنيف، وقد ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم “الدين المعاملة”. إن تكرر مشهد انفضاض الكتاب عن صحيفة، فبالتأكيد ستضطر للإغلاق، لأنها تفقد إحدى دعاماتها الرئيسية والحالة هذه.
رابعا وأخيرا: يبقى القول: إن لم تعتمد الصحيفة على قرائها وايجاد السُبُل الكفيلة باستمراريتها، واعتمدت في التمويل على جهة (أيا كانت) فستظل مهددة بالإغلاق، لأسباب يعرفها القاصي والداني بالطبع، ولا مجال لذكرها وربما تكون قاسية!. أذكر مقابلة صحفية للمرحوم الأستاذ هيكل، وكان ذلك في زمن العز الناصري.. من جملة الأسئلة التي سألتها المذيعة المتحمسة للكبير بعد مقدمة الإشادة الطويلة عن الجهة المعنية، كان السؤال:عن الوجه الحضاري للمخابرات المصرية آنذاك؟ أجاب باختصار: أنا لا أحب الخوض في موضوع أية مخابرات حتى لو كانت مخابرات عبدالناصر.. فأنا أكره المخابرات عموما.هكذا هو تمويل الصحف!.
أيا كانت الصحيفة التي ستغلق نسختها الورقية، ومدى درجة الاتفاق أو الاختلاف مع ما تكتبه! فإن ذلك.. مأساة فعلية.

إلى الأعلى